حدود الإكراه: الوهم الإستراتيجي الإسرائيلي

حدود الإكراه: الوهم الإستراتيجي الإسرائيلي
View on original source
Category: Politics
Share
Archive
Like
ترجمة: علاء الدين أبو زينة ألون بن مئير* - (مدونة الكاتب) 2026/9/3 يكشف التحليل المقارن للصراعات الدولية عن شروط واضحة يجب أن تتوفر بحيث تتنازل في ظلها الأطراف الأضعف. ولا تستوفي الحالة الفلسطينية أياً من هذه الشروط، بما يؤكد عبث الرهان الإسرائيلي على استسلام الفلسطينيين في غياب تسوية سياسية. لطالما شكّل اختلال ميزان القوة بين الدول والفاعلين من غير الدول، أو بين الحكومات المهيمنة والحركات الوطنية الأضعف، سمة أساسية لكثير من أطول الصراعات وأكثرها استعصاءً في العالم. وقيدم التاريخ -من أيرلندا الشمالية إلى أفغانستان؛ ومن الجزائر إلى سريلانكا- أمثلة متكررة على صراعات تخلّى فيها الطرف الأضعف مادياً وعسكرياً عن كفاحه في نهاية المطاف. لكنّ هذه النتائج ليست حتمية ولا متطابقة في جميع الحالات؛ وهي تنشأ في ظل شروط محددة يمكن التعرف إليها. ويكتسب فهم هذه الشروط أهمية حاسمة، سواء كان ذلك لجهة تفسير الصراعات السابقة أو لغرض تقييم الصراعات الجارية أيضاً -وخاصة الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، حيث تستند التوقعات الإسرائيلية لاستسلام الفلسطينيين في نهاية المطاف إلى تصور خاطئ بعمق. ثمة العديد من المسارات المتكررة التي يمكن أن تؤدي إلى تنازل الأطراف الأضعف أو تفككها؛ ويعكس كل مسار منها تضافر عوامل الإنهاك الداخلي مع القيود الخارجية، وغالباً ما تعززه حسابات إستراتيجية خاطئة. وسوف أعرض في ما يلي سبعة شروط يمكن أن يستسلم في ظلها الطرف الأضعف في نهاية المطاف: أولاً، قد تنفد الموارد المادية لدى الجماعات الأضعف. وفي الأساس، يتطلب الكفاح المسلح وصولاً مستداماً إلى الأسلحة والتمويل والبنية التحتية اللوجستية؛ وعندما تستنزف هذه الموارد إلى حد يتعذر معه تعويضها، تصبح مواصلة الصراع شأناً غير قابل للاستمرار. وتقدم حركة "نمور تحرير تاميل إيلام" (LTTE) في سريلانكا مثالاً واضحاً على ذلك؛ بحلول العام 2009، وبعد عقود من التمرد، كانت الحركة قد عُزلت بصورة منهجية عن مصادر السلاح والتمويل. ومع إحكام الحصار عليها وحرمانها من الإمدادات، انهارت المنظمة تحت وطأة الهجوم السريلانكي النهائي، وبذلك تُرجم الاستنزاف المادي مباشرة إلى هزيمة إستراتيجية. ثانياً، يمكن أن يكون فقدان الدعم السياسي والمالي الخارجي حاسماً. وبشكل عام، تعتمد كثير من حركات التمرد على دول متعاطفة، أو على تمويل الجاليات في الخارج، أو على رعاة جيوسياسيين. وعندما يتلاشى هذا الدعم تتراجع قدرتها على مواصلة الكفاح المسلح بسرعة. وتجسد حركة "رينامو" RENAMO في موزمبيق هذه الدينامية. وفي حالة هذه الحركة، عندما حُجب الدعم الروديسي ثم الجنوب أفريقي عنها، مع تحول بريتوريا نحو التسويات على الأراضي وإنهاء نظام الفصل العنصري، أصبحت جهود "رينامو" الحربية غير قابلة للاستمرار، مما دفعها إلى الانخراط في "اتفاق روما العام للسلام" للعام 1992 والتحول إلى حزب سياسي. ثالثاً، قد تختار الأطراف الأضعف أحياناً تسوية خلافاتها مع الخصوم الأقوى من خلال اتفاقات تفاوضية، فتفضّل