هل يبيع نظام السيسي قناة السويس؟

هل يبيع نظام السيسي قناة السويس؟
View on original source
Category: Politics
Share
Archive
Like
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة. تسود الشارع المصري والنخب السياسية والاقتصادية حالة من الصدمة والقلق البالغ، إثر كشف تقارير واقتراحات تسعى لتغيير الوضع القانوني والهيكلي لأهم مرفق سيادي في البلاد: "قناة السويس". وتتزايد الشكوك والاتهامات للسلطة الحاكمة بالتمهيد لرهن أو التفريط في المجرى الملاحي الدولي تحت وطأة أزمة ديون غير مسبوقة، وذلك عبر مخططات هندسة مالية تُقحم "البنك المركزي المصري" كمالك أو حائز لأصول القناة وإيراداتها.ورغم مسارعة المركز الإعلامي لمجلس الوزراء وهيئة قناة السويس بإصدار بيانات نفي قطعية تؤكد أن "القناة خط أحمر وهي ملك للشعب ولن تُباع أو تُرهن"، إلا أن هذا النفي الرسمي لم يعد يكفي لتهدئة المخاوف. فقد سبق للسلطة أن نفت مراراً وتكراراً نيّتها التفريط في أراضٍ استراتيجية أو فنادق تاريخية أو موانئ بحرية، قبل أن تفاجئ الجميع بصفقات بيع واستحواذ متتالية لمؤسسات وصناديق أجنبية وخليجية، وهو ما يجعل النفي الحكومي في نظر الشارع مجرد تمهيد لإمراره الواقع.التحقيق التالي يقدم قراءة موسعة وشاملة لأبعاد هذه الأزمة، ويستعرض بالتحليل الدستوري والقانوني والاقتصادي كواليس مخطط نقل تبعية أصول قناة السويس للبنك المركزي، ومدى قانونية هذا الإجراء، وسياق البيع السريع لأصول الدولة المصرية.بدأت شرارة الأزمة تتصاعد عقب تسريبات واقتراحات صدرت عن أروقة صناعة القرار الاقتصادي، تتحدث عن طرح صيغة تُعرف بـ"المقايضة الكبرى" أو مبادلة الأصول بالديون الداخلية. وتتلخص هذه الفكرة في إطعام أو شطب جزء من الديون الحكومية الثقيلة المستحقة للبنك المركزي والبنوك المحلية -والتي تجاوزت حاجز الـ11 تريليون جنيه مصري- مقابل نقل ملكية أصول استراتيجية ومرافق سيادية تدر تدفقات مالية، وفي مقدمتها هيئة قناة السويس والشركات التابعة لها، إلى البنك المركزي.تعتمد هذه الهندسة المالية المحاسبية على تحويل المديونية الحكومية الدفترية إلى ملكية عينية لمرافق تُنتج أرباحاً وتدفقات نقدية بالعملة الصعبة والمحلية. بيد أن إقحام البنك المركزي في هذه المعادلة يمثل سابقة تاريخية وخرقاً مهنياً وقانونياً لعدة أسباب:أولاً: إن الوظيفة الدستورية والقانونية الحصرية للبنك المركزي، وفقاً لقانون الجهاز المصرفي رقم 194 لسنة 2020 وللمعايير المصرفية الدولية، تتلخص في إدارة السياسة النقدية، وإصدار العملة الوطنية، وضبط مستويات التضخم، والرقابة على الجهاز المصرفي، وإدارة الاحتياطي النقدي الأجنبي. والبنك المركزي ليس شركة قابضة ولا صندوقاً استثمارياً ليتم تمليكه مرافق تجارية أو مجارٍ ملاحية ومصانع وموانئ.ثانياً: يفتح نقل تبعية أصول القناة أو إيراداتها إلى البنك المركزي باباً خلفياً لعمليات "توريق" الإيرادات المستقبلية. والتوريق يعني قيام البنك المركزي ببيع سندات أو صكوك مالية مضمونة بالتدفقات النقدية لقناة السويس في الأسواق المالية الدولية والمحلية لجلب سيولة عاجلة. وهذا التوريق يعد في جوهره رهناً مباشراً لإيرادات القناة لعشرات السنين القادمة لصالح دائنين أجانب ومحليين، وهو ما يسقط الحماية السيادية عن المرفق.تشكل المبادرات المطروحة لنقل ملكية أو تبعية قناة السويس للبنك المركزي انتهاكاً صريحاً ومباشراً لأحكام الدستور المصري الحالي. إذ تنص المادة (43) من الدستور الصادر عام 2014 بعبارات قاطعة لا تقبل التأويل على ما يلي:"تلتزم الدولة بحماية قناة السويس وتنميتها، والحفاظ عليها بصفتها مجرى مائياً دولياً مملوكاً لها، كما تلتزم بتطوير القطاع المعاون للقناة باعتباره الممر المائي الدولي".