الطاقة الشمسية.. استثمار اقتصادي يتوسع في تونس لمواجهة عجز طاقي يتجاوز 59 بالمائة

الطاقة الشمسية.. استثمار اقتصادي يتوسع في تونس لمواجهة عجز طاقي يتجاوز 59 بالمائة
View on original source
Category: Business
Share
Archive
Like
أعادت موجة الحر الاستثنائية التي شهدتها تونس خلال شهري جويلية وأوت 2026 ملف الطاقة إلى صدارة الاهتمام، بعدما كشفت الارتفاعات القياسية في درجات الحرارة وما رافقها من تصاعد في الطلب على الكهرباء عن صعوبة المنظومة الكهربائية في مجاراة ذروة الاستهلاك وتلبية مختلف الحاجيات في فترات الضغط. وفي خضم هذا الواقع، عاد ترشيد استهلاك الكهرباء والبحث عن بدائل أكثر استدامة، وفي مقدمتها الطاقات المتجددة، إلى واجهة النقاش حول أمن الطاقة ومستقبلها. ولا تبدو الطاقة الشمسية اليوم مجرد خيار بيئي أو وسيلة لتقليص فاتورة الكهرباء، بل تتحول تدريجيا إلى استثمار اقتصادي قادر على تحقيق عائدات ملموسة للمؤسسات، إلى جانب الحد من استهلاك الطاقة التقليدية وتقليص الانبعاثات الملوثة. ففي احد النزل السياحية بجربة من ولاية مدنين، تتجسد هذه المعادلة في تجربة عملية، إذ لم يقتصر الاستثمار في الطاقة الشمسية على ترشيد استهلاك الكهرباء وتقليص كلفتها، بل أفضى أيضا إلى توفير مدخول مالي للمؤسسة وتحقيق أثر بيئي إيجابي، في تجربة تعكس تنامي حضور الطاقات المتجددة في القطاع السياحي وقدرتها على التحول من مجرد حل لمواجهة ارتفاع كلفة الطاقة إلى خيار استثماري ذي مردودية اقتصادية وبيئية. فمنذ سنوات، تعتمد المؤسسة على الإنتاج الذاتي للكهرباء، ما مكنها من تغطية ما يقارب 50 بالمائة من حاجياتها من الكهرباء، وتحقيق اقتصاد مالي يناهز 300 ألف دينار سنويا، إلى جانب الحد من الانبعاثات الملوثة بما يعادل 400 طن سنويا، وفق المدير التقني للنزل وليد عمر، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء. وتعود هذه التجربة إلى سنة 2018، تاريخ انطلاق عملية تركيز منظومة الطاقة الشمسية، بالتعاون مع الشركة التونسية للكهرباء والغاز والوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة. وقد تم تركيز القسط الأول من المحطة سنة 2019، قبل مواصلة تركيب بقية الألواح، إثر تسجيل نتائج إيجابية شجعت المؤسسة على توسيع اعتمادها على الطاقة الشمسية، وفق مدير النزل حسام القاسمي. ويشير القاسمي إلى أن المحطة تنتج سنويا ما بين 40 و50 بالمائة من استهلاك المؤسسة من الكهرباء، معتبرا أن الطاقة الشمسية تحولت اليوم من مجرد وسيلة لتقليص كلفة الاستهلاك إلى استثمار يحقق مردودية واضحة ويوفر طاقة نظيفة، خاصة في جربة التي تتمتع بساعات سطوع شمسي طويلة تتيح إنتاج الطاقة على امتداد جزء كبير من اليوم. ولم تتوقف فوائد هذا الاستثمار عند خفض فاتورة الكهرباء، إذ مكن من توجيه جزء من الموارد نحو تطوير ممارسات بيئية مستدامة داخل المؤسسة. ومن بين هذه المبادرات، إنتاج الملح الطبيعي وتحويله إلى كلور يتم استخدامه في تنظيف المسابح، بما يساهم، وفق القاسمي، في توفير مياه سباحة نظيفة وطبيعية، إلى جانب تطوير منظومة للفرز الآلي للمواد العضوية والخطيرة. تونس تتطلع الى رفع مساهمة الطاقات المتجددة الى 50 بالمائة بحلول 2035 ولا تقتصر دلالات تجربة نزل جربة على حدود المؤسسة أو القطاع السياحي، إذ تندرج ضمن توجه أوسع تفرضه تحديات الوضع الطاقي في تونس. فمع تنامي العجز الطاقي وارتفاع الحاجة إلى تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، يبرز التوسع في الطاقات المتجددة، ومنها الطاقة الشمسية، كأحد الخيارات الأساسية لتعزيز الإنتاج المحلي للطاقة وتحقيق أهداف الانتقال الطاقي. وقد أكد مدير إدارة الطاقة الشمسية بالوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، كريم النفزي، أن تونس تواجه عجزا طاقيا وصفه بالكبير، يتجاوز 59 بالمائة من مجمل الاستهلاك الوطني للطاقة. وقال النفزي إن التوسع في اعتماد الطاقات المتجددة أصبح خيارا ضروريا لمجابهة هذا الوضع، فضلا عن كونه خطوة أساسية لتحقيق الأهداف الوطنية في مجال الانتقال الطاقي، والمتمثلة في بلوغ حصة الطاقات المتجددة 35 بالمائة من مزيج الطاقة في أفق سنة 2030، لترتفع إلى 50 بالمائة بحلول سنة 2035. وأوضح أن الطاقة الفولطاضوئية تعد من أبرز مصادر الطاقات المتجددة، إلى