«صفر اعتماد على هرمز».. نهج خليجي استشرافي لمستقبل التجارة

«صفر اعتماد على هرمز».. نهج خليجي استشرافي لمستقبل التجارة
View on original source
Category: Business
Share
Archive
Like
في خضم أزمة مضيق هرمز التي أصبحت ذات حساسية فائقة للاقتصاد العالمي، جاءت الاستجابة سريعاً من قبل دول الخليج العربي مع وضعها خططاً استباقية لتأمين شبكات ومسارات بديلة تؤمن صادراتها وتعزز تلبية الطلب العالمي على الطاقة. وتبرز دولة الإمارات في قلب هذا التحول من خلال توسيع بنيتها التحتية النفطية وتعزيز دور ميناء الفجيرة كأحد أهم مراكز تصدير الطاقة عالميًا، إلى جانب توسعات تقودها السعودية في خطوط النقل الممتدة إلى البحر الأحمر. اتجاهان متوازيان وتتحرك دول الخليج في اتجاهين متوازيين: الأول يتمثل في إنشاء أو توسيع خطوط أنابيب وبنية تحتية قادرة على نقل النفط بعيدًا عن المضيق، والآخر يتمثل في زيادة قدرات تخزين النفط في مناطق بعيدة، خصوصًا في آسيا. والهدف من المسارين هو خلق بدائل تسمح باستمرار تدفق النفط حتى في حال تعطل الطريق البحري الرئيسي. ويحمل هذا التحول تكلفة كبيرة؛ إذ إن مشروعات البنية التحتية الجديدة ستحتاج إلى مليارات الدولارات وسنوات حتى تكتمل. ومع ذلك، ترى الحكومات والشركات أن هذه الاستثمارات تمثل نوعًا من التحوط الاستراتيجي الضروري في منطقة أصبحت أكثر تقلبًا. وحتى إذا تحقق وقف لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الدرس الذي خرجت به دول الخليج من الأزمة هو أن الاعتماد المفرط على مسار عبور واحد لم يعد مخاطرة يمكن تحملها. ومن هذه الزاوية، لا يتعلق الأمر فقط بتأمين صادرات النفط الحالية، بل بإعادة صياغة العلاقة بين الأمن والطاقة. فمنتجي الطاقة أصبحوا، وفق هذا المنطق، أكثر استعدادًا لتحمل تكاليف أعلى مقابل امتلاك بنية تحتية أكثر أمانًا وأقل تعرضًا لنقطة اختناق واحدة. استثمارات إماراتية منذ عقد عندما أعلنت الإمارات أنها تتجه نحو «صفر اعتماد» على مضيق هرمز، لم يكن الأمر مجرد خبر اقتصادي أو مشروع بنية تحتية جديد، بل رسالة واضحة بأن الرهان الحقيقي ليس على الظروف المستقرة، وإنما على الجاهزية مهما تغيرت الظروف. فمضيق هرمز ظل لعقود شرياناً حيوياً للتجارة والطاقة العالمية، لكن الاعتماد على ممر واحد، مهما كانت أهميته، يبقى مخاطرة لا تتناسب مع طموحات دولة تفكر بعقلية الخمسين عاماً المقبلة لا الخمس سنوات القادمة. ما يجري اليوم على الساحل الشرقي لدولة الإمارات يكشف عن رؤية أعمق من مجرد توسعة موانئ أو إنشاء خطوط أنابيب. فالفجيرة وخورفكان ودبا لم تعد مجرد مدن مطلة على البحر، بل تتحول تدريجياً إلى نقاط ارتكاز في معادلة اقتصادية جديدة. ومع الحديث عن ميناء جديد وشبكات سكك حديدية وأنابيب إضافية، فإن دولة الإمارات لا تبحث عن بديل مؤقت، بل تؤسس لمسار استراتيجي دائم يمنحها مرونة أكبر وقدرة أعلى على مواجهة المتغيرات. وتواصل دولة الإمارات تعزيز مكانتها كمحور رئيسي في تجارة الطاقة العالمية عبر تطوير شبكة نقل نفطية تقلل الاعتماد على المسارات التقليدية. ويمثل خط أنابيب أبوظبي للنفط الخام (ADCOP) أحد أهم المشاريع الاستراتيجية في هذا المجال، إذ ينقل النفط من الحقول الداخلية إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان، بما يسمح بتصدير الخام دون المرور عبر مضيق هرمز. وبحسب بيانات الوكالة الدولية للطاقة، تبلغ الطاقة الاستيعابية للخط نحو 1.8 مليون برميل يوميًا، مقابل تدفقات حالية تقارب 1.1 مليون برميل يوميًا، ما يوفر قدرة إضافية يمكن الاستفادة منها عند الحاجة. كما سرعت دولة الإمارات تنفيذ خط أنابيب موازٍ للخط الحالي يصل إلى الساحل الشمالي، في مشروع من شأنه مضاعفة قدرات التصدير عبر ميناء الفجيرة، مع بدء التشغيل المتوقع خلال الفترة المقبلة. وكشف مكتب أبوظبي الإعلامي عن مشروع خط الأنابيب (غرب-شرق1) الذي يهدف لمضاعفة طاقة تصدير البلاد عبر ميناء الفجيرة بحلول عام 2027. واكتمل المشروع بنسبة تقارب 50% فيما يجري تسريع إنجازه بحلول عام 2027. ويعزز هذا الاستثمار موقع الإمارات كمركز عالمي لتجارة وتخزين ونقل الطاقة، مستفيدًا من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية المتقدمة. فيما تتجه دولة الإمارات ومصر إلى تحويل ميناء الحمراء البترولي بالعلمين إلى محور لوجستي جديد لتخزين وتداول النفط والمنتجات البترولية في البحر المتوسط، عبر تأسيس شركة «الفجيرة العلمين للنفط والغاز». وتضيف تلك الشراكة قدرة جديدة لإدارة حركة الشحنات وتوفير خدمات التخزين والتداول بالقرب من مسارات التجارة والأسواق الإقليمية. وجاء تأسيس الشركة الجديدة في إطار الشراكة الاستراتيجية بين مصر والإمارات، وتتويجًا لمذكرة التفاهم الموقعة بين وزارة البترول والثروة المعدنية وحكومة إمارة الفجيرة. وتستهدف الشركة الجديدة إنشاء وتشغيل وإدارة منطقة لوجستية لتخزين وتداول الزيت الخام والمنتجات البترولية بميناء الحمراء البترولي بمدينة العلمين الجديدة على ساحل البحر المتوسط، بما يعزز التعاون الاقتصادي والاستثماري بين مصر والإمارات. ويتمتع ميناء الحمراء البترولي بموقع استراتيجي على البحر المتوسط، إلى جانب بنية أساسية متطورة وطاقات تخزينية وإمكانات لوجستية تؤهله للقيام بدور محوري في حركة تجارة وتداول البترول إقليميًا ودولياً. خيارات سعودية عبر البحر الأحمر تسير السعودية بالتوازي في تعزيز قدراتها على نقل النفط بعيدًا عن مضيق هرمز، عبر تطوير خط الأنابيب الشرقي-الغربي الذي يربط مناطق الإنتاج بميناء ينبع على البحر الأحمر. وكان الخط ينقل قبل الحرب نحو مليوني برميل يوميًا، قبل أن ترفع شركة أرامكو السعودية طاقته التشغيلية إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا، ما يوفر مساحة إضافية لنقل كميات كانت تعتمد سابقًا على المسار الشرقي. كما تدرس الرياض توسعة جديدة بطاقة تصل إلى مليوني برميل يوميًا، في خطوة تعكس توجه المملكة نحو تعزيز مرونة صادراتها النفطية وتنويع منافذ الوصول إلى الأسواق العالمية. تكامل خليجي لتعزيز أمن الطاقة لا تقتصر التحركات على الإمارات والسعودية، إذ تجري الكويت والبحرين مباحثات بشأن إمكانية الاستفادة من شبكات الأنابيب السعودية لزيادة خيارات التصدير مستقبلًا. ويعكس هذا الحراك تحولًا أوسع في استراتيجية الطاقة الخليجية، حيث لم تعد الأولوية فقط لزيادة الإنتاج، بل لبناء منظومة تصدير أكثر مرونة وقدرة على التعامل مع المتغيرات العالمية. ومع توسع مشاريع خطوط الأنابيب والموانئ النفطية، تبرز الإمارات بشكل خاص كأحد أهم الرابحين من هذا التحول، مع تنامي دور الفجيرة كممر استراتيجي لصادرات الطاقة الخليجية والأسواق العالمية.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.