ويؤكد فقهاء القانون الدستوري والقانون المدني أن هذا النص يرسخ عدة حقائق قانونية يضرب بها المخطط الحالي عرض الحائط:* الملكية العامة المستقرة: المجرى الملاحي لقناة السويس وكافة مقوماته يعتبر من الأموال العامة المملوكة للشعب ملكية مباشرة، وهي أموال لا يجوز التصرف فيها، ولا الحجز عليها، ولا تملكها بالتقادم، ولا يجوز نقل ملكيتها لجهات اعتبارية حتى وإن كانت حكومية إذا كان الهدف من النقل تغيير طبيعتها القانونية أو إدخالها في تعاملات مالية وتجارية.* ثغرة "صندوق هيئة قناة السويس": يربط محللون بين مخطط البنك المركزي الحالي وبين التشريع المثير الجدل الذي أقرته السلطة سابقاً بإنشاء "صندوق هيئة قناة السويس". فقد مُنح هذا الصندوق صلاحيات موسعة تشمل شراء وبيع واستئجار واستغلال الأصول الثابتة والمنقولة. ويُرى في هذا الصندوق الأداة القانونية التي تم إعدادها مسبقاً لتفتيت هيئة قناة السويس، وفصل أصولها المادية عن المجرى الملاحي، تمهيداً لنقل ملكيتها أو رهنها للبنك المركزي أو لكيانات استثمارية أخرى.* بطلان التصرفات المخالفة للسيادة: إن إسناد ملكية المرفق أو جزء منه للبنك المركزي بهدف التغطية على عجز الموازنة أو تسوية ديون طباعة النقود يعتبر التفافاً غير مشروع على مبدأ سيادة الدولة، ويعرض كافة الاتفاقيات المالية المشتقة من هذا الإجراء للبطلان الدستوري مستقبلاً.لا يمكن فهم خطورة ما يجري لقناة السويس بمعزل عن السياق العام لسياسة "تسييل الدولة" التي ينتهجها النظام المصري منذ سنوات. فقد أدّت السياسات الاقتصادية القائمة على التوسع الهائل في الاستدانة الخارجية والداخلية، وإنفاق عشرات الملايين من الدولارات على مشاريع بنية تحتية غير إنتاجية، إلى وقوع البلاد في مصيدة ديون تاريخية.ومع تضاعف أعباء خدمة الدين وتجاوز الدين الخارجي حاجز الـ160 مليار دولار، وضغوط صندوق النقد الدولي لتوفير النقد الأجنبي وتخليص الموازنة من العجز، تحولت السلطة إلى خيار البيع السريع والمكثف لكل ما تملكه الدولة:* بيع الأراضي والشرائط الساحلية الاستراتيجية: تمثل ذلك في صفقة "رأس الحكمة" التي تم بموجبها التنازل عن مساحات شاسعة من الساحل الشمالي لصالح أطراف أجنبية مقابل 35 مليار دولار، تلاها الإعلان عن التخطيط لطرح مناطق ساحلية أخرى مثل "رأس بناس" على البحر الأحمر.* الاستحواذ على الفنادق والشركات التاريخية: تم بيع حصص حاكمة في شركة الفنادق التاريخية التي تضم أعرق فنادق مصر في القاهرة والإسكندرية والأقصر، بالإضافة إلى بيع حصص في أكبر شركات البتروكيماويات والأسمدة والشركات التابعة للقوات المسلحة (مثل صافي ووطنية).* بيع القطاع المصرفي والموانئ: واصلت السلطة عرض بنوك حكومية تاريخية للبيع مثل "بنك القاهرة" و"البنك المتحد"، إلى جانب منح حقوق إدارية وتشغيلية طويلة الأمد لموانئ بحرية رئيسية على البحرين الأبيض والمتوسط لشركات وصناديق إقليمية ودولية.هذا المسار المتسارع لبيع الأصول يؤكد أن السلطة باتت تتعامل مع الممتلكات الوطنية والمرافق السيادية باعتبارها خزانة مالية طارئة تُسيل لدفن أزمات الموازنة العامة لسنة أو سنتين، دون تقديم أي حلول هيكلية لمعالجة الأزمة الاقتصادية من جذورها.جاءت التوترات الجيوسياسية والعسكرية الأخيرة في منطقة البحر الأحمر وباب المندب لتعمق أزمة هيئة قناة السويس المالية وتزيد الخناق على السلطة في القاهرة. فقد أدت الهجمات والمواجهات الملاحة إلى تحول نسبة ضخمة من حركة الشحن التجاري العالمي بعيداً عن قناة السويس نحو طريق رأس الرجاء الصالح.