جانب طاقة الرياح والكتلة الحيوية والطاقة الشمسية الحرارية، مشيرا إلى أن استخدامها يشهد توسعا ملحوظا بفضل التطور الذي عرفته هذه التكنولوجيا، سواء على مستوى كفاءة الألواح الشمسية أو تراجع أسعارها في السوق الدولية. وأضاف أن نظام الإنتاج الذاتي للكهرباء يتيح للفاعلين الاقتصاديين في قطاعات الصناعة والفلاحة والخدمات، ومن بينها المؤسسات السياحية، تقليص فاتورة استهلاك الكهرباء والحد من الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، فضلا عن خفض الانبعاثات والحد من استخدام الطاقات الأحفورية. وفي هذا الإطار، تتولى الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة، وفق النفزي، تنفيذ سياسة الدولة في مجال الانتقال الطاقي والطاقات المتجددة، من خلال مرافقة المؤسسات الاقتصادية الراغبة في الاستثمار في هذا المجال. وتشمل هذه المرافقة إجراء دراسات خصوصية، من بينها دراسات لفائدة مؤسسات فندقية في جربة وتوزر، لتقييم إمكانيات إنجاز مشاريع الطاقة المتجددة وتحديد العوائق التي قد تعترض تنفيذها. كما توفر الوكالة آليات للدعم المالي عبر صندوق الانتقال الطاقي، إلى جانب الإحاطة الفنية، بما يساعد المؤسسات على الانتقال نحو حلول طاقية أكثر كفاءة واستدامة. من المؤسسات الاقتصادية إلى المواطنين. تركيز اكثر من 150 الف نظام فوطاضوئي لدى المواطنين ولا يقتصر الإنتاج الذاتي للكهرباء على المؤسسات الاقتصادية، بل يشمل المواطنين أيضاً، الذين يعدّهم النفزي من بين أبرز المستفيدين من الطاقات المتجددة، ومن بينها الطاقة الشمسية الحرارية، وخاصة السخانات الشمسية. وسجلت الوكالة الوطنية للتحكم في الطاقة تركيز أكثر من مليون متر مربع من السخانات الشمسية، إلى جانب أكثر من 150 ألف نظام فولطاضوئي لدى المواطنين على مساكنهم، وهو ما اعتبره النفزي مؤشراً على انخراطهم المتزايد في مسار الانتقال الطاقي، مدفوعاً بالوعي بما توفره هذه التقنيات من اقتصاد في الطاقة، سواء على مستوى الدولة أو بالنسبة إلى المواطن، ولا سيما من خلال تقليص كلفة فواتير الكهرباء والغاز المسيل. ويربط النفزي هذا التطور بالمسار الذي شرعت تونس في إرسائه منذ سنة 2010، من خلال وضع الأطر القانونية المنظمة والمشجعة على الإنتاج الذاتي للكهرباء، معتبراً أن تطور اللجوء إلى هذه الحلول يعكس تنامي وعي المواطنين والمؤسسات الاقتصادية بأهمية الطاقات المتجددة، بالتوازي مع ارتفاع حجم الاستثمارات في هذا المجال من سنة إلى أخرى. ويشير إلى أن إنجازات الطاقة الشمسية سجلت نمواً تجاوز 60 بالمائة سنة 2025 مقارنة بسنة 2024، فيما تجاوزت قدرة الأنظمة الفولطاضوئية المرتبطة بالشبكة ذات الجهد المنخفض 420 ميغاوات خلال سنة 2025، من بينها أكثر من 130 ميغاوات في قطاعات النزل والصناعة والفلاحة. ويرى النفزي أن هذه الأرقام تعكس اتساع نطاق استخدام الطاقة الشمسية وتنامي الوعي بأهميتها لدى مختلف الفاعلين. الطاقة الشمسية.. استعمالات تتجاوز إنتاج الكهرباء ولا تتوقف إمكانيات الطاقات المتجددة عند إنتاج الكهرباء، إذ يمكن توظيف الطاقة الشمسية أيضا في تشغيل محطات تحلية المياه وتوفير جزء من احتياجاتها الطاقية. وفي هذا المجال، أشار النفزي إلى تجربة أنجزتها الوكالة في إطار التعاون مع القطاع الخاص، تمثلت في تركيز محطة لتحلية المياه تعتمد على الطاقة الشمسية الفولطاضوئية في قابس، وهو ما ساهم في دعم النشاط الفلاحي ومكّن صاحب الأرض من استغلال المياه المحلاة في الزراعات الفلاحية. كما ساهمت الوكالة، بالتعاون مع الشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه، في دراسة إمكانية تركيز ألواح فولطاضوئية بمحطة تحلية مياه البحر في جربة، بما من شأنه توفير جزء من احتياجات المحطة من الكهرباء. ولفت النفزي إلى أن تقنيات الطاقة الشمسية باتت قابلة للتوظيف في مختلف القطاعات والاستخدامات، دون استثناء، ومن بينها ضخ المياه، بما يوسع من مجالات الاستفادة منها ويعزز دورها في تقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية. ويمتد مسار الانتقال الطاقي أيضا إلى المؤسسات العمومية، حيث تم، خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2026، إنجاز مشاريع بطاقة إجمالية تتجاوز 30 ميغاوات، بحسب كريم النفزي.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.