نا

ناصر السهلي

استطلاع رأي بشأن غزة يوسع الفجوة بين الرأي العام والحكومة في الدنمارك

Image
بعد ثلاث سنوات من حرب الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة المحاصر، تبدو الفجوة بين الرأي العام الدنماركي والموقف الرسمي للحكومة أكثر وضوحاً، فقد أظهر استطلاع جديد أجرته مؤسسة فيريان، وشمل 1073 دنماركياً، أنّ 60% منهم يوافقون على القول إن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، مقابل 13% فقط يرفضون هذا التوصيف، في حين لم يحسم نحو 28% موقفهم. ولا تكمن أهمية النتيجة، التي نُشرت صباح اليوم الأربعاء، في وصول نسبة المؤيدين إلى 60% فحسب، بل بتقاربها بين الفئات العمرية والجنسين، وفي حجم الفارق بينها وبين نسبة الرافضين. فمقابل كل دنماركي تقريباً يرفض وصف ما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية، هناك أكثر من أربعة يوافقون عليه. أما النسبة المتبقية، فيجيبون بـ"لا أعرف". وجاء السؤال بصيغة مباشرة: "هل توافق أم لا توافق على العبارة التالية: إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة؟". وأظهرت النتائج تقارباً لافتاً بين الفئات العمرية والجنسين، إذ بلغت نسبة الموافقة نحو 60% بين الفئات العمرية المختلفة، من الشباب بين 18 و35 عاماً إلى الفئة الأكبر سناً فوق 60 عاماً، وهو ما يعكس توزع النسبة بين مختلف التيارات السياسية، يساراً ويميناً. ففي حين بلغت نسبة الموافقة على وصف ما يجري في غزة بإبادة جماعية بين صفوف اليسار ويسار الوسط 84%، وصلت في أحزاب الائتلاف الحكومي إلى 56% في المتوسط، أما في المعارضة في يمين ويمين الوسط (الزرقاء) فقد وافق 50% على التوصيف، مقابل معارضة 21%. وتكتسب هذه النتيجة أهمية سياسية في بلد تتعامل حكومته، برئاسة ميتا فريدريكسن، بحذر شديد مع استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية". وتتعرض فريدريكسن لانتقادات واسعة منذ بداية الحرب على قطاع غزة بسبب مواقفها التي قامت على رفض مساواة الضحايا الأطفال في القطاع بالمستوى نفسه للإسرائيليين. وتتمسك حكومة فريدريكسن، مثل بعض الحكومات الأوروبية، بموقف يقول إن تحديد ما إذا كانت إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية هو مسألة قانونية ينبغي أن تحسمها المحاكم، وليس الحكومات. لكن الاستطلاع يشير إلى أن قطاعاً واسعاً من المجتمع الدنماركي بات أكثر استعداداً لاستخدام المصطلح، حتى قبل صدور حكم من محكمة العدل الدولية في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد دولة الاحتلال الإسرائيلي. يرى أستاذ العلوم السياسية وباحث الانتخابات في جامعة كوبنهاغن كاسبر مولر هانسن، بحسب ما أوردته صحيفة "بيرلنغسكا"، أنّ الأرقام مهمة لأنها تشير إلى اتجاه عام يتجاوز الحدود التقليدية بين الناخبين. ولا يرى الباحث أن النتيجة مفاجئة تماماً، في ضوء التغطية الإعلامية المكثفة للحرب وما رافقها من صور وشهادات وتقارير عن الوضع الإنساني في غزة. أما أستاذ الدراسات العالمية في جامعة روسكيلده، ياکوب إيغهولم فيلت، فيقول في تصريحات لصحف محلية إنه فوجئ بحجم النسبة، ولا سيما أنّ الحكومة والأحزاب الرئيسية ظلت حذرة في استخدام توصيف "الإبادة الجماعية". ويشير إلى أن وصول الرافضين إلى 13% فقط يجعل هذه المجموعة، وفق نتائج الاستطلاع، أقلية محدودة مقارنة بمن يقبلون التوصيف أو لا يحسمون موقفهم. في الأوساط المؤيدة للفلسطينيين في الدنمارك، تُقرأ نتائج الاستطلاع باعتبارها ثمرة تراكمية لنشاط سياسي وثقافي وشعبي امتد لسنوات. وفي هذا الشأن، يقول مسؤول