الإنسان في مجتمع الإرهاق والاحتراق

الإنسان في مجتمع الإرهاق والاحتراق
View on original source
Category: Health
Share
Archive
Like
هيثم حسّان اضافة اعلان عمان - لا توجد محطة توقف لدى الإنسان المعاصر في مجتمع الإرهاق أو مجتمع الاحتراق. فهذه المجتمعات ماراثونية بلا خط نهاية، أو نقطة وصول، مما يجعل الإنسان آلة أو ورشة عمل لا تهدأ، ولا تصدأ ولا تتلف.فالمجتمع القديم كان قائما على كلمة "لا"، أما المجتمع الحديث فقائم على كلمة "نعم"، ففي الماضي كانت الرسالة الأساسية لا تفعل هذا، لا تتجاوز هذه الحدود. أما اليوم فالرسالة الأساسية هي نعم نستطيع، نعم يمكنك، نعم طوّر نفسك، نعم حقق المزيد، نعم إعمل أكثر، نعم تعلم أكثر، وسّع طموحاتك باستمرار.وبالتالي، أصبحت الإيجابية المفرطة جزءا من المشكلة لا جزءا من الحل.ما يعني أن الاكتئاب ليس مجرد مشكلة فردية، بل هو مرض مجتمع يعاني من فائض الإيجابية، لأن الإنسان يعيش داخل ثقافة أصبحت تقول له باستمرار أن المستحيل غير موجود، ثم تتركه يواجه تعقيدات الواقع وحده.ويرى الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ تشول هان أن ثمة مشكلة خطيرة طرأت عندما انتقلنا من "مجتمع الانضباط"، الذي تحدث عنه ميشيل فوكو، إلى "مجتمع الإنجاز".وخطورة الأمر عندما يُقال إن الإنسان قادر على فعل كل شيء، بل إن كل فشل وكل نقص وكل تعثر هو وحده مسؤول عنه، وإذا لم ينجح فالمشكلة فيه، وإذا لم يصبح ثريا فالمشكلة فيه، وإذا لم يحقق أهدافه فالمشكلة فيه، وإذا لم يكن سعيدا فالمشكلة فيه.وهو ما يعني أن الإنسان في مجتمع الانضباط كان يخضع لأوامر خارجية، أما في مجتمع الإنجاز فهو يخضع لأوامر داخلية، بل ذاتية، وبالتالي فهو تحول إلى مدير لنفسه ومراقب لنفسه وقاض عليها وسجّانها.ففي الماضي، كان العامل يعرف متى يبدأ العمل، ومتى ينتهي، أما اليوم فالحدود اختفت تقريبا بين وقت العمل ووقت الراحة. فالهاتف الذكي يرافقنا في كل مكان. والإشعارات تنهمر كالمطر الذي لا يتوقف، في الليل، أو العطلات، أو نهاية الأسبوع. ووسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى حالة دائمة ولا متناهية للمنافسة والمقارنة، حتى وقت الراحة يجب أن نُحسنَ استثمارَه، يجب أن تقرأ أكثر يجب أن تحقق دخلا إضافيا، يجب أن تستثمر وقتك بكفاءة، وعندما لا يكون هناك عمل مباشر فالعقل يبقى منشغلا بالتخطيط والتطوير والتحسين.تدريجيا يصبح الإنسان في حالة نشاط مستمر لا يعرف التوقف، لكنه نشاط لا يأتي بفعل أوامر خارجية مباشرة بين سيّد وعبد ومالك وعامل، إن تلك الأوامر تأتي من داخل الإنسان نفسه، فهو من يدفع نفسه بلا رحمة نحو المزيد من الإنجاز!، وهنا تذهب صفة الإنسانية عن الإنسان، ويصبح أقرب إلى الآلة أو "الـتأليل"، أو ما يسميه جورج لوكاتش "التشيؤ"، أو "التسليع" بالمفهوم الماركسي، مع الفارق بين المفهومين.