مصر بين فساد النخبة وانهيار الدولة.. لماذا يدفع البسطاء ثمن تغول الكبار؟

مصر بين فساد النخبة وانهيار الدولة.. لماذا يدفع البسطاء ثمن تغول الكبار؟
View on original source
Category: Politics
Share
Archive
Like
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة. في مشهد يتكرر كالنبض المتقطع لقلب مريض لا يكاد يلتقط أنفاسه، تقف مديرة مدرسة في القليوبية تخرج من جيبها الخاص 18 ألف جنيه لتصلح ما أتلفه الفساد ، ومدير مدرسة يرتدي جلبابه ليكمل أعمال النظافة التي كان من المفترض أن تنجزها عقود الصيانة، وأشجار معمرة في شارع جامعة الدول العربية تسقط تحت مناشير البيروقراطية لتتحول إلى غبار، بينما تتصاعد الأصوات المطالبة بالتبرعات والبلاغات كحلول سحرية لكوارث من صنع الإدارة.الإعلام الرسمي أصبح رهينة للسلطة الاستبدادية وفي مأزق حقيقي بعد السماح له بهامش من الحرية يتناول فيها المعاناة اليومية للشعب المصري ؛ يعرض المشهد المتشابك فيزداد السخط ليبحث عن طريق إنقاذ السلطة فيكون الحل في التبرعات والبلاغات!!في هذا المشهد، الذي يجمع بين مأساة يونانية وكوميديا سوداء، يتجلى أعمق تناقض في الدولة المصرية الحديثة: استمرارها رغم انهيارها، وقيامها على أكتاف من يفترض أن تحميهم، وكأننا أمام كائن سياسي هجين يعيش بفضل تضحيات من يفترض أنه خُلق ليخدمهم، في انقلابات يومية للمنطق تقلب المعادلات وتخلخل البديهيات.ثمة سؤال فلسفي يطل برأسه في كل أزمة من هذه الأزمات، ليس سؤالاً تقنياً عن عجز في التخطيط، ولا سؤالاً إدارياً عن تقصير في المتابعة، بل سؤالاً وجودياً عن هوية الدولة ذاتها: كيف يمكن لدولة تنفق 25.5 مليار جنيه على هيئة الأبنية التعليمية أن تجد مدارسها تتهالك، ومديراتها تنفق من أعماق جيوبها؟ كيف يمكن لدولة تشيد عاصمة إدارية جديدة بآلاف الأفدنة، وتنفق المليارات على بنيتها التحتية الفائقة الحداثة، أن تترك أشجارها المعمرة تسقط تحت مناشير الجرارات دون نظام بيئي بديل، ودون خطة استراتيجية للحفاظ على ما تبقى من رئة خضراء في مدن تختنق بالتلوث والزحام؟هذا التناقض ليس مجرد خلل إداري يمكن إصلاحه بتدوير موظف، أو بتغيير وزير، أو بإطلاق حملة تفتيشية مفاجئة، بل هو مرآة لحالة وجودية غريبة: الدولة تُبنى على مستويين متباعدين، وكأنها تعيش انفصاماً في الشخصية بين الواجهة البراقة التي تبهج النخبة والمستثمرين، والأساس المتآكل الذي يئن تحت وطأة الفقراء والبسطاء.في كل مرة ينهار فيها سور مدرسة أو تُقطع شجرة، نرى نموذجاً من الاستثناء الدائم الذي أصبح هو القاعدة ذاتها، وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً، إذ تتحول الانحرافات إلى أعراف، وتصبح المخالفات هي المسار الطبيعي للأمور، بينما يصبح الأداء السليم هو الاستثناء الذي يحتاج إلى جهد خارق من فرد أو مؤسسة.الميزانيات تُصرف، لكنها لا تصل إلى مستحقيها إلا متآكلة ومنهوبة، والأوامر تُطلق من أعلى الهرم بحزم وتصميم، لكنها تتبخر في دهاليز البيروقراطية، والمساءلة تُعلن بضجة إعلامية عارمة، لكنها سرعان ما تخبو وتتلاشى، فلا يتحقق عدل ولا تظهر نتيجة، ليصبح الفساد ليس مجرد انحراف طارئ عن القاعدة، بل هو القاعدة نفسها التي تنظم حركة المرافق، والاستثناء الوحيد المؤلم هو حين يعمل شيء كما يجب أن يعمل.