مب

مبتدا

أفريقيا ومنتدى العلمين.. قراءة تحليلية في مخرجات تعاونية

Image
يأتي المنتدى باعتباره منصة حوارية مستدامة تستهدف الانتقال من مرحلة صياغة أولويات التنمية إلى الحشد الفعلي للموارد اللازمة لتنفيذها على أرض الواقع، فضلًا عن سد الفجوات المعرفية والتنموية، وتدشين مشروعات ملموسة عابرة للحدود تخدم شعوب القارة وتعزز قدرتها على مواجهة التحديات المشتركة. شارك في فعاليات المنتدى وجلساته نحو 1500 مشارك، من بينهم رؤساء دول وحكومات، وكبار المسؤولين، وممثلو القطاعين العام والخاص، إلى جانب قادة المال والأعمال والمستثمرين وممثلي المؤسسات المالية الدولية. في ضوء القراءة التحليلية لهدف انعقاد المنتدى، وما شهده من فعاليات، وما أسفر عنه من خلاصات واتفاقات، يمكن تسجيل أربع ملاحظات رئيسية: الأولى: جاء انعقاد المنتدى ثمرةً لمبادرة مصرية أقرها الاتحاد الأفريقي، تمحورت حول عقد منتدى دوري كل عامين في مدينة العلمين، بمشاركة الحكومة المصرية، ومفوضية الاتحاد الأفريقي، ووكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «أودا – نيباد»، والبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد «أفريكسم بنك»، باعتباره شريكًا رئيسيًا في دعم مجالات التجارة والاستثمار والتكامل الاقتصادي في مختلف أنحاء القارة. ويعكس هذا الترتيب المؤسسي أهمية المنتدى باعتباره إطارًا يتجاوز حدود اللقاءات السياسية التقليدية، إلى تأسيس آلية منتظمة تجمع صناع القرار ومؤسسات التنمية والقطاع الخاص حول أجندة مشتركة تستهدف تحويل فرص التعاون إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ. الثانية: صاحب انعقاد المنتدى معرضٌ أتاح لمجتمع الأعمال استعراض الفرص الاستثمارية الواعدة، والمشروعات الكبرى، والقطاعات الإنتاجية للشركات الأفريقية، بما وفر مساحة عملية لتيسير التواصل المباشر وبناء الشراكات بين الحكومات ومجتمعات الأعمال ومؤسسات التمويل الدولية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الحاجة إلى تعزيز دور القطاع الخاص في دفع مسيرة التنمية بالقارة، وزيادة الاستثمارات البينية، وتوفير قنوات أكثر فاعلية لربط الفرص الاستثمارية بمصادر التمويل والخبرات والتكنولوجيا. الثالثة: شهد المنتدى نشاطًا رئاسيًا مكثفًا، تمثل في المباحثات الثنائية التي أجراها الرئيس عبد الفتاح السيسي على هامش افتتاح المنتدى مع عدد من قادة ورؤساء الدول الأفريقية الشقيقة والصديقة، والتي تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف تجاه عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك. في هذا السياق، جاءت القمة الاستشارية الرباعية التي عُقدت في الرابع من أكتوبر على هامش المنتدى، وضمت قادة مصر والسودان وإريتريا والصومال، لتمثل مسارًا مهمًا في تعزيز العلاقات المصرية مع الأشقاء الأفارقة، وهو ما عكسه البيان الختامي الصادر عنها، والذي عبر عن مستوى التوافق بين الدول الأربع بشأن عدد من المبادئ والمصالح المشتركة، وفي مقدمتها احترام السيادة الوطنية ووحدة الأراضي، وحماية المؤسسات الوطنية، ورفض الكيانات الموازية، وضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر، واحترام قواعد القانون الدولي للمياه العابرة للحدود، وصون الأمن الإقليمي. وتكشف هذه المباحثات عن جانب آخر من أهمية المنتدى، باعتباره لم يقتصر على الملفات الاقتصادية والتنموية، وإنما وفر كذلك مساحة للحوار السياسي وتنسيق الرؤى بشأن قضايا الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بما يرتبط بصورة مباشرة بالمصالح المصرية والأفريقية المشتركة. الرابعة: أسفرت اللقاءات التي أجرتها الحكومة المصرية، بدءًا من رئيس مجلس الوزراء وعدد من الوزراء المعنيين، عن توقيع مجموعة من الاتفاقات ومذكرات التفاهم المشتركة مع عدد من الدول والمؤسسات الأفريقية في مجالات متعددة، شملت الزراعة والثقافة والتعليم والسياحة والصحة والذكاء الاصطناعي وغيرها، فضلًا عن تشكيل مجالس أعمال مصرية مع بعض الدول الأفريقية. وتؤكد هذه المخرجات أمرين مهمين؛ أولهما حرص مصر على زيادة استثماراتها في عدد من الدول الأفريقية، مع توجه واضح نحو توسيع حضور الشركات المصرية في الأسواق الأفريقية، والاستفادة من الفرص المتاحة في القطاعات الإنتاجية والخدمية المختلفة. أما الأمر الثاني، فيتمثل في حرص مصر على دفع التعاون الأفريقي المشترك، الذي لا يزال بحاجة إلى دفعة أكبر في مساراته الاقتصادية والاستثمارية والسياسية والأمنية، خاصة في ظل التحديات المتزايدة والتهديدات المتعاظمة التي تواجه دول القارة، والتي تفرض مزيدًا من التنسيق والعمل الجماعي. ومن ثم، فإن أهمية منتدى «العلمين – أفريقيا» لا ترتبط فقط بما شهدته جلساته من نقاشات أو بما تم توقيعه من اتفاقات ومذكرات تفاهم، وإنما بما يمكن أن يؤسس له من مسار مستدام للتعاون القاري، يجمع بين الإرادة السياسية والقدرة التمويلية والخبرات التنفيذية، ويحول فرص التكامل الأفريقي من أفكار ومبادرات إلى مشروعات ومصالح مشتركة. هكذا، مثل المنتدى ساحة جديدة لانطلاق القارة الأفريقية نحو المستقبل عبر جهود تعاونية مشتركة، تعزز قدرتها على بناء شراكات أكثر فاعلية، وتدعم حضورها ومكانتها في الساحة الدولية، بما يجعل من العلمين منصة للحوار الأفريقي، ومساحة لتحويل التوافق السياسي إلى تعاون اقتصادي وتنموي وأمني أكثر ارتباطًا باحتياجات شعوب القارة وتطلعاتها.
أفريقيا ومنتدى العلمين.. قراءة تحليلية في مخرجات تعاونية
View on original source
مشاركة
الأرشيف
إعجاب

(0)تعليقات

 

رأي ذو صلة

ملاحظة حول ملفات تعريف الارتباط

يستخدم نيوزهنت ملفات تعريف ارتباط ضرورية لإبقائك مسجلاً للدخول ولتذكر لغتك ودولتك، حتى يعمل الموقع كما تتوقع. بإذنك، نود أيضاً استخدام ملفات تعريف ارتباط تحليلية لفهم كيفية استخدام الأشخاص لنيوزهنت وتحسينه بمرور الوقت.

الموافقة تؤثر فقط على التحليلات. لمعرفة المزيد، اطّلع على سياسة الخصوصية or الشروط والأحكام.