توازنات مصر بين أمريكا والصين!

توازنات مصر بين أمريكا والصين!
View on original source
Category: Politics
Share
Archive
Like
الرؤية المصرية للعلاقات الدولية واضحة، مصر لا تنحاز إلا لمصالحها الوطنية العليا، وتفتح أبوابها للتعاون مع الجميع، ولا تقبل التدخل فى شئونها الداخلية، أو المساس باستقلال قرارها الوطنى. وتؤكد التجارب التى مرت بها المنطقة فى السنوات السابقة صحة هذه الرؤية، فقد رفضت مصر «الفوضى الخلاقة»، انطلاقا من وعيها بأن إسقاط الأنظمة وتفكيك مؤسسات الدول يفتح أبوابا يصعب إغلاقها، أمام العنف والتطرف والإرهاب والحروب الأهلية. والفارق كبير بين تغيير الأنظمة وتغيير حياة الشعوب، فليس كل نظام سياسى يسقط يُنتج نظاما أكثر استقرارا، وإزاحة حاكم لا تعنى بناء دولة حديثة، فقد تحول «السقوط» إلى صراعات مسلحة، ودفع المدنيون الثمن الأكبر من دمائهم وأمنهم ومستقبلهم. افترضت الرؤى الأمريكية أنه بالإمكان الضغط على «مفاتيح التغيير» فى الشرق الأوسط، وإعادة ترتيب المنطقة على مقاس المصالح الأمريكية، لكن التجربة أثبتت أن الشرق ليس نسخة من الغرب، وله خصوصياته التاريخية والثقافية والاجتماعية، وأن استيراد نماذج التغيير من الخارج لا يحقق نتائجها فى الداخل. وتحتاج الولايات المتحدة، كما تحتاج مصر، إلى علاقات مستقرة وقابلة للاستمرار، مصر دولة محورية فى الشرق الأوسط، وموقعها الجغرافى وثقلها السياسى ودورها الإقليمى تجعل استقرارها عنصرا مهما فى استقرار المنطقة، والعلاقات تقوم على التعاون الاقتصادى والاستثمارى ودعم التنمية، ومواجهة الإرهاب، واحترام استقلال القرار الوطنى. كان العالم ينظر، فى عقود سابقة، إلى الولايات المتحدة باعتبارها رمزا للحرية والديمقراطية، وكان تمثال الحرية المطل على خليج نيويورك يحمل رسالة رمزية كبيرة، ويرتبط بفكرة «الحرية تنير العالم». ولكن تغيرت صورة الولايات المتحدة مع التحولات التى شهدتها السياسة الأمريكية، خصوصا عندما أصبحت الحروب والتدخلات العسكرية جزءا أساسيا من أدوات إدارتها للأزمات الدولية. وفى المقابل تقدم الصين نموذجا مختلفا، يقوم على التجارة والاستثمار والبنية التحتية والمشروعات المشتركة، وتأتى الصين فى مقدمة الدول التى تعمل على توسيع هذا النمط من العلاقات، خصوصا فى إفريقيا والدول النامية. وأمام أولويات الغذاء والطاقة والطرق والمياه والصحة والتعليم وفرص العمل والبنية الأساسية، تبحث الدول عن الشريك، الذى يساعدها على بناء مصنع أو طريق أو محطة طاقة، وتطوير اقتصادها ورفع مستوى معيشة مواطنيها، وليس الشريك الذى يحاول أن يفرض عليها أجندات داخلية وخارجية. والدول لم تعد تبحث فقط عمن يمنحها المساعدات، وإنما من يساعدها على امتلاك القدرة على إنتاج الثروة وتحقيق التنمية، وترفض المساعدات إذا تحولت إلى أداة لتجنيد قوى سياسية، أو وسيلة لصناعة عملاء داخليين يخدمون مصالح خارجية. السياسة بين الدول ليست حبا وكراهية، وإنما مصالح وحسابات، وفى عالم يواجه الفقر والجوع والهجرة والإرهاب وتغير المناخ وأزمات الطاقة والغذاء، تبدو الحاجة أكبر إلى «دبلوماسية المصالح المشتركة»، التى تجعل الدول شركاء فى الحل، بدلا من أن تكون أطرافا فى الصراع.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.