وحين يلتزم موظف بواجبه دون مقابل، وحين تدفع معلمة من جيبها لتكمل ما عجزت عنه ميزانية الدولة، فهذا يفسر لماذا يجد المواطن العادي نفسه مضطراً لدفع أموال إضافية في كل زاوية، في المدرسة والمستشفى والمرور وحتى في الشارع الذي يسلكه، ليس لأنه يحب الإنفاق الزائد، بل لأنه أدرك بالخبرة المريرة أن الانتظار حتى تعمل المؤسسة يعني انتظاراً أبدياً لا نهاية له.والمفارقة الأعمق والأكثر إيلاماً تكمن في أن من يدفعون ثمناً باهظاً لهذا الفساد الممنهج هم أنفسهم من يبذلون جهوداً خارقة لإبقاء الدولة قائمة على قدميها. حين تنفق معلمة من راتبها المتواضع على فصلها الدراسي، فهي لا تصلح جدراناً متشققة ونوافذ مكسورة فقط، بل تصلح صورة الدولة في عيون التلاميذ الذين يرون فيها تجسيداً للحلم الضائع والوعد المنكسر، وحين يقف مدير مدرسة في جلبابه ليكمل أعمال النظافة التي كان يفترض أن تنجزها شركات الصيانة المتعاقدة، فهو لا يزيل الأوساخ والغبار فحسب، بل يزيل عن الدولة عار تخليها عن واجبها الأساسي تجاه الأجيال الجديدة.هؤلاء البسطاء، المعلمون والممرضون والمهندسون الزراعيون والموظفون البسيطون، وحتى المواطن العادي الذي يدفع ضرائبه في صبر وينتظر خدماته في أمل، هم من يحملون جثة هذه الدولة على أكتافهم، يسيرون بها في موكب جنائزي حي، لا يريدون لها أن تسقط رغم ثقل ما تحمله من إخفاقات، ورغم تآكل ما يحيط بها من فساد، وكأن هناك إرادة خفية تحركهم، تمنعهم من التخلي عن هذا الكيان الذي خانهم، وكأن الوطن في أعماقهم أسمى من كل مؤسساته، وأبقى من كل أجهزته، وأقدس من أن يُترك لقدره الفاسد.وهذه الظاهرة ليست جديدة في التاريخ، فالأنظمة التي تترهل عادةً ما تبقى بفضل جهود الطبقات الوسطى الدنيا التي تستمر في أداء واجباتها رغم غياب المقابل العادل، رغم تآكل الأجور وغلاء الأسعار وانهيار الخدمات، وكأن هناك عقداً اجتماعياً غير مكتوب، بل غير معلن، ينص على أن الدولة قد تتخلى عن المواطن في كل تفاصيل حياته، لكن المواطن، الغارق في وطنه وحبه، لن يتخلى عن الدولة مهما بلغ بها الإهمال.وهنا يأتي السؤال المقلق الذي يتردد في أروقة المقاهي وعلى منصات التواصل الاجتماعي وفي أحاديث السيارات الخاصة: ماذا يحدث حين يكتشف هؤلاء البسطاء، أخيراً، أن تضحياتهم المتكررة ليست استثناء مؤقتاً لظروف طارئة، بل هي بديل دائم ومستدام عن الدولة الغائبة، وحين يدركون أن فساد الكبار لن ينتهي بفضل تضحيات الصغار، بل سيتغذى عليها ويزداد قوة واستفحالاً؟وما يتم تداوله من ملفات متتالية ( المدارس المتهاوية، والأشجار المعمرة المقطوعة، والميزانيات الضائعة)، والوعود المتكررة دون تحقيق، يكشف بوضوح قاطع أن الفساد لم يعد مجرد سلوك فردي يمكن محاسبته وإدانته، بل أصبح بنية مؤسسية متكاملة تنتج الفساد كمنتج ثانوي طبيعي لا مفر منه، هذا النوع الجديد من الفساد الممنهج لا يحتاج إلى رشوة مباشرة، ولا إلى صفقات سرية، ولا إلى محسوبية واضحة، بل يحتاج فقط إلى غض الطرف المتواطئ عن سوء التوزيع، وإلى تأجيل الصيانة إلى أجل غير مسمى، وإلى إعادة توجيه الاعتمادات المالية لصالح مشاريع أكبر وأكثر رناناً، وإلى إضفاء الشرعية على الاستثناءات التي تصبح مع الوقت أعرافاً مستقرة.إنه فساد بلا فاعلين محددين، أو بالأحرى بفاعلين كثر يتقاسمون المسؤولية فلا يشعر أي منهم بوزرها، وكأن اللعبة كلها قد صُممت لتكون بلا خطاة، بلا أبطال، بلا مسؤولين، وبلا ضحايا سوى ذلك المواطن البسيط الذي يدفع الفواتير ويحمل الأعباء.