داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: لم أطلب مصحفاً

داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: لم أطلب مصحفاً
View on original source
Category: Blend
Share
Archive
Like
كان الفجر يتسلل ببطء فوق الأرض المنبسطة، خفيفاً وحذراً، كأنه يخشى أن يوقظ ما نام فيها من ذكريات. وقف الملازم أحمد السعيد قرب خيمته، ينتظر أن ينفصل الخيط الأبيض من الخيط الأسود، في أول أيام شهر رمضان.كان قد أمضى ما بقي من الليل قرب نار خافتة، يتناول مع بعض الجنود قطعاً مشوية من فخذ عجل ضلّ عن أصحابه، أو تركه أهله وراءهم حين نزحوا على عجل إلى أماكن لا يعرف أحد أين انتهت بهم السبل. لم يسأل أحمد السعيد الجنود عن صاحب ذلك العجل. في الحرب تكون الأسئلة من هذا النوع من العبث، إذ لا أحد يبحث عن الحقيقة.حين سمعوا أذّن الفجر من مذياع صغير، انطفأت الأيدي عن الطعام، وساد صمت قصير، ثم ابتعد كل واحد إلى مكانه. كان الجو معتدلاً يميل إلى البرودة، إذ كانت السنة قد دخلت شهرها الثالث، بينما حلّ رمضان هذه المرة في أيام لا تزال فيها الأرض تحتفظ ببعض برودة الشتاء. لذا قال أحمد في نفسه، وهو يمرر أصابعه على سبحة من مائة وواحد خرزة:"إذ كانت الشياطين قد صفدت هذه الليلة، من الذي يهمس في رأسي الآن؟"حرّك خرزة أخرى."ربما شياطني أقوى من كل ما سبق"رفع رأسه. بدت القرى تمتد أمامه متفرقة وصامتة، بيوت متباعدة وأبواب موصدة، وسيارات متروكة بلا انتظام على أطراف الطرق الترابية، كأن أصحابها أوقفوها للحظة ثم ذهبوا ليعودوا بعد قليل، لكن ذلك القليل طال حتى نسيته الطرق.ارتفعت الشمس شيئاً فشيئاً، وانحسر الضباب الذي ترك كل شيء رطباً. تحرك الجنود في أماكنهم، وبدأ الصباح يكشف تفاصيل الأرض. غير أن شيئاً آخر كان يتحرك في داخله، إذ كان أحمد السعيد في بداية حياته العسكرية. وما يزال يحلم، مثل كثيرين، ببيت صغير، وزوجة، وأثاث لا يشبه أثاث الثكنات، وغرفة استقبال تفتح نافذتها على شارع آمن لا يوقظه فيه صوت انفجار أو نداء عاجل.قال لنفسه:"أليس من حقي أن أعيش مثل الآخرين؟ بيت، غرفة، تلفاز. ما الذي أطلبه من الدنيا؟"ثم ابتسم ابتسامة قصيرة."تلفاز فقط... "عاد يحرك خرزات المسبحة."ولكن، من أين سآتي به؟"توقف. نظر إلى القرى المهجورة، كان يعلم أن بعض البيوت لا تزال مغلقة بما فيها. وكان الجنود يعرفون ذلك أيضاً. لم يكن الأمر سراً، فقد صار كل واحد يجد لنفسه مبرراً صغيراً لما يأخذه: هذا يفك مصابيح سيارة، وذاك ينتزع أصابع القدح لتشغيل سيارة واحتفظ بها في جيبه، وثالث ذبح شاة وجدها شاردة، ثم قال إن الحرب لا تترك مجالاً لانتظار أصحابها، وآخر مذياع سيارة.أغمض أحمد عينيه لحظة."أنا لا أسرق"قالها في داخله، ثم لم يصدقها. فتح عينيه بسرعة، كأن أحداً قد سمعه:"أنا آخذ شيئاً من بيت مهجور، بيت بلا أصحاب. وربما لو عادوا فلن يجدوا شيئاً أصلاً"التفت إلى أحد الجنود، وكان هناك فتىً هادئاً لم يمضِ على وجوده في الوحدة إلا أشهر قليلة. قال له بصوت منخفض:- اذهب إلى تلك البيوت، وانظر إن كان فيها تلفاز صالح.رفع الجندي عينيه نحوه.- قلت لك: تلفاز، ولا تتأخر.ظل الجندي واقفاً لحظة، كأنه يريد أن يسأل شيئاً، ثم قال:- أمرك سيدي.تابعه أحمد وهو يبتعد بين السيارات المتروكة والبيوت الصامتة. في أثناء انتظاره، حاول أن يتخيل التلفاز في بيته المفترض. رآه في غرفة استقبال لم تُبنَ بعد، وعلى طاولة لم يشترها، وأمامه زوجة لم يتعرف إليها.ضحك في سره."انظر إليك، تبني بيتاً كاملاً من أجل تلفاز مسروق"توقفت يده عن تحريك السبحة."لم أسرقه"ثم أعادها إلى جيبه. مرت الدقائق ثقيلة، وكان الجندي قد اختفى خلف صف من البيوت الطينية. أخذ أحمد يتابع الطريق الذي دخل منه، وكلما طال غيابه شعر برغبة في مناداته:- أسرع؟لكنه تراجع."لا، لا ينبغي أن أبدو متلهفاً. أنا ملازم وللرتبة هيبتها"ثم سخر من نفسه:"أي هيبة هذه التي تخاف أن يفضحها تلفاز؟"وبعد قليل ظهر الجندي. كان يحمل على ما يبدو تلفازاً صغيراً بين ذراعيه، ويتقدم ببطء بسبب ثقله. شعر أحمد بشيء من الفرح يندفع إلى صدره، كأنه يرى قطعة من حياته القادمة تسير نحوه على قدمين.لكن خطوات الجندي لم تكن عادية، اقترب أكثر. وفي اللحظة التي صار فيها على مسافة واضحة، تجمد أحمد في مكانه. كان فوق التلفاز مصحف مفتوح، حدق فيه طويلاً. وخرزات مسبحته التي كانت قبل قليل تتحرك بين أصابعه بدت وكأنها توقفت في يده.صرخ فجأة:- ما هذا؟توقف الجندي.- تلفاز، سيدي.أشار أحمد بعصبية:- الذي فوقه؟نظر الجندي إلى المصحف، بقي صامتاً لحظة، ثم قال:- وجدته هكذا يا سيدي، في مدخل الدار.اقترب أحمد منه. كان المصحف مفتوحاً في منتصفه، وكأن صاحبه كان يقرأ فيه قبل أن يغادر. شعر أحمد بأن البيت لم يعد مهجوراً كما كان يتخيله قبل قليل.قال:- ولماذا لم تتركه هناك؟خفض الجندي رأسه، ثم أجاب:- لا أعرف، سيدي.ساد صمت طويل، نظر أحمد إلى التلفاز، ثم إلى المصحف. قال، وقد حاول أن يجعل صوته آمراً:- أنا طلبت منك تلفازاً، ولم أطلب مصحفاً.أجاب الجندي بصوت خافت:- أعرف، سيدي.ثم أضاف بعد تردد:- لكن المصحف كان فوق التلفاز.ظل أحمد ينظر إليه. مد يده إلى التلفاز، ثم توقف قبل أن تلمسه أصابعه.قال الجندي:- هل أُعيده يا سيدي؟لم يجب أحمد. بل بدا كأنه يسمع في داخله أصواتاً كثيرة: صوتاً يقول: خذ التلفاز، واترك المصحف، فأنت لم تطلب أكثر من ذلك. وصوتاً آخر يسأله: وهل طلبت من صاحب البيت أن يرحل؟ابتعد خطوة، ثم خطوتين. نظر إلى القرية الممتدة أمامه، إلى الأبواب المغلقة، والسيارات المتروكة، وإلى الأرض التي مرّ فوقها كثيرون وأخذ كل واحد منهم شيئاً لا يخصه.قال الجندي مرة أخرى:- سيدي... ماذا أفعل؟رفع أحمد يده ببطء، كأنه يريد أن يأمره بشيء، لكن الكلمات توقفت في حلقه. نظر إلى المصحف المفتوح، لم يعرف ما الذي كُتب في الصفحة، ولم يقترب ليقرأ.قال أخيراً:- أعد المصحف إلى تلك الدار.وسكت. نظر الجندي إليه منتظراً، ثم استدار عائداً، يحمل المصحف بالطريق نفسه التي جاء به. بينما ظل الملازم أحمد السعيد واقفاً يراقبه حتى ابتلعه صف البيوت. ثم أخرج مسبحته من جيبه، وحرك خرزة واحدة بين أصابعه، ثم توقف. نظر إلى الأفق، كانت الشمس قد ارتفعت تماماً، ولم يبق من الضباب شيء. أما في داخله، فقد شعر أن شيئاً ثقيلاً ظل معلقاً، لا يريد أن يرحل. لذا تمتم، وكأنه يعتذر لشخص لا يراه، لكن بصوت مسموع: - أنا، لم أطلب مصحفاً. #داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ) ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي ، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع . اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.