الأخطر من ذلك، أن الإنسان نفسه يشارك في إرهاق نفسه. لم يعد هناك من يطلب منه المزيد، بل أصبح هو من يطلب المزيد من نفسه بحماس، يريد أن يطور مهاراته، يريد أن يزيد دخله، يريد أن يحسن مظهره، أن يتعلم أكثر أن يزيد دخله.وهنا تكمن المفارقة الأساسية، فالإنسان الحديث يشعر أنه أكثر حرية من أي وقت مضى، لكن في الوقت نفسه يعيش تحت ضغوط لم يعرفها كثير من البشر في الأزمنة السابقة، والسبب أن مصدر الضغط لم يعد خارجيا فقط، بل أصبح داخليا، بل ذاتيا.الإنسان يحتاج إلى الراحة يحتاج إلى البطء إلى الفراغ يحتاج إلى لحظات لا يعمل فيها شيئا، لكن مجتمعات الإنجاز الحديثة تنظر إلى تلك الأمور على أنها مضيعة وهدر لمورد الوقت، ولهذا يظهر الشعور بالذنب.لأن الإنسان يبدأ بالتعامل مع نفسه كشركة، يصبح عقله مشروعا، جسده مشروعا، علاقاته مشروعا، صداقاته مشروعا، وقته وحتى مشاعره تحتاج إلى تحسينها وإداراتها.. تدريجيا يفقد الإنسان القدرة على النظر إلى نفسه ككائن بشري محدود لها نقاط قوة وضعف، له انكساراته وله انتصاراته.الآلات يمكن تشغيلها وإطفاؤها، أما الإنسان فيجب أن يبقى منجزا منتجا، ولا وقت فراغ لديه، وهكذا يدخل الفرد في سباق مع الآخرين ومع نفسه، وكلما ارتفع مستوى الإنجاز ارتفع مستوى التوقعات، وكلما ارتفع مستوى التوقعات قل مستوى الحصول على الرضا، هي متوالية لا تنتهي، لا يوجد خط نهاية.مجتمع الإنجاز ينتج حالة من النقص، وهي حالة تتغذى من خلال المقارنة مع الآخرين، تسعرها السوشال ميديا، هذا المعرض العالمي الدائم للاستعراض.وبعيدا عن الخطابات المعاصرة التي تصدح بالإشعار بالذنب وجلد الذات، بالقول المستمر إنه إذا كنت غير سعيد فالخطأ منك وحدك. أنت لم تكن إيجابيا بما يكفي. أنت لم تنظم وقتك كما يجب، لم تطبق التعليمات بدقة، فإن الواقع المعاصر يصنع الإنسان المُرهق والمجتمع المرهق.ووفق هان، فالرأسمالية الحديثة اكتشفت شيئا أكثر كفاءة من الاستغلال التقليدي، فبدلا من إجبار الإنسان على العمل بالقوة جعلته يستغل نفسه طوعا، وهو يعتقد أنه يمارس الحرية، وهي في الحقيقة حرية متخيّلة، بل وهمية، فعندما يعمل شخص لساعات طويلة من أجل تحقيق أهداف يفرضها عليه شخص آخر فإنه يشعر بالمقاومة والغضب، أما عندما يقتنع أن هذه الأهداف أهدافه الشخصية فإنه يواصل الضغط على نفسه بلا حدود تقريبا. وهنا تصبح السيطرة أكثر فعالية لأن الضحية نفسها تشارك في عملية السيطرة.لنكتشف لاحقا، وبشكل متأخر، أن الملل ليس عدونا الحقيقي، لكن الإرهاق هو عدونا المؤكد.بل إن هناك من يرى أن الملل صديقنا الذي نفتقد إليه، والفرصة الأكثر ندرة والأغلى ثمنا التي تقتضي التوقف عندها ومعها.ففي زمن تدعونا فيه الكثير من المحاضرات والندوات وكتب تطوير الذات إلى ملء كل ثانية من اليوم بالنشاط والإنتاجية، تذكّرنا الكاتبة الإسبانية فيكتوريا كامبس بأن لحظات الفراغ والجلوس بلا هدف ما قد تكون لحظة لولادة فكرة خلّاقة جديدة أو قرار مصيري يغير مسار حياتك.ففي هذا الزمن المتسارع، تربينا على الهروب من الملل، وعلى طلب المتعة الفورية، الأمر لم يعدْ يجعلنا غير قادرين على احتمال الطريق الطويل إلى السعادة الحقيقية، تلك التي تحتاج إلى وقت لبناء علاقة او إتقان مهنة أو فهم النفس او إصلاح خطأ.وترى الفيلسوفة الإسبانية أن السعي إلى السعادة ليس سباق ماراثون، وليس محض امتحان ننجح فيه أو نفشل، بل هو مسار تعلم طويل، يمكن أن يبدأ في أي عمر، وفي أي ظرف، إذا قرر الإنسان أن ينظر إلى حياته بعين أكثر رفقا وأكثر تفهما، وأقل خوفا من النقص والضعف.فالسعادة ليست سلعةً جاهزةً للاقتناء، فلا كتب التنمية الذاتية قادرة على الإيفاء بوعد التغيير الأفضل، أو تحويلنا إلى "النسخة الأفضل من أنفسنا"، ولا الإعلانات التجارية لديها الممكنات لجعلنا سعداء بالاستهلاك بعد الشراء، ولا الصور المعالَجة (أو المفلترة) على شبكات التواصل الاجتماعي قادرة على إقناعنا بأنّ الحياة مثالية وأنّ المسافة بيننا وبينها محض خطوات لا أكثر، فكل ذلك تبسيط وتسطيح، حدّ الخداع!وتتساءل كامبس لو كانت السعادة وصفة جاهزة تطبق خطوة خطوة، فلماذا لم تنجح تلك الوصفات مع الجميع، ولماذا يلازمنا شعور الخيبة والنقص، رغم ما يقال عن "الطريق السريع" إلى السعادة؟.وترى كامبس، بعمق، أن الوصفات التي تعد بالسعادة في بضع خطوات تتجاهل أمرا أساسيا، وهو أنّ الإنسان لا يملك السيطرة الكاملة على كل ما يحيط به، وأن جزءا كبيرا يتشكل بأفعال خارجة عن إرادته، ناهيك عما لا يمكن التنبؤ به من أحداث ووقائع، فكيف يمكن الحديث عن سعادة مضمونة باتباع برنامج مسبق الصنع؟فمن الخداع أن تقدم للآخرين وصفات عملية في بضع خطوات، فلا يمكن تجريب نموذج "الوصفة الواحدة للجميع"، من نوع "استيقظ مبكرا" أو في الخامسة صباحا، أو "كرر عبارات إيجابية أمام المرآة"، أو "اكتب أهدافك".وكما يقول الفيلسوف هان "السعادة تجارب ذاتية لا يمكن تعميمها أو نسخها كما ننسخ برنامج حمية غذائي.فالسعادة يمكن أن تُعلّم في البيت، وفي المدرسة، ففي مدرسته لا يتعلم الطفل الحساب واللغة فقط، بل يكتشف أيضا معنى النجاح والفشل، ومعنى الانتظار، ومعنى أن لا يحصل دائما على ما يريد في اللحظة التي يريدها. وفي أسرته يتعلم الطفل عبر المواقف اليومية كيف يتعامل مع الغيرة، ومع الخوف، والغضب، والحزن.ويستلهم الفيلسوف هان فكرة الملل العميق من الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، الذي يرى أن الملل العميق ليس حالة مزعجة، بل تجربة فلسفية مهمة تكشف للإنسان أبعادا عن وجوده لا يستطيع رؤيتها، أثناء الانشغال المستمر.فعندما يتوقف الضجيج الخارجي تبدأ أسئلة من نوع أعمق بالظهور، مثل سؤال المعنى والهوية والمستقبل.السعادة وصفة لا تنتج على عجل، فهي مسار طويل من التربية، والتجربة، واتخاذ القرارات، وتحتاج إلى وقت وتعلم وتدريب على التفكير، ومع كل ذلك، يجب قبول أن بعض الجراح لا تشفى بالكامل، لكنها تعاش بشكل مختلف.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.