التوافق السياسي على مواصلة المواجهة. ويمثل اتفاق "الجمعة العظيمة" في أيرلندا الشمالية حالة نموذجية لهذا المسار. وفي هذه الحالة، قبل "الجيش الجمهوري الأيرلندي" بعد عقود من الكفاح المسلح بتسوية لا تحقق الوحدة الفورية، وانخرط في المشاركة ضمن إطار سياسي معاد التشكيل، إدراكاً منه لحقيقة أن استمرار العنف لن يحقق أهدافه القصوى. رابعاً، قد يجري تفكيك الجماعة الأضعف فعلياً من خلال عمليات عسكرية واستخباراتية متواصلة ينفذها الطرف الأقوى، بما يحول دون إعادة تشكيلها. ويجسد تمرد حركة "الدرب المضيء" في بيرو هذا المسار. وفي هذه الحالة، شكّل القبض على أبيمايل غوزمان (1) في العام 1992 ضربة مدمرة للحركة، وأدت عمليات مكافحة التمرد المستمرة إلى إضعاف قدراتها بصورة بالغة، ومنعتها من استعادة قوتها السابقة. وكما يقترح هذا المثال، يمكن لتصفية قيادة التنظيم، عندما تقترن بفرض الدولة سيطرة فعالة، أن تحبط قدرة حركة التمرد على استعادة نشاطها. خامساً، قد يستسلم الطرف الأضعف في نهاية المطاف بفعل الإنهاك المحض. في الأساس، يفرض الصراع الطويل معاناة لا تُحتمل على المقاتلين والمجتمعات المحلية. ومع مرور الوقت، تتضاءل المكاسب المتوقعة من مواصلة المقاومة أمام استمرار المعاناة. وتجسد الحرب الطويلة في كولومبيا بين الدولة و"القوات المسلحة الثورية الكولومبية" (فارك) هذه الظاهرة. وفي هذه الحالة، دخلت (فارك) -بعد عقود من الحرب، وتراكم الخسائر البشرية، وتراجع التسامح الشعبي مع الصراع- في مفاوضات سلام انتهت باتفاق العام 2016، نتيجة للإنهاك الذي أصاب الحركة والمجتمع على حد سواء. سادساً، قد يتآكل التأييد الشعبي للطرف الأضعف تحت وطأة المشقة المستمرة. في العادة، يعتمد الطرف الأضعف على قبول السكان المدنيين -أو على دعمهم الفعلي له. وعندما يصاب المجتمع بخيبة الأمل، يفقد الطرف الأضعف قاعدته الاجتماعية. في العراق، على سبيل المثال، واجه تنظيم القاعدة انتكاسة حادة خلال "صحوة الأنبار"، حين انقلبت عليه القبائل السنية بسبب وحشيته وإخلاله بالحياة المحلية، الأمر الذي أفقده أهميته بصورة مهينة. سابعاً، تعمد بعض الحركات إلى تعليق الأعمال العدائية مؤقتاً لإعادة تنظيم صفوفها، لكنها تعجز عن الظهور مجدداً بوصفها قوة قادرة على البقاء، وغالباً ما يكون ذلك بسبب انقسام القيادة، أو فقدان الشرعية، أو الضغوط الخارجية التي تحول دون إنجاز إعادة تنظيم فعالة. وعلى سبيل المثال، بعد فشل "محادثات بالينغ" في العام 1955 وانسحاب الحزب الشيوعي الماليزي عبر الحدود إلى تايلاند، لم يتمكن الحزب من العودة ليكون قوةً قتالية مرة أخرى، وحُلّ في العام 1989. وثمة أمثلة أخرى أيضاً، من بينها حالات تؤدي فيها الانقسامات الداخلية إلى تمزيق القيادة أو إضعاف الرؤية الإستراتيجية بحيث تنهار وحدة الصف، كما حدث في صفوف المعارضة السورية التي أضعفت انقساماتها الأيديولوجية والتنظيمية العميقة قدرتها على تشكيل جبهة موحدة في مواجهة الأسد. وثمة حالة أخرى تتمثل في اندماج قيادات مؤثرة في البنى السياسية أو الاقتصادية للقوة المهيمنة؛ ويمكن حينئذ أن تفقد المقاومة اتجاهها كما حدث في سياقات أفريقية عديدة في حقبة ما بعد الاستعمار، حين استقطبت السلطات