المنتدى الفلسطيني في الدنمارك وليد ظاهر، إن النتيجة تأتي في وقت تتعرّض فيه حركات التضامن مع فلسطين في الدنمارك لمحاولات ربطها بمعاداة السامية أو التشكيك في دوافعها. ويرى في حديثه إلى "العربي الجديد" أنّ اتساع الاعتقاد بأنّ إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية يمثل رسالة سياسية إلى حكومة فريدريكسن بشأن استمرار الحرب وما يرافقها من الإرهاب الاستيطاني في الضفة الغربية. أما الناشط السياسي من "البيت الفلسطيني" عماد كعوش، المسؤول عن مهرجان الفيلم الفلسطيني في الدنمارك، فيربط التحوّل بما يصفه بتراكم طويل من التضحيات على الأرض الفلسطينية والفعاليات الثقافية والسياسية، من عروض الأفلام والنقاشات العامة إلى التظاهرات في كوبنهاغن ومدن دنماركية أخرى. ويرى أن النقاش حول فلسطين لم يعد محصوراً في النشاط السياسي، بل أصبح حاضراً في الثقافة والإعلام والمجتمع المدني.الذكرى الثالثة للحرب على غزة: دعوات دولية إلى إحياء المسار السياسيوقد انعكس هذا داخل البرلمان، فحزب اللائحة الموحدة وحزب البديل من أكثر القوى وضوحاً في استخدام توصيف "الإبادة الجماعية"، بينما تؤكد أحزاب حكومية وأخرى قريبة منها أن الحكم ينبغي أن يصدر عن المؤسسات القضائية الدولية. وفي الجناح اليميني، ترفض أحزاب مثل حزب الشعب الدنماركي اليمني المتشدد وحزب الديمقراطيين الدنماركيين الشعبوي هذا التوصيف، في حين يتخذ التحالف الليبرالي موقفاً أكثر تشككاً في الرواية التي تتبنى المصطلح. وفي وقت أظهر الاستطلاع أنّ 60% من الدنماركيين يرون أنّ إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، اختار رئيس تحرير صحيفة "فيكند أفيون" مارتن كراسنك، في خطه التحريري، موقفاً شديد النقد للحراك الثقافي المؤيد لفلسطين. وكانت الصحيفة قد تناولت فيلم "نازا" باعتباره عملاً "مرعباً ومهماً"، لكنها انتقدت في الوقت نفسه "روايته الأحادية للحرب" وما اعتبرته تعبئة لجمهور متعاطف أصلاً مع الفلسطينيين. ويتقاطع ذلك مع انتقادات كراسنك الأوسع لمواقف فنانين وكتاب وصحافيين أدانوا الحرب الإسرائيلية وطالبوا بوقف تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، في وقت تكشف نتائج الاستطلاع أن هذا النوع من الخطاب لم يعد محصوراً في دوائر سياسية وثقافية محدودة، بل يحظى بتأييد أغلبية واضحة من الدنماركيين. وتحاول صحيفة "بيرلينغسكا"، ذات التوجه المنتقد للحراك المؤيد لفلسطين، بدورها، شيطنة التضامن، وتهاجم عرض دور السينما الدنماركية للفيلم الفلسطيني "فلسطين36" و"نازا"، مطالبة بوقف عروض الأفلام المؤيدة لفلسطين. وجاءت نتائج الاستطلاع لتضع كثيرين في حرج حقيقي، كما يقرأ متابعون لها على مستوى الدنمارك. وتبرز في هذا السياق مفارقة سياسية: فبينما يتسع قبول المصطلح داخل المجتمع، تواصل الحكومة الدنماركية التمسك بمسافة قانونية ودبلوماسية عن توصيف إسرائيل بأنها ارتكبت إبادة جماعية، وسط مطالب بفرض عقوبات عليها من دون انتظار موقف أوروبي جماعي.
استطلاع رأي بشأن غزة يوسع الفجوة بين الرأي العام والحكومة في الدنمارك
View on original source
مشاركة
الأرشيف
إعجاب

(0)تعليقات

 

رأي ذو صلة

ملاحظة حول ملفات تعريف الارتباط

يستخدم نيوزهنت ملفات تعريف ارتباط ضرورية لإبقائك مسجلاً للدخول ولتذكر لغتك ودولتك، حتى يعمل الموقع كما تتوقع. بإذنك، نود أيضاً استخدام ملفات تعريف ارتباط تحليلية لفهم كيفية استخدام الأشخاص لنيوزهنت وتحسينه بمرور الوقت.

الموافقة تؤثر فقط على التحليلات. لمعرفة المزيد، اطّلع على سياسة الخصوصية or الشروط والأحكام.