وهنا تكمن خطورة الموقف الحقيقي، فالفساد العميق يصبح مثل الماء الذي يملأ الشقوق الخفية في جدار الدولة، قد لا تراه بعينيك إلا حين يظهر من خلاله نبات الخلل الفاقع، لكنه في الحقيقة موجود في كل مكان، في كل مفصل، في كل قرار، في كل مهملة، وكل محاولة لإصلاح ظاهرة معزولة، كقطع شجرة هنا أو تهالك مدرسة هناك، هي أشبه بمحاولة يائسة لإخراج الماء من سفينة تغرق بملعقة صغيرة، بينما الثقب الفادح في قاع السفينة يتسع كل يوم، وتلك هي المعضلة الحقيقية التي لا تواجه سياسة أو اقتصاداً بقدر ما تواجه وعياً جمعياً يحتاج إلى يقظة ومراجعة.واللافت في هذا السياق أن الخطاب الرسمي يحاول باستمرار إعادة تعريف الأزمة على أنها استثناء وليسا قاعدة، وعلى أنها فشل فردي وليس فشلاً منظومياً، بينما الجمهور، بذلك الوعي الجمعي الفطري، يعيد تعريفها على أنها منظومة متكاملة وليس مجرد حادثة عابرة. وهذا الصراع العميق في التأويل هو لب الأزمة الثقافية التي تعيشها مصر اليوم، فبينما تعلن الوزارات بفخر عن إنجازاتها وتعيد توزيع المسؤوليات بين الأجهزة المختلفة، يصر المواطن بعناد على النظر إلى الصورة الكاملة، تلك الصورة المركبة لدولة تبني عاصمة إدارية فخمة وتترك مدارس أبنائها للمتبرعين، لدولة تشيد طرقاً سريعة فائقة الحداثة وتقطع أشجارها المعمرة بلا رحمة، لدولة تعلن موازنات قياسية قياساً بالتاريخ وتشهد خدمات متداعية في كل القطاعات الحيوية. وهنا يظهر الفارق الجوهري بين الدولة كجهاز إداري يتحرك وفق خطط مركزية، والدولة ككيان معنوي يعيش في وجدان الشعب وتاريخه؛ الأولى قد تتباهى بإنجازاتها الهندسية والعمرانية، لكن الثانية تظل معلقة في ذاكرة المواطن اليومية عبر تجاربه الصغيرة الحاسمة: مدرسة أبنائه، هواء مدينته، ماء صنبوره، شارع حيه، وحين تسقط هذه العناصر الحيوية الواحدة تلو الأخرى، يسقط معها جزء لا يتجزأ من شرعية الدولة ككيان أخلاقي يحمي ويوفر ويرعى.في لحظة الكتابة هذه، تقف الدولة المصرية عند مفترق طرق وجودي خطير، ليس بسبب مؤامرات خارجية محتملة، ولا بسبب أزمات اقتصادية عابرة، بل بسبب هذا الفساد الداخلي العميق الذي ينهش جسدها من الداخل بصمت، بينما يظل البسطاء، هؤلاء الأبطال المجهولون، يحاولون بكل ما أوتوا من قوة وإخلاص إمساك جسد وطنهم من التفتت.والسؤال الأكثر إلحاحاً الذي يطرحه هذا المشهد برمته، من مديرة المدرسة التي تنفق من جيبها إلى الشجرة التي تسقط بصمت دون أن يرثيها أحد، ومن المعلم الذي يلبس جلبابه إلى المواطن الذي ينتظر دوره في طابور الخدمات المتعثر؛ هو: كم يمكن أن يتحمل البسطاء قبل أن يسقط هذا العبء الثقيل من على أكتافهم المنهكة؟ وكم يمكن أن تستمر الدولة في حالة الاستثناء الدائم هذه قبل أن يصبح الاستثناء هو النهاية المحتومة لكل شيء؟الإجابة على هذا السؤال المصيري لن تكون في بيانات رسمية معلبة، ولا في وعود متجددة بتحقيق، ولا في تضحيات فردية من هنا وهناك، بل في قدرة النظام السياسي برمته على تحويل هذه الأصوات الناقدة المتعددة صوت المديرة المقهورة، صوت المواطن الغاضب، صوت الشجرة التي تسقط؛ إلى مراجعة حقيقية وشاملة، قبل أن تنهار كل الجسور التي يحاول البسطاء بإيمانهم العميق إبقاءها قائمة، وقبل أن يتحول هذا الوطن الجميل إلى مجرد ذكرى نندبها.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.