اختراق الحدود الكوكبية: العالم العربي في مواجهة الأنثروبوسين

اختراق الحدود الكوكبية: العالم العربي في مواجهة الأنثروبوسين
View on original source
Category: SciTech
Share
Archive
Like
د. حسن مصدق عشرة آلاف سنة من السكينة البيئية النادرة أهداها 'عصر الهولوسين' للبشرية، فنشأت المزارع وشُيّدت صروح المدنيات في أحضان كوكب متزن. بيد أن هذا الثبات الوديع لم يصمد بعد الثورة الصناعية، إذ اندفع الإنسان بشراهة لنبش الوقود الأحفوري وتدمير النظم البيئية، ليدفع بالكوكب قسراً نحو عصر 'الأنثروبوسين' في لحظة فارقة تحوّل فيها البشر من مجرد كائنات تتكيف مع الطبيعة إلى قوة جيوفيزيائية غاشمة تعبث بنبض الأرض وتصادر موازينها. ووسط هذا الذهول أمام تهديدات تمس شرارة الحياة ذاتها، شمّر فريق علمي في مركز ستوكهولم للمرونة البيئية – بقيادة يوهان روكستروم وويل ستيفن – سواعده لفك شفرات الهشاشة الكوكبية. وفي عام 2009، فجّرت مجلة نيتشر مفاجأة علمية مدوية بمشاركة ثمانية وعشرين عالماً من أساطين الفكر البيئي، حين أطلقوا مفهوم 'الحدود الكوكبية'، بوصفه خريطة النجاة التي ترسم أبعاد 'الفضاء الآمن' للبشرية عبر تسعة خطوط دفاع مصيرية: المناخ، المحيط الحيوي، دورات الآزوت والفسفور، الغطاء النباتي، المياه العذبة، المركبات الكيميائية المستحدثة، حموضة المحيطات، العوالق الجوية، وطبقة الأوزون. مما يعني أن الاختراق الرقمي لأيٍّ منها يعني انزلاق الكوكب نحو هاوية تحولات جذرية لا عودة منها. الحدود الكوكبية وإشكالية القياس والعتبات يقوم مفهوم الحدود الكوكبية على حقيقة مفادها أن الرخاء البيئي الذي تنعمنا به في عصر الهولوسين لم يعد ملجأً آمناً إذا ما استمرت معدلات الانبعاثات بالجموح الحاضر، إذ تشير التقديرات الحسابية إلى أن سبعة في المائة من فائض الكربون الذي أطلقته يد البشرية سيمكث في الغلاف الجوي لدهر يمتد مائة ألف عام، مما يجثم على رئة المناخ بثقل سرمدي. تتسم فكرة 'الحد' بذاتها بنوع من الدقة المعرفية، فالحد يحدد خطاً رقمياً يُفترض أن الخطر يعقبه مباشرة. بيد أن نظام الطبيعة لا يذعن لمنطق مفاتيح التشغيل والإيقاف الفورية. فعلى سبيل المثال، فيما يخص تركيز ثاني أكسيد الكربون في الهواء، اعتُمدت العتبة الآمنة عند 350 جزءاً في المليون، بينما تجاوز التركيز الحالي 422 جزءاً في المليون. وهنا يتولد التساؤل الفلسفي والفيزيائي: هل تطأ الأرض عتبة الخطر عند ثلاثمائة وأربعين، أم ثلاثمائة وخمسين، أم ثلاثمائة وستين جزءاً؟ في جوهر الأمر، إن مغادرة حمى الأمان لا تعني السقوط الفوري في قاع الكارثة لحظة ملامسة الرقم، بل تعني الولوج في مسار ديناميكي تتآكل فيه قدرة الطبيعة على استعادة عافيتها. لذلك، يقضي مفهوم 'دقة التقريب' بأن النتيجة تكون صادقة متى ما حققت الغاية دون اشتراط المطابقة التامة. وينطبق هذا الأصل على الحدود الكوكبية، فالغاية ليست رسم سياج حديدي حاد، بل الاستنفار أمام ظواهر تراكمية تُفضي إلى تشغيل 'نقاط التحول الكوكبية' مثل انهيار الصفائح الجليدية في جرينلاند أو خمود الدوران المائي الحراري في المحيط الأطلسي – وهي انحرافات جسيمة تتداعى كأحجار الدومينو وتستحيل معها العودة إلى التوازنات الدهرية. ولتجسيد مطاطية هذه العتبات، نستحضر المعضلة الفلسفية القديمة في 'مفارقة الصلع' كما صاغها إيوبوليدس الملطي، إذ لا توجد شعرة بعينها إذا سقطت حُمِل المرء على أنه 'أصلع'، لكن الغموض في تحديد الشعرة الفاصلة لا ينفي واقعة الصلع ولا يحول دون وقوعها. وهكذا الحال في الحدود الكوكبية، فإن عدم البت في الدرجة الدقيقة المسببة للانهيار لا ينفي حقيقة الاقتراب منه. ويمتد هذا الغموض الحرج إلى التفاعلات البيئية والمجتمعية، ففي تحمّض المحيطات، لا ينبع الخطر من هبوط الرقم الهيدروجيني وتراجع تشبع كربونات الكالسيوم (الأراغونيت) دون عتبة 80% فحسب، بل من تضافر هذه الحموضة مع جزيئات البلاستيك الاصطناعي. وكذا الحال في الإجهاد الحراري البشري، إذ رُصدت عتبة الهلاك جراء الحرارة الرطبة رسمياً عند إحدى وثلاثين درجة مئوية، بينما تؤكد الوقائع أن الفئات الهشة والمجهَدة قد تلقى حتفها عند ثمانٍ وعشرين درجة فقط في مواسم الحر المتطرف. تساقط الحدود الكوكبية التسعة كشفت التقييمات العلمية المتلاحقة عن تداعي خطوط الدفاع الكوكبية في مشهد متسارع الإيقاع، فبعد أن قرع العلماء ناقوس الخطر بتجاوز أربعة حدود عام 2015، ثم ستة حدود عام 2023، أفضت الدراسات الشاملة إلى إعلان استباحة سبعة حدود كوكبية من أصل تسعة. ولم تكن هذه الاستباحة مجرد فرضية نظرية، بل تجسدت في اختلالات عميقة، حيث تعثر المناخ بعبور تركيز ثاني أكسيد الكربون عتبة 420 جزءاً في المليون وقذف اختلال التوازن الإشعاعي للكوكب إلى نحو 1 وات لكل متر مربع فوق مستوياته الآمنة، وتلاه تدهور سلامة المحيط الحيوي بقفز معدلات الانقراض وانحسار قدرة الأنظمة البيئية على التجدد. وبالتوازي مع ذلك، اضطربت الدورات الكيميو-أرضية الحيوية بتضاعف تثبيت الآزوت ليبلغ 150 مليون طن سنوياً مقابل حد آمن يبلغ 62 مليوناً، وتجاوز الفسفور عتبة 22 مليون طن مقابل حد آمن يبلغ 11 مليوناً، وعلى صعيد نظام الأراضي، تراجعت مساحة الغابات العالمية إلى ما دون 60% من غطائها الأصلي متجاوزة السقف الآمن المحدد بـ57%، متزامنة مع استنزاف المياه العذبة بشقيها الزرقاء التدفقية في الأنهار والأحواض والخضراء المخزنة كرطوبة في التربة والنبات. ولم تقف الكارثة عند هذا الحد، بل تدهورت المنظومات الحيوية بتراكم الكيانات الكيميائية الجديدة وإغراق البيئة بأكثر من 350 ألف مادة اصطناعية عصية على التحلل. كما انضم مؤخراً حدُّ تحمّض المحيطات إثر ابتلاع الممتص المائي لربع الانبعاثات البشرية، مما هبط بتشبع معدن 'الأراغونيت' إلى مستويات تُقوّض أصداف الأحياء البحرية. وفي مقابل هذا التداعي، يتذبذب حمل الهباء الجوي إقليمياً دون حسم كامل، بينما ينفرد حد نضوب طبقة الأوزون بالتعافي والاستقرار، مجسداً المِشكاة الوحيدة بفضل الالتزام الدولي التاريخي ببروتوكول مونتريال. وعلى هذا النحو، ينظر علماء نظام الأرض إلى الكوكب بوصفه كائناً حيوياً تتداخل أنظمته في تناغم دقيق، فأي ارتفاع في حرارته لا يأتي بتدرج هادئ، بل يقلب التيارات البحرية والهوائية رأساً على عقب، تماماً كما تنحدر عافية البدن من أوجها عند سبع وثلاثين درجة إلى الحمى، ثم إلى الفشل والتلف عند صعودها العالي. وتؤكد وثائق الهيئة الدولية المعنية بتغير المناخ أن ما نفثته يد البشرية من ثاني أكسيد الكربون منذ فجر الثورة الصناعية لم يترك من الميزانية الكربونية المطلوبة لكبح الحرارة عند درجة ونصف المئوية سوى نحو مئتي جيجا طن، وهي حصة تتلاشى سريعاً أمام معدل انبعاثات سنوي يلتهم أربعين جيجا طن. وبينما تنادي المسارات المتفائلة بضرورة تقليص الانبعاثات بنسبة 45% بحلول عام 2030 وتفعيل تقنيات سحب الكربون، تتنبأ الأنماط المتشائمة باحتراق مناخي يتراوح بين أربع وست درجات مئوية بحلول نهاية القرن، محوّلةً الكوكب إلى مرجل يغلي. وتتجسد أعتى المآسي فيما أثبته الباحثون حول حد 'درجة الحرارة الرطبة'؛ إذ يطيق الإنسان حرارة خمسين مئوية في الجفاف بفضل التعرق، لكنه يستسلم للموت في غضون ست ساعات إذا ما تشبع الهواء بالرطوبة وبلغت الحرارة خمساً وثلاثين درجة لتعطل آلية التبريد الذاتي. العالم العربي في أتون الخطر المناخي وتتضاعف حدة هذه المخاطر في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تتضافر درجات الحرارة المرتفعة مع رطوبة مياه الخليج، دافعةً معدلات 'الرطوبة الحرارية' نحو عتبات تتجاوز قدرة التكيف الفسيولوجي للبشر في المساحات المفتوحة. ولا تتوقف التداعيات عند هذا الإجهاد الحراري الحرج، بل تتسع لتضغط على منظومات الأمن المائي، وتزيد الأعباء التشغيلية على محطات التحلية وشبكات الطاقة، فضلاً عن تعريض البنى التحتية الساحلية للمخاطر وتراجع النظم البيئية البحرية كالشعاب المرجانية. وفي ظل هذه الهشاشة البيئية، تواجه دول الخليج تحدياً استراتيجياً مزدوجاً يجمع بين مواجهة التغيرات المناخية الإقليمية والاستجابة للتحول العالمي السريع نحو الطاقة النظيفة، مما دفعها لتكثيف جهودها نحو إستراتيجيات 'الحياد الصفري'، وضخ استثمارات واسعة في تقنيات الهيدروجين الأخضر، واحتجاز الكربون وتخزينه، وتشييد مدن مستدامة أكثر مرونة في مواجهة التقلبات المناخية القادمة. ولا يقتصر هذا التداعي الإقليمي على النطاق الخليجي، بل يتعداه ليعصف بحوض الهلال الخصيب في العراق وبلاد الشام – الإقليم الأشد هشاشة وتضرراً على مستوى الكوكب إزاء الانهيار الهيدرولوجي. إذ بلغت أزمة اختراق الحدود الكوكبية في حوض الرافدين مستويات وجودية جراء الانخفاض الحاد والغيض التاريخي لتدفقات نهري دجلة والفرات والمستجمعات المائية العابرة للحدود؛ بفعل انحباس الأمطار الهيكلي والتوسع المفرط في السدود العليا. وقد أدى هذا الشح المائي إلى انحسار الأراضي الزراعية الخصبة، وتملح التربة، واحتضار الأهوار التاريخية وتدمير بيئتها الحيوية بالكامل. ولم يقف هذا الجفاف الممتد عند حدود الخسارة البيئية، بل أحال المنطقة إلى بؤرة نشطة للعواصف الغبارية والرملية العاتية، مفجراً موجات نزوح مناخي قسري تجرف آلاف العائلات الريفية، وتفرغ القرى، وتعيد تشكيل الخارطة الديموغرافية والاجتماعية، محيلةً أمن الماء والغذاء والطاقة في العراق والشام إلى تحدٍ وجودي يهدد استمرارية الاستقرار البشري فيهما. وفي هذا السياق، تقف بلدان المغرب العربي على خط المواجهة الأمامي لآثار التغير المناخي، بوصفها إحدى أشد البؤر الحارة هشاشة في حوض المتوسط وشمال إفريقيا. إذ ترتسم تداعيات اختراق الحدود الكوكبية في هذه المنطقة عبر موجات جفاف هيكلية وممتدة غير مسبوقة، وسرعة زحف ظاهرة التصحر التي تلتهم الأراضي الزراعية وتتلف الغطاء النباتي. وتُحذر التقييمات المناخية الدولية من أن تفاعل ظاهرة 'إل نينيو' مع احترار المتوسط يضع المنطقة أمام سيناريوهات حادة ومزدوجة، تتراوح بين تعميق الجفاف الهيكلي الذي يستنزف حقينات السدود ويُتلف المحاصيل الاستراتيجية، وبين إطلاق موجات طقس جامحة تتجسد في تساقطات طوفانية وسيول جارفة تُباغت البنى التحتية، فضلاً عن حرائق الغابات التي تأكل الرئة الخضراء لشمال إفريقيا. وأمام هذا الواقع المائي والزراعي الحرج، تتضاعف الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، محفزةً معدلات الهجرة القروية نحو المدن، ومغذيةً موجات الهجرة غير النظامية عبر المتوسط، مما يجعل معالجة الهشاشة البيئية في المغرب العربي ضرورة وجودية لاستقرار المنطقة وأمنها التنموي. سلامة المحيط الحيوي والتداعيات يمثل حد سلامة المحيط الحيوي ركن استقرار الكوكب، حيث تشير الأدلة إلى أن الأرض تخوض اليوم جحيماً بيئياً يُعرف بـ'الانقراض الجماعي السادس'، وهو الأول المصنوع كلياً بيد الإنسان. وإذا كانت الانقراضات الجيولوجية السابقة قد امتدت أزمنتها لمئات الآلاف من السنين بمعدل طبيعي بسيط، فإن هذا المعدل قفز في عصر الأنثروبوسين ليبلغ من مائة إلى ألف نوع سنوياً لكل مليون نوع – متجاوزاً الحد الطبيعي بمئات بل آلاف المرات – مما يدفع زهاء مليون نوع نباتي وحيواني نحو شفير الاندثار الوشيك، وفق تقارير المنبر الحكومي الدولي للعلوم وسياسات التنوع البيولوجي وخدمات الأنظمة البيئية. ولم يعد هذا التداعي في المحيط الحيوي وتجاوز الحدود الكوكبية شأناً بيئياً معزولاً، بل تحول إلى قضية أمن وقومية استراتيجية، حيث باتت التغيرات البيئية تعمل كـ'مضاعف للتهديدات'، فتغذي بؤر الصراع وتفجر النزاعات على موارد المياه والأراضي الخصبة، وتفرض إعادة رسم خطوط التجارة وسلاسل الإمداد العالمية. وفي المنطقة العربية (ولا سيما في حياض سورية، والعراق، ومصر)، تحول الضغط المناخي والمائي إلى محرّك للاضطرابات الاجتماعية والنزوح الجماعي نتيجة تراجع الصبيب المائي لنهرَي دجلة والفرات ووادي النيل، وسط توقعات أكاديمية بنشوء أكثر من 200 مليون لاجئ مناخي بحلول منتصف القرن، مما سيتسبب في موجات هجرة ملحمية تعيد تشكيل الخارطة السياسية والسكانية للعالم أجمع. الخلاص في عصر الأنثروبوسين إن 'الحدود الكوكبية' ليست مجرد أرقام جافة في أبحاث العلماء، بل هي نظام إنذار مبكر يصون وجود الإنسان في عصر الأنثروبوسين. إن الفحوى الصريحة التي تعلنها أبحاث المراكز العلمية تقر بأسى: لقد أُغلق كتاب عصر الاستقرار الحديث (الهولوسين)، لكن أبواب الكارثة المطلقة لم تُفتح بالكامل بعد. وبالتالي، هناك أمام المجتمعات البشرية فرصة زمنية ضيقة لا تحتمل التسويف، لتدارك الهوة قبل السقوط العظيم. ويمر هذا الخلاص بإنهاء الامتصاص المفرط للوقود الصخري الدفين، والتحول الشامل نحو الطاقات النظيفة والمتجددة، وإعادة هيكلة الزراعة العالمية لحماية الغابات والمحيط الحيوي، وصياغة حوكمة دولية صارمة تعامل أزمات المناخ والتلوث بوصفها خطراً يهدد السلم والوجود البشري. عموماً، لمواجهة أزمة الانبعاثات، تتكامل التقنيات الرئيسية لسحب الكربون بين حلول قائمة على الطبيعة كاستصلاح الأراضي، ومسارات هندسية كاحتجاز الغاز من المداخن والتجوية الصخرية المعززة والسحب المباشر من الجو. ورغم التطور التكنولوجي لهذه التقنيات الهندسية، إلا أن تكاليفها واستهلاكها الهائل للطاقة يجعلانها أدوات مساندة لا تعفي العالم من رهانه الأساسي بحلول عام 2030: خفض الانبعاثات من مصدرها. ومن ثم، فإن كل أجزاء من الدرجة المئوية وكل حد كوكبي نلوذ به هو حصن يقي الأرواح وصرح يحمي المدنية. نقلا عن صحيفة العرب اللندنية

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.