وانعكس هذا الاضطراب الملاحي بشكل كارثي على التدفقات المالية لمصر، فقد تراجعت إيرادات قناة السويس بنسب قياسية تجاوزت 50 في المئة إلى 60 في المئة في بعض الفترات، ما أدى إلى فقدان الموازنة العامة مليارات الدولارات، القيمة التي كانت تشكل ركيزة أساسية للعملة الصعبة إلى جانب تحويلات المصريين في الخارج والسياحة.هذا التهاوي الحاد في إيرادات القناة حَرَم السلطة من مورد أجنبي مستقر وموثوق كان يُستخدم لسداد أقساط ديونها الخارجية. وأمام هذا العجز الدولاري، اندفعت الدوائر الاقتصادية للنظام للبحث عن أفكار غير تقليدية وراديكالية للاستفادة من القناة محاسبياً، حتى لو كان ذلك عبر نقل تبعيتها للبنك المركزي لتغطية أزمات السيولة.كما أدى رفع أسعار الفائدة لمستويات قياسية لمواجهة التضخم إلى زيادة تكلفة خدمة الدين الداخلي على الموازنة العامة، مما جعل الحكومة عاجزة عن سداد الفوائد للبنوك وللبنك المركزي، ليكون خيار "مقايضة الأصول بالديون" هو الحل الأسهل للهروب من إعلان الإفلاس المالي الداخلي.يتجاوز الجدل الدائر حول قناة السويس مجرد الخلاف على أرقام الموازنة أو القوانين المصرفية، ليطال صلب المفهوم الشامل للأمن القومي المصري ومكانة البلاد الجيوسياسية. فقناة السويس ليست مجرد ممر مائي تجاري، بل هي رمز للنضال الوطني والسيادة التاريخية المضمخة بدماء مئات الآلاف من المصريين الذين حفروا القناة ودافعوا عنها في مواجهة الحروب والعدوان الثلاثي عام 1956 وصولاً لقرار التأميم الخالد.إن تحويل القناة أو شركاتها وإيراداتها إلى محفظة استثمارية تابعة للبنك المركزي تمهيداً لتوريقها أو إشراك دائنين في التدفقات المالية الخاصة بها يحمل مخاطر أمنية وجيوسياسية جسيمة:أولاً: فقدان أوراق الضغط الجيوسياسي: تعتبر قناة السويس إحدى أهم أدوات التأثير الجيوسياسي لمصر على الساحة الدولية. وإذا ما أصبحت إيرادات القناة أو أصولها مرهونة لاتفاقيات مالية أو صكوك صادرة للدائنين، فإن الإرادة السياسية المصرية وقرارها المستقل سيصبحان مرتهنين لرغبات القوى المالية الدولية والإقليمية.ثانياً: النفوذ الخارجي على الممرات الحاكمة: تسعى العديد من القوى الإقليمية والدولية لإيجاد موطئ قدم دائم في الممرات المائية الحاكمة للتجارة العالمية. وفتح أبواب الهيكلة المالية لقناة السويس يمهد لمنح تلك القوى نفوذاً غير مباشر في إدارة وتوجيه الملاحة والمنطقة الاقتصادية المحيطة بالقناة.ثالثاً: تآكل السلم الاجتماعي والثقة الشعبية: يشعر الشارع المصري بمرارة حادة جراء الغلاء المتصاعد وفقدان أصول الدولة وتدهور قيمة العملة. وأي مساس حقيقي أو شكلي بقناة السويس يُعد خطاً أحمر في الوعي الجمعي المصري، ومن شأنه أن يفجر موجة غير مسبوقة من الغضب الشعبي وفقدان الثقة المتبقية في المؤسسات الرسمية.إن معالجة خلل الديون عبر تسييل المرافق الوطنية وتغيير معالمها القانونية لا يعدو كونه مسكّناً مؤقتاً وشديد الخطورة؛ إنه يضحي بمستقبل الأجيال القادمة وبمقومات الدولة السيادية من أجل حلول مالية مؤقتة لا تصمد أمام واقع الأزمة الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد المصري.في ظل تسارع خطى بيع الأصول وتراكم الضغوط الاقتصادية، هل تعتقد أن الحديث عن نقل تبعية قناة السويس للبنك المركزي هو مجرد حبل نجاة محاسبي مؤقت، أم أنه تمهيد خطير لرهن وتفكيك آخر قلع السيادة الوطنية في مصر؟

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.