الاستعمارية أو القوى المهيمنة النخب المحلية إلى جانبها. وهناك أيضاً حالة أخرى تتمثل في تغلّب اتجاه الاندماج العالمي على استمرار الصراع، كما حدث في أجزاء من جنوب شرق آسيا، حيث فقدت حركات التمرد تدريجياً أهميتها مع إعادة التنمية الاقتصادية تشكيل تطلعات المجتمعات. مجتمعةً، تشكل هذه الأنماط إطاراً لفهم الأسباب التي تجعل الأطراف الأضعف تتنازل في بعض الأحيان. لكنّ هذا الإطار نفسه هو الذي يُبرز خصوصية الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. في هذا الصراع، لا ينطبق أي من هذه الشروط، منفردة أو مجتمعة، بطريقة يمكن أن تقود إلى استسلام الفلسطينيين. لم تنفد مواردهم المادية؛ ولم يفقدوا الدعم السياسي والمالي الخارجي؛ ولم ينهاروا أمام العمليات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية المتواصلة؛ ولم يبلغوا مرحلة الإنهاك التام؛ ولم يستسلموا تحت وطأة المشقة المستمرة؛ ولم يعلّقوا أعمال المقاومة؛ وما يزالون قادرين على الظهور مجدداً بوصفهم قوى قادرة على البقاء. كما أنهم صمدوا أمام الضغط الإسرائيلي -على الرغم من انقساماتهم الداخلية؛ وأخيراً، لم تندمج قياداتهم المؤثرة في البنى السياسية أو الاقتصادية الإسرائيلية. من المؤكد أن الهوية الفلسطينية والمقاومة، خلافاً لحالات الأطراف الأضعف الأكثر مركزية في قيادتها، متجذرتان بعمق في شعب بأسره، ولا تنحصران في هرم قيادي واحد. ويميِّز استمرار الهوية الفلسطينية عبر الأجيال والجغرافيا الحالة الفلسطينية عن الحالات التي أدى فيها انكفاء الجمهور إلى فقدان المقاومة. كما أن تصفية القيادات واعتقالها لم يقضيا على البنى الأساسية للمقاومة ولا على الحركة الوطنية الأوسع. ولم تتمكن حتى عقود طويلة من المعاناة من إخماد الوعي الوطني الفلسطيني. في الحالة الفلسطينية، على وجه الخصوص، فشلت مراراً وتكراراً محاولات التوصل إلى تسوية على شروط يمكن أن تفضي إلى إلغاء التطلعات الوطنية الفلسطينية. وفي الحقيقة، لم تعالج اتفاقات مثل "أوسلو" القضايا الجوهرية -وفي مقدمتها إقامة الدولة والسيادة واللاجئون والقدس- وبذلك لم تُفلح في إنتاج تسوية دائمة. وبالمثل، لم ينهَر التأييد الشعبي للقضية الفلسطينية، على الرغم من المعاناة الهائلة، بطريقة تفقدها شرعيتها أو تقوض القضية الأوسع. كما أن التوقفات المؤقتة لأعمال العنف لم تفضِ إلى انسحاب دائم من المواجهة، وغالباً ما أعقبها تجدد في التعبئة والمقاومة بما يعكس استمرار المظالم التي لم تُحل -ناهيك عن التحولات التي تطرأ من جيل إلى آخر. وهكذا، كانت الخلاصة التي تفرض نفسها هنا ذات طابع تجريبي وإستراتيجي في آن واحد: لا يقدم التاريخ سابقة واحدة توحي بأن حركة وطنية تعمل في ظل هذه الظروف يمكن أن تختفي ببساطة. ولا تستطيع إسرائيل، على الرغم من كل ما تتمتع به من تفوق هائل عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، أن تتوقع حل الصراع من خلال الهيمنة أو سياسة الاستنزاف. ثمة عوامل التوازن الديموغرافي، والتداخل الجغرافي، والارتباطات الدينية والتاريخية العميقة بالأرض، التي تجعل القضاء على الهوية الوطنية الفلسطينية شأناً متعذراً. وقد أفضى الاعتماد المتواصل على إجراءات الإكراه إلى نتيجة معاