النموذج الألماني يهتز.. صعود اليمين يعكس أزمة اقتصادية وسياسية أعمق

النموذج الألماني يهتز.. صعود اليمين يعكس أزمة اقتصادية وسياسية أعمق
View on original source
Category: Politics
Share
Archive
Like
ترك برس رأى كاتب تركي أن صعود حزب البديل من أجل ألمانيا لا يمكن تفسيره فقط بتنامي اليمين المتطرف.. برلين تواجه تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة تهدد النموذج الذي اعتمدت عليه لعقود يقول الكاتب التركي محمد يالتشين يلماز إن النتائج التي أفرزتها الانتخابات في ولاية ساكسونيا أنهالت الألمانية، والتي تصدر فيها حزب "البديل من أجل ألمانيا" (AfD) بأكثر من 44 بالمئة من الأصوات مقابل تراجع الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) إلى نحو 18 بالمئة، تكشف عن أزمة أعمق من مجرد صعود اليمين المتطرف، وتعكس في الوقت نفسه تراجع الأحزاب التقليدية والوسط السياسي الألماني. ويشير يلماز، في مقال نشرته صحيفة "ستار"، إلى أن التراجع الكبير في أصوات الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي كان قد حصل على أكثر من 37 بالمئة في الولاية قبل خمس سنوات، يمثل مؤشرا على تغيرات سياسية واجتماعية متراكمة داخل ألمانيا، ولا سيما في المناطق التي كانت جزءا من ألمانيا الشرقية خلال الحرب الباردة. ويرى الكاتب أن صعود حزب البديل من أجل ألمانيا يأتي في سياق أوروبي أوسع، لكنه يؤكد أن فهم نتائجه الانتخابية يتطلب النظر إلى التحولات التي تمر بها ألمانيا نفسها، وليس الاكتفاء بتفسير الظاهرة باعتبارها مجرد موجة يمينية متطرفة. الهجرة وروسيا في قلب خطاب البديل ويشير يلماز إلى أن حزب البديل من أجل ألمانيا دخل الانتخابات ببرنامج واسع يتجاوز ملف الهجرة، إذ تناول قضايا التعليم والثقافة والإعلام وسياسات الأسرة والعلاقات مع روسيا. ويبرز الكاتب خصوصا خطاب "إعادة الهجرة" أو "العودة إلى الوطن"، الذي أصبح أكثر حضورا في الخطاب السياسي الأوروبي، إلى جانب مطالب تتعلق بفرض التزامات العمل على طالبي اللجوء، وإنشاء صفوف منفصلة لأطفال اللاجئين، وتعزيز حضور الهوية الألمانية في المدارس. كما يضع الحزب ضمن برنامجه الدعوة إلى رفع العقوبات المفروضة على روسيا واستئناف الحصول على الغاز الروسي عبر خط أنابيب "نورد ستريم 2"، في موقف يعكس، بحسب الكاتب، رغبته في إعادة صياغة توجهات ألمانيا الاقتصادية والخارجية. ويعتبر يلماز أن حزب البديل لا يطرح نفسه بوصفه قوة احتجاجية فحسب، وإنما يسعى إلى إعادة تشكيل البلاد في اتجاه مختلف، الأمر الذي يجعل صعوده مرتبطا بأزمة النموذج الألماني نفسه. نموذج اقتصادي بدأ يفقد مزاياه ويرى الكاتب أن الاقتصاد الألماني بنى لسنوات طويلة قوته على معادلة واضحة، تمثلت في الحصول على الطاقة الروسية منخفضة التكلفة نسبيا، والوصول إلى السوق الصينية الضخمة، والاستفادة من المظلة الأمنية الأمريكية، فضلا عن السوق الأوروبية الموحدة التي شكلت المجال الطبيعي للصادرات الألمانية. لكن هذه المعادلة، بحسب يلماز، بدأت بالتفكك تدريجيا. فالحرب الروسية الأوكرانية أدت إلى توقف تدفق الطاقة الروسية إلى ألمانيا، بينما تحولت الصين من سوق رئيسية للسيارات والآلات الألمانية إلى منافس قوي في السيارات الكهربائية والبطاريات والتكنولوجيا المتقدمة. وفي الوقت نفسه، فرضت الحرب الأوكرانية على ألمانيا تكاليف وإنفاقا إضافيا، في وقت تواجه فيه برلين ضغوطا أمريكية متزايدة لرفع مساهمتها في الإنفاق الدفاعي لحلف شمال الأطلسي "الناتو". ويشير الكاتب إلى أن مساهمة ألمانيا في ميزانية الناتو بلغت نحو 125 مليون يورو، لتأتي مباشرة خلف الولايات المتحدة، مع توقعات بارتفاع هذه المساهمة خلال السنوات المقبلة. الحرب وتداعياتها على المجتمع الألماني ويعتقد يلماز أن الحرب الروسية الأوكرانية أضرت في البداية بروسيا، لكنها مع استمرارها بدأت تفرض آثارا أكثر وضوحا على المجتمعات الأوروبية، ومن بينها المجتمع الألماني. ويربط الكاتب بين ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة وتدفق المهاجرين وبين تزايد الضغوط الاجتماعية في ألمانيا، مشيرا إلى انتشار شعارات تدعو إلى وقف إرسال المزيد من الأموال والأسلحة إلى أوكرانيا وإنهاء الحرب. ويرى أن هذه المطالب لا تعبر بالضرورة عن موقف هامشي، بل تستند إلى قاعدة اجتماعية آخذة في الاتساع، خصوصا في ظل شعور قطاعات من المجتمع بأن استمرار الحرب يفرض تكاليف اقتصادية وأمنية متزايدة على ألمانيا. كما يؤكد أن ارتفاع أسعار الطاقة لم ينعكس فقط على فواتير الكهرباء والتدفئة، بل أضعف القدرة التنافسية للصناعات الألمانية، ولا سيما قطاعي الآلات والسيارات اللذين يمثلان ركائز أساسية للاقتصاد الألماني. فولكسفاغن.. رمز لأزمة الصناعة ويستشهد الكاتب بالتطورات التي تشهدها شركة "فولكسفاغن" باعتبارها مؤشرا رمزيا على حجم الأزمة التي تواجهها الصناعة الألمانية. ويشير إلى أن الشركة تستعد لإحدى أكبر عمليات إعادة الهيكلة في تاريخها، مع خطط إضافية لتقليص نحو 50 ألف وظيفة، وهو ما يعكس، في رأيه، الضغوط الكبيرة التي تواجه الصناعة الألمانية نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة على المنافسة والتحولات التي يشهدها سوق السيارات العالمي. وبحسب يلماز، فإن أزمة قطاع السيارات لا يمكن فصلها عن التحولات الأوسع التي أصابت النموذج الاقتصادي الألماني، والذي كان يعتمد بدرجة كبيرة على الطاقة الرخيصة والأسواق الخارجية وقوة الصناعة التقليدية. شرق ألمانيا.. استمرار الانقسام الاجتماعي ويربط الكاتب بين صعود حزب البديل من أجل ألمانيا والتفاوتات التي لا تزال قائمة بين شرق ألمانيا وغربها رغم مرور عقود على سقوط جدار برلين وإعادة توحيد البلاد. ويرى أن الفوارق الاجتماعية والاقتصادية التي خلفتها تجربة الانقسام الألماني لا تزال حاضرة، وأن هناك في شرق البلاد بيئة اجتماعية أكثر انتقادا للسياسات النيوليبرالية وللنخب السياسية التقليدية. وفي المقابل، يشير إلى وجود جبهة اجتماعية وسياسية قوية في مواجهة حزب البديل، مدعومة من وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، وتضم قطاعات ليبرالية تنتمي إلى أديان وهويات مختلفة وتسعى إلى الحفاظ على موقع الوسط السياسي. ويعتقد الكاتب أن الصراع الحالي في ألمانيا لا يدور فقط بين الأحزاب، بل يعكس أيضا انقساما اجتماعيا حول مستقبل البلاد وهويتها الاقتصادية والسياسية وعلاقاتها الدولية. العلاقة مع الولايات المتحدة وروسيا ويتناول يلماز كذلك البعد التاريخي للنموذج الألماني، مشيرا إلى أن ألمانيا الغربية استفادت بصورة كبيرة من الدعم الأمريكي خلال فترة الحرب الباردة، وأن الولايات المتحدة كان لها دور مهم في بناء البنية الصناعية الأوروبية وتوجيه مسارها الاقتصادي. غير أن الكاتب يرى أن ألمانيا، وخصوصا خلال فترة المستشارة السابقة أنغيلا ميركل، بدأت في تحقيق فوائض مالية كبيرة وتعزيز علاقاتها التجارية مع روسيا، وهو ما أثار مخاوف من تنامي قدرتها على التحرك بصورة أكثر استقلالية. ومن هنا يطرح يلماز تساؤلات بشأن الدوافع الأوسع للحرب الروسية الأوكرانية، متسائلا عما إذا كان الهدف يتمثل فقط في عزل روسيا، أم أن قطع إمدادات الغاز الروسي كان له أيضا تأثير مباشر في إبطاء الإمكانات الاقتصادية والنمو الصناعي الألماني. أزمة تتجاوز صعود اليمين ويخلص الكاتب إلى أن نتيجة الانتخابات في ساكسونيا أنهالت ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها مجرد نجاح انتخابي لحزب يميني متطرف، وإنما باعتبارها انعكاسا لأزمة أوسع يعيشها النموذج الألماني. فارتفاع تكاليف الطاقة، وتراجع القدرة التنافسية للصناعة، وتحول الصين من سوق إلى منافس، وتداعيات الحرب في أوكرانيا، والضغوط المتعلقة بالإنفاق الدفاعي، إلى جانب استمرار التفاوت بين شرق ألمانيا وغربها، كلها عوامل تسهم، بحسب رؤيته، في إعادة تشكيل المشهد السياسي الألماني. ويرى يلماز أن صعود حزب البديل من أجل ألمانيا هو أحد أعراض هذه التحولات، وأن تراجع الأحزاب التقليدية يعكس فقدان قطاعات من الناخبين ثقتها في قدرة الوسط السياسي على معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة. وبالتالي، فإن السؤال بالنسبة لألمانيا، وفق الكاتب، لا يتعلق فقط بكيفية احتواء صعود اليمين، بل بقدرتها على إعادة بناء نموذج اقتصادي وسياسي قادر على التكيف مع عالم تغيرت فيه علاقات الطاقة والتجارة والأمن، بعدما تراجعت الركائز التي قامت عليها قوة ألمانيا خلال العقود الماضية.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.