يوم اختفت صفحة النعي

يوم اختفت صفحة النعي
View on original source
Category: Blend
Share
Archive
Like
اضافة اعلان لقد كانت صفحات النعي في الصحف الرسمية في نهايات القرن الماضي أهم صفحات هذه الصحف وأكثرها متابعة، فقد روي عن أحد الكتاب مقولة «أنني أشتري الصحيفة الفلانية لقراءة صفحة النعي ثم أنحيها جانبا» (قمت بتحوير عبارته قليلا كي أخفف من وقعها)، فقد كنت من خلال هذه الصفحات تستطيع معرفة مكانة المتوفى الاجتماعية والاقتصادية وشبكة علاقات المصاهرة والصداقة التي يمتلكها.لكن في صبيحة أحد الأيام صدرت الصحف اليومية كعادتها، تفوح برائحة الحبر الطازج لكن أمرا ما لم يكن كالمعتاد فقد كانت صفحة النعي بيضاء خالية من أي اسم أو حتى أثر لحبر. لم يكن ذلك خطأ مطبعيا ولا كسلا من محرر الصفحة. ببساطة، لم يمت أحد في تلك الليلة، ولا في الليلة التي تلتها ففي بلدة لا يسميها ساراماغو، قرر الموت أن يعتزل ويعلق حرفته. يفتح ساراماغو في روايته الشهيرة «انقطاعات الموت» بابا هائلا على واحد من أعمق أسئلة الفلسفة: ماذا يبقى من الحياة حين يرفع عنها الموت؟كان أول رد فعل لدى الناس في تلك البلدة ابتهاجا، فقد دقت الأجراس، وخرج الناس إلى الشوارع، وظن الجميع أن البشرية قد بلغت أخيرا حلمها القديم بالخلود. لكن ساراماغو، وهو الروائي الذي لا يثق بالبشائر السهلة، لا يمنحنا سوى صفحات قليلة قبل أن يكشف اللثام عن الوجه الآخر للمسألة.فالموت لم يختف تماما فقد توقف فقط عن إتمام عمله، فالمرضى الميؤوس من شفائهم، والمحتضرون، والطاعنون في السن الذين بلغوا حافة الرحيل، كلهم علقوا على العتبة ذاتها، لا هم أحياء فيرجون ولا أموات فينعون، امتلأت المستشفيات بأجساد معلقة بين ضفتين، وعجزت العائلات عن تحمل رعاية من لا يشفى ولا يموت، وانهارت شركات التأمين حين فقدت الوثيقة معناها، وكسدت أعمال من يقومون على خدمة الجنائز.أما المؤسسة الدينية فقد أصابها الشلل وأخذت على حين غرة فمن دون موت لا توجد قيامة، ومن دون قيامة ينهار الوعد الذي قامت عليه المؤسسة، فالخلود الأرضي نقيض للخلاصِ السماوي.وفي ظل الفراغ القانوني أمام هذا المستجد نشأت عصابات سماها ساراماغو ساخرا «المافيا» تولت نقل المحتضرين عبر الحدود إلى البلدانِ المجاورة، حيث ما يزال الموت يعمل، لتنهي هناك ما عجز البلد عن إنهائه في الداخل، وهكذا تحول الخلود من نعمة إلى تجارة سرية، ومن حلم إلى عبء يهرًب.ولم يكن ساراماغو أول من التفت إلى أن الخلود لعنة لا نعمة، فقد تخيل بورخيس مدينة الخالدين مكانا موحشا فقد سكانه كل رغبة لأن ما لا ينتهي لا يشتهى، كما وصفت سيمون دي بوفوار رجلا خالدا صار الزمن في نظره سجنا بلا جدران، وفي جميع هذه النصوص يتردد الحدس نفسه، أن القيمة بنت الندرة، وأن ما لا يفقد لا يتم تقديره.يعود الموت إلى صفحات الرواية في نصفها الثاني حين ينقلب كل شيءٍ مرة أخرى، يعود الموت مؤنثا وقد تعمد ساراماغو أن يكتب اسمه بأحرف صغيرة لينزع عنه الجلال المرعب لكنه يعود بأسلوب جديد، فلم يعد يخطف الناس فجأة؛ بل صار يرسل إلى كل منهم رسالة بنفسجية اللون تنذره بأن أمامه أسبوعا واحدا للعيش. فقد أراد الموت، على ما يبدو أن يمنح البشر مهلة للمراجعة والوداع.عادت الصحيفة مكتملة بصفحة نعيها، وعاد الزمن إلى مجراه، ورجعت الحياة إلى وقارها لأنها استعادت حدها، فالصفحة الفارغة في الصحيفة لم تكن علامة انتصار؛ بل علامة توقف الزمن عن المعنى.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.