أحمد رباص - أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الرابع والعشرون)

أحمد رباص - أسباب تراجع اليسار المغربي في السنوات الأخيرة (الجزء الرابع والعشرون)
View on original source
Category: Politics
Share
Archive
Like
أحمد رباص كاتب (Ahmed Rabass) الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 00:14 المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي في مجتمع كالمغرب، حيث يحتل الدين مكانة مركزية، ظل موقف القوى اليسارية غامضًا ومترددًا بشأن علاقتها بالإسلام والماضي والتراث. انطلق قادة الحركة اليسارية المغربية من فرضية مفادها أن تغيير رؤية الناس وثقافتهم يستلزم تغيير ظروفهم المعيشية، مما سيؤدي لاحقًا إلى تحول ثقافي.ويرى مصطفى بوعزيز أن هذا التفسير يُعدّ فهمًا خاطئًا للطبيعة البشرية. فهو يؤكد ان قادة اليسار المغاربة، جميعهم، بدءًا من المهدي بن بركة، ثم عبد الرحيم بوعبيد، وحتى من أقصى اليسار المغربي، صرّحوا بأنهم لن يشنوا حربًا على شعبهم، إذ تبنّوا المفهوم الستاليني للبنية التحتية والبنية الفوقية، بحجة أن الناس يفكرون بناءً على ظروفهم المعيشية. وبالتالي، إذا تغيرت ظروفهم المعيشية، سيغيرون طريقة تفكيرهم، واعتُبر الدين طريقة تفكير. لذا، يجب تأجيل هذا الصراع... يقول بن بركة في اختياره الثوري إنه لا ينبغي لنا معالجة هذا الجانب في انتظار تغيير البنية التحتية. يحكم مصطفى بوعزيز على هذا التصور بأنه خاطئ؛ فقد أثبت التاريخ البشري أن الاقتصاد ليس العامل الوحيد المحدد للتقدم. فإلى جانب الاقتصاد، توجد عقليات، وهناك بُعد ثقافي ضمن هذه العقليات. إنه جدل بين هذين البُعدين، لذا يُعدّ هذا خطأً استراتيجياً في التفكير. ورأى بوعزيز أن هذه المعركة لم يقع خوضعا؛ ولم يُنظر إلى التحول الثقافي العميق في العقليات كمعركة استراتيجية كبرى. ولهذا السبب أيضاً، ما يزال النظام التعليمي متخلفاً عن الحداثة، عن العالم، لأن ما يُغرس فيه هو مركزية الهوية - ولكن أي هوية؟ إنها الهوية العربية الإسلامية، يختم بوعزيز.لذا، يمكن القول إن الجانب الثقافي لم يُناقش، وأن المعارك التي خاضها اليسار المغربي، بجميع توجهاته، كانت في المقام الأول معارك سياسية. وهكذا، ترك اليسار المغربي الساحة مفتوحة للنظام، الذي استغل هذا الدور ونجح في إعادة المجتمع إلى التقاليد.يُلاحظ أيضًا أن اليسار أضاع فرصةً ثمينةً لتحديد هويته بشكلٍ أفضل، ولتطوير عناصر رؤية ثقافية تُتيح للشعب التماهي معه بشكلٍ أعمق، مما أدى إلى تراجع شعبيته. أما القصر، فقد استغل هذه الفرصة الضائعة، وشنّ هجومًا مباشرًا على النضال الثقافي، مُعيدًا بذلك ترسيخ التقاليد في المجتمع، ومُركزًا جهوده بشكلٍ خاص على المستوى التعليمي.وأضاف بوعزيز أنه تم خوض المعركة السياسية، لكن لم تُخض المعركة الثقافية؛ وكان ينبغي خوض كلتيهما. وأحصى بوعزيز عدد المرات التي وردت فيها كلمتا "صورة" و"ثوري" في كتاب بن بركة عن الاختيار الثوري المغربي، وجدها 108 مرة! وفطن إلى أن كلمة "ثقافة" غائبة تماما في نصٍ قصيرٍ من 192 صفحة، ولا تظهر كلمة "دين" إلا مرتين، وكأنها تُشير إلى ضرورة احترام تقاليد الشعب المغربي، وعدم المساس بمبادئ الإسلام، مع وعد ضمني بتأجيل الحوض في المسألة الثقافية إلى وقت لاحق. أكد بوعزيز مرة أخرى أن تلك المعركة ما خيضت. ثم تساءل: فماذا يعني أن تكون مغربيًا؟ ما هي الرؤية المغربية؟ وقبل كل شيء، ما هو التصور الجماعي للمغاربة؟ وخاص أخير إلى أن لا شيء تغير.وأكد بوعزيز أنهم ظلوا محافظين، وهنا انتصر النظام. فقد أعاد النظام ترسيخ التقاليد في المجتمع لأنه قاد المعركة الثقافية، بينما لم يفعلوا شيئا في المقابل. حتى على مستوى المدرسة العمومية، التي كانت ذات توجه وطني، بقيت الآراء الدينية على حالها. وظلت الدراسات الإسلامية والتربية الإسلامية موادًا أساسية، بينما كانت ثانوية. ذلك ما يعني أن إحدى سمات الحداثة - فصل السياسة عن الدين - لم تتحقق. لم يكن هذا ليحدث تلقائيًا؛ بل يتطلب نضالًا، وهذا النضال لم يُخض. لذلك، هُزموا في هذه النقطة الحاسمة، كما رأى بوعزيز.انطلاقًا من هذه الملاحظة، قادنا مصطفى بوعزيز إلى دراسة المناهج الدراسية، وممارسات النشر، والكتب المنشورة. وأوضح أن المدارس الفكرية المختلفة داخل الحركة الديمقراطية الوطنية تبدأ بقوة، لكنها سرعان ما تفقد زخمها. ووفقًا له، فإنها لا تتقدم أكثر لأنها منغمسة في السياسة، وعندما يحدث ذلك، يتحول التركيز سريعًا إلى الكفاءة. واعتقد أن المعركة الثقافية كان ينبغي خوضها من خلال حشد الجماهير بأفكار جديدة، والاستثمار في الثقافة، وابتكار أدوات إقناع جديدة قادرة على مواجهة سلطة الدولة القسرية بقوة الأفكار. وبينما أنجزت هذه الحركة بعض العمل، إلا أنه رأى أنه ظل محدودًا ومركزًا على الدولة، ولم يمتد هذا العمل إلى المجتمع ككل. وكان بإمكان الأحزاب استغلال نزعات النظام التحديثية من خلال العمل في المجال الديني مع شخصيات أبدت انفتاحًا على الحداثة. وقال مصطفى بوعزيز: "كان لديهم، على سبيل المثال، الشيخ الإسلامي الشهير، العربي العلوي، وهو عالم دين من جامعة القرويين، مقرب من الدولة. بل كان مستشارًا في القصر. انحاز هذا العالم البارز إلى حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وليس إلى حزب الاستقلال. كان منفتحًا، وكان هناك علماء آخرون مثله. كان من الضروري الترويج لرؤية مختلفة للإسلام وتطويرها، تختلف عن تلك التي أراد النظام فرضها." كانت هناك بالفعل نقطة انطلاق مع السلفية الإصلاحية؛ وكان من الضروري مواصلة عمل هذه السلفية، وبناء ما يُسمى بالإنسية، الإنسية المغربية، حيث ما لله لله، وما لقيصر لقيصر. هكذا تحقق الفصل بين الدين والسياسة، وقد تحقق ذلك على يد شخصيات دينية داخل الكاثوليكية نفسها. هكذا بدأت النهضة أيضًا.. خلال السنوات الأولى للاستقلال، أتيحت إمكانية تعزيز النزعة الإنسية المغربية، وقد سمح بذلك الدستور المغربي متعدد الأعراق واللغات. وقد مكّن هذا الدستور من هذا التطور، إلا أنه اعتُبر مهمةً تُؤجَّل إلى ما بعد النضال السياسي. لم يُنجز مثقفو الحركة الوطنية الديمقراطية هذا العمل الثقافي التفكيكي على النحو الكافي. ومع ذلك، يمكن إضافة بُعدٍ آخر إلى مجلة "أنفاس" (النسخة الفرنسية)، إذ أحدثت أعدادها الأربعة أو الخمسة الأولى تفكيكًا ثقافيًا هامًا. كانت هذه المجلة، شأنها شأن مجلات مغربية هامة أخرى مثل "لاماليف" و"الثقافة الجديدة"، بلا شك من أبرز الأعمال وأكثرها إثراءً ثقافيًا. وقد تميزت عن غيرها من المجلات باختيارها للمواضيع والقضايا. طورت مجلة "أنفاس" منظورًا ماركسيًا لينينيًا صريحًا، وقدمت منصةً متعددة التخصصات ودولية مُخصصة للتحرر الثقافي من الاستعمار. وأصبح نقدها للدولة المغربية أكثر وضوحًا بعد عام 1969. ركزت المجلة على المسرح والسينما والأدب والثقافة الشفوية الشعبية. زيادة على ذلك، أدخلت المجلة اللغة الأمازيغية واللهجة المغربية، وطورت مفاهيم معينة، منها مفهوم الوحدة الفيدرالية، لا الاندماجية، الذي طرح ما يُعرف بمعادلة الوحدة في التنوع. والهدف إذن هو تصور وحدة تحترم التنوع. ووفقًا لكنزة الصفريوي، التي خصصت عدة دراسات للمجلة ودافعت عن أطروحة حول الموضوع نفسه، كانت مجلة "أنفاس" مجلة "سعت إلى تجديد الأدب المغربي، وتميزت عن الأعمال السابقة بأسلوبها ورسالتها ومنهجها الجمالي الشامل". كما أكدت أن المجلة تميزت برغبتها في "التخلص من التصورات الاستعمارية والأطر التفسيرية". إضافة إلى ذلك، شاركت في النقاشات السائدة آنذاك، لا سيما تناولها القضايا والمشاكل الرئيسية لدول العالم الثالث، والقضية الفلسطينية، والقمع الذي استهدف الحركات والأحزاب اليسارية. وقد تميزت المجلة "أولًا وقبل كل شيء بجودتها وأصالتها وطابعها الطليعي". لكن قبل كل شيء، استخدمت تأملاتها في الثقافة المغربية كمنصة للمعارضة غير المباشرة، حاملةً مشروعاً تقدمياً وحداثياً.أدت هزيمة يونيو 1967 إلى دفع محرري المجلة نحو الراديكالية وتغيير نبرة خطهم التحريري، حيث بات البُعد السياسي للمجلة يطغى على البُعد الثقافي. وفي مايو 1971، أطلقت المجلة نسختها العربية (أنفاس) لتصبح المنبر السياسي للحركة الماركسية اللينينية المغربية، التي همّشت البُعد الثقافي. وهكذا، تحولت المجلة إلى منصة للطليعة الثورية المتأثرة بالحركة الماركسية اللينينية المغربية، ففقدت بذلك مكانتها كطليعة ثقافية.يؤيد مصطفى بوعزيز هذا الرأي، مؤكدًا أن محاولات المجلة، باستثناء الأعداد الأولى، لإعادة إحياء الثقافة المغربية، حتى مع الماركسيين، كانت سطحية. ورغم سعيها لتجاوز جميع العقبات التي أعاقت فكر ورؤية الحركة اليسارية المغربية، إلا أنها سرعان ما تحولت من مجلة ثقافية إلى مجلة سياسية. ونتيجةً لذلك، لم تتعمق المجلة في تطوير أدوات التحرر أو مفاهيم جديدة كان من شأنها إحداث التغيير. ولذا، كان عمرها كمجلة ثقافية قصيرًا، فبمجرد تحولها إلى المجال السياسي، أصبحت شبيهة بغيرها: ركزت على الثورة والسياسة، وهمشت الثقافة. حتى أن المواضيع التي تناولتها كانت سياسية واقتصادية أكثر منها ثقافية. هذا الانبهار بالسياسة جعل الدولة، واستبدادها، المشكلة الأساسية، دون إدراك أن التغيير لا يتحقق إلا من خلال الشعب. ووفقًا لمصطفى بوعزيز، فإن هذا الإطار التفسيري ليس حكرًا على المغرب، بل هو سائد في العالم العربي والإسلامي. فالأحزاب اليسارية في شمال إفريقيا، من المغرب إلى مصر، كغالبية الأحزاب اليسارية العربية، لم تتمكن، رغم شعبيتها، من منع تراجعها بسبب افتقارها إلى رؤية ثقافية واضحة. وقد عانت الحركات اليسارية الجذرية العربية المصير نفسه. تُذكر مصر كمثال، حيث أدت حركة النهضة الثقافية إلى إنتاج سلسلة كاملة من الأعمال الأدبية والفلسفية والمسرحية والسينمائية، فضلاً عن الشعر.ومع ذلك، يعتقد أن هذا العمل الثقافي، الذي بدأ في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على يد شخصيات مثل رفعت الطهطاوي ومحمد عبده، توقف مع شخصيات مثل سلامة موسى وجورجي زيدان. وما يزال هذا واضحًا حتى اليوم، إذ لم تتمكن مصر، التي تُعتبر في العالم العربي أقرب المجتمعات إلى الانتقال إلى الحداثة والديمقراطية، من تجاوز شرعية الجيش. فعلى الرغم من كثرة الإنتاجات الثقافية نسبةً إلى عدد سكانها، لم تُتخذ هذه الخطوة بعد في هذا البلد.لو نجحت مصر في هذا الانتقال، لكانت قوة دافعة لبقية العالم العربي والإسلامي. ولكننا نشهد، بدلاً من ذلك، إعادة إنتاج النظام نفسه.لو نجحت مصر في هذا الانتقال، لكانت قوة دافعة لبقية العالم العربي والإسلامي. لم يشهد المغرب تطوراً ثقافياً مماثلاً لما شهدته مصر، ما يعني أن الحداثة لم تتبلور بعد. واقتصرت المبادرات في هذا الاتجاه على إنشاء مدارس مستقلة في مواجهة النظام التعليمي الفرنسي، الذي، إلى جانب الترويج للغة العربية، ظلّ حبيساً لنظرة مثالية ودينية. في هذا السياق، يرى مصطفى بوعزيز أن على التيارات اليسارية أن تعتبر نفسها محظوظة لعدم اختفائها التام في المغرب. ويكفي النظر إلى الوضع الراهن لبعض الأحزاب السياسية اليسارية، مثل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، التي فقدت بريقها.(يتبع)

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.