طيـف جـزار البوسـنة يـرعـب بـروكـسل.. هـل تـطـوي أوروبـا صـفـحة بلغـراد إلى الأبد؟

طيـف جـزار البوسـنة يـرعـب بـروكـسل.. هـل تـطـوي أوروبـا صـفـحة بلغـراد إلى الأبد؟
View on original source
Category: Politics
Share
Archive
Like
ياسمين اشريف في تحد صارخ للذاكرة الأوروبية وقرارات العدالة الدولية، شيعت العاصمة الصربية بلغراد جثمان القائد العسكري السابق لصرب البوسنة راتكو ملاديتش بمراسم عسكرية رسمية، واشعلت هذه الخطوة التي حولت رجلا مدانا بارتكاب إبادة جماعية إلى بطل قومي، أزمة دبلوماسية حادة مع الاتحاد الأوروبي، ووضعت مساعي صربيا للانضمام إلى التكتل القاري على المحك الحقيقي. وجاءت التداعيات المباشرة لهذا الحدث سريعة، إذ ألغت المفوضة الأوروبية لشؤون التوسع، مارتا كوس، زيارة رسمية كانت مبرمجة إلى بلغراد، حيث أكدت المسؤولة الأوروبية بلهجة حازمة أن القيم التي يتأسس عليها الاتحاد غير قابلة للتفاوض، مشددة على أن التمجيد العلني لشخصية ارتكبت أفظع الجرائم في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية يتناقض كليا مع شروط الانضمام، التي تتطلب مواجهة حقيقية مع الماضي واحتراما لضحايا الحروب. واعادت فاة ملاديتش عن عمر يناهز 84 عاما إثر أزمات صحية متلاحقة داخل زنزانته في لاهاي، فتح جراح حرب البوسنة التي انتهت نظريا بتوقيع اتفاقية دايتون للسلام عام 1995، لكنها تركت ندوبا غائرة في الوجدان البلقاني. السجل الأسود للرجل، الذي يحمل لقب 'جزار البوسنة'، يتصدره تدبير مذبحة سربرنيتسا، حيث تم إعدام أكثر من ثمانية آلاف مسلم بوسني بدم بارد بعد الإيقاع بهم في كمائن رغم احتمائهم بمناطق تابعة للأمم المتحدة. فضلا عن ذلك، أدار ملاديتش حصار سراييفو الخانق الذي استمر لسنوات، وأشرف على شبكة من معسكرات الاعتقال وحملات التطهير العرقي، وهي الجرائم التي توجت بحكم السجن المؤبد الصادر ضده عام 2017 من قبل المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة. ورغم قسوة هذه الحقائق الموثقة دوليا، يعيش الشارع الصربي حالة من الانقسام والانفصال عن هذا التاريخ المظلم. فقد أظهرت مشاهد الجنازة، التي لف فيها النعش بالعلم الصربي ونقله جنود رسميون، استمرار حضور ملاديتش كأيقونة لا تمس لدى التيار القومي. ويعكس هذا السلوك يعكس توجها مجتمعيا أعمق لقلب الأدوار بين الضحية والجلاد وطمس معالم الجرائم المرتكبة، لدرجة وصلت في فترات سابقة إلى تعمد إخفاء المقابر الجماعية وتدمير رفات الضحايا بالآليات الثقيلة لعرقلة التحقيقات الدولية. وتسلط هذه الأزمة البلقانية الضوء من جديد على تعقيدات الذاكرة التاريخية وتناقضات السياسة في القارة العجوز. فبينما يطالب الاتحاد الأوروبي بلغراد بتصفية تركة الماضي الدموي كشرط أساسي للاندماج، تواجه أوروبا نفسها انتقادات مستمرة بشأن مقارباتها المزدوجة في التعامل مع قضايا الحدود والسيادة والذاكرة الاستعمارية. وهو ما يظهر بوضوح في ملفات عديدة تمتد من التوترات في شرق القارة وصولا إلى أقصى غربها ومحيطها الجغرافي، حيث تبرز وضعية مدينتي سبتة ومليلية المحتلة كمثال صارخ على القضايا العالقة التي تتداخل فيها الجغرافيا بالتاريخ وقواعد القانون الدولي، مما يفرض على صانع القرار الأوروبي تحديات كبرى في التوفيق بين المبادئ التي ينادي بها والواقع الجيوسياسي المعقد.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.