في المقال السابق طرحنا جملة اقتراحات وتعديلات تتعلق بقانون الإدارة المحلية كجزء من حزمة الإصلاح الاقتصادي-التشريعي الأولى المنتظرة بهدف الارتقاء بالأداء الاقتصادي. وفي هذا المقال، نناقش اقتراحات لتعديل قانوني العمل والبنوك بوصفهما من أهم القوانين المتصلة بالاقتصاد والتي تتطلب إصلاحاً عاجلاً.
أهم قانون يجب إعادة النظر فيه هو قانون العمل رقم 17 لعام 2010. فبدلا من تبنّي فلسفة 'حماية الوظيفة' يصبح مقصد القانون 'حماية العامل' وتشجيع خلق وظائف، ويجب الاعتماد في صياغة القانون الجديدة خمسة مبادئ، وهي المرونة، وحماية العامل والتنافسية، والرقمنة، وجذب الاستثمارات (لأنها تخلق فرص عمل).
يحتاج القانون ما لا يقل عن 30 تعديلاً مثل تحديث أنواع عقود العمل وإضافة عقود عمل جديدة (العمل عن بعد، العمل الهجين، العمل الحر 'فري لانس'، العمل عبر المنصّات الالكترونية، العمل الموسمي، العمل الجزئي، تقاسم الوظيفة، ساعات العمل المرنة، العقود الالكترونية)، والاعتراف القانوني بالتوقيع الالكتروني والتوقيع الموقع عبر الهوية الرقمية.
كذلك تقليل البيروقراطية، من مثل إلغاء إلزامية موافقة مديريات العمل على كثير من الإجراءات الروتينية والتحول إلى التسجيل الالكتروني والإخطار بدلاً من الموافقة المسبقة في كثير من المواضع غير الحساسة. إضافة إلى مرونة إنهاء الخدمة، واستبدال التعويضات غير الواضحة بنظام يعتمد على مدة الخدمة، والإنذار المسبق، والتعويض المحدد. كذلك النظر في فترة التجربة من 3 إلى 6 أشهر للوظائف الفنية والإدارية المتخصصة، وإضافة إمكانية السماح بالدفع بالعملات الأجنبية للشركات المتعاملة مع شركات غير سورية.
ضمن قانون العمل، علينا أيضاً إدخال نظام الحوافز والنظر في إمكانية ربطها بالإنتاجية، والأرباح والأداء والأسهم، وإضافة برنامج أسهم الموظفين كخيارات في الشركات الناشئة، وكذلك تنظيم اقتصاد المنصّات (سائقي التطبيقات، خدمات التوصيل، العاملين المستقلين)، وحماية أسرار الشركات، وإنشاء محاكم عمل متخصصة تفصل في النزاعات في مدة أقصاها 90 يوماً، ورقمنة سوق العمل عبر منصّة وطنية تشمل العقود، والتأمينات والأجور وتصريحات العمل، وإنهاء الخدمة.
قانون العمل يجب تعديله ليشمل تنظيم العمالة الأجنبية، وخاصة أن سوريا مقبلة على طفرة من دخول الشركات غير السورية التي يحق لها حسب القانون 114 توظيف 40 بالمائة من العمالة غير السورية، كذلك علينا إعادة تعريف الحدّ الأدنى للأجور، وربطه بمؤشر التضخم والإنتاجية وتكاليف المعيشة، إضافة إلى قوننة التدريب الإلزامي وإلزام الشركات بتخصيص نسبة من الرواتب للتدريب والتطوير، وكذلك دعم تشغيل الشباب بحوافز ضريبية للشركات التي توظف الخريجين الجدد، وتشغيل ذوي الإعاقة أو أصحاب الهمم، والمساواة وعدم التمييز.
وينبغي ربط التأمينات بالعقود الالكترونية بحيث يتم التسجيل مع توقيع العقد، وتسهيل انتقال العمال، وتبسيط إجراءات التفتيش وعقود التدريب، وإقرار إجازات أكثر مرونة، والصحة والسلامة المهنية، وحماية البيانات، وتنظيم العمل الدولي للسوريين العاملين لصالح شركات أجنبية، وتنظيم استخدام الأنظمة الالكترونية، ومراجعة نطاق تطبيق القانون، والفئات المستثناة من قانون العمل بما يتوافق مع معايير منظمة العمل الدولي.
بالتوازي مع ذلك، وإذا كنّا في سوريا نتطلع لنصبح مركزاً مصرفياً إقليمياً هاماً ونجذب بنوكاً عربية وأجنبية، فعلى البرلمان تعديل القوانين الناظمة لعمل المصارف بشكل جذري، من مثل قانون المصارف الخاصة رقم 28 لعام 2001، وقانون مصرف سوريا المركزي رقم 23 لعام 2002، والمرسوم رقم 34 لعام 2005.
وأهم ما يجب أن يتوفر في قانون المصارف الحديث هو تحرير سوق المصارف، بحيث بدلاً من الترخيص الذي يخضع لقرارات تنفيذية متعددة، يصبح الترخيص مستنداً على معايير واضحة وشفافة يقررها المصرف المركزي، مع مدة زمنية محددة للبت في الطلبات لا تتجاوز 90 يوماً، والسماح بالملكية الأجنبية 100بالمئة، والسماح بفتح فروع مباشرة للبنوك العالمية بل تشجيعها على ذلك للارتقاء بمستوى الخدمات المصرفية السورية البائسة الموجودة اليوم، والسماح بالاستحواذ والاندماج.
كذلك السماح بالبنوك الرقمية دون الحاجة لشبكة فروع تقليدية، والسماح ببنوك الاستثمار، والمصارف المتخصصة، وتحديث سرية المصارف ليحقق التوازن بين حماية الخصوصية ومكافحة غسيل الأموال ومكافحة الفساد والتعاون القضائي الدولي. وأهم تعديل في القانون المصرفي الجديد ينبغي أن يكون اعتماد معايير بازل 3 وبازل 4، والنص صراحة على الالتزام بمعايير رأس المال، والسيولة، واختبارات الضغط ، وإدارة المخاطر، وإقرار قانون مكافحة غسيل الأموال بما يتوافق ومعايير 'فاتف'، مع الحفاظ على كفاءة الإجراءات وعدم تحويل الامتثال إلى عبء غير مبرر على الأعمال، إضافة لتعديل معايير الإفصاح، والخدمات الالكترونية، والتحقق الرقمي من الهوية وفتح الحساب الكترونياً والتوقيع الكتروني والخدمات المصرفية عبر الهاتف.
كما تشمل التعديلات المقترحة حماية المستثمر الأجنبي والنص صراحةً على حرية تحويل الأرباح، وحرية تحويل رأس المال، والتحكيم الدولي. كذلك السماح بالخدمات الحديثة، وتنظيم التكنولوجيا المالية، وقوننة العملات الرقمية ووضع إطار قانوني للعملات الرقمية للبنك المركزي، والأصول الرقمية المرمزة، وتنظيم الأصول المشفرة إذا قرر المشرع السماح بها ضمن ضوابط محددة، وإنشاء بيئة تجريبية للشركات المالية الناشئة تحت إشراف المصرف المركزي.
ينبغي السماح بالتمويل الأخضر، والتمويل الإسلامي من صكوك ووقف استثماري، كذلك التمويل الدولي بمعنى فتح فروع خارج سوريا لبنوك سورية، وشركات تابعة، ومكاتب تمثيل، وإقرار استقلالية مصرف سوريا المركزي فيما يخص الرقابة والسياسة النقدية، ومنح التراخيص والإنفاذ الرقابي، وحماية الودائع، وتشجيع الاندماجات خاصة بين البنوك الصغيرة لترتقي بقدرتها على المنافسة، ومكافحة الاحتكار في السوق المصرفية، والخدمات العابرة للحدود للبنوك العالمية العاملة في سوريا.
السوريون يتطلعون لتكون سوريا 'سويسرا الشرق' في عالم المصارف، لذا يمكن وضع أهداف استراتيجية طموحة كرؤية لعام 2035، منها استقطاب 20 بنكاً أجنبياً على الأقل، ومنح حوافز للبنوك العالمية لفتح مقرات إقليمية في سوريا، ورفع أصول القطاع المصرفي لتتجاوز 100 مليار دولار، وأن تكون 90 بالمئة من المدفوعات رقمية بعيداً عن استخدام الأوراق النقدية.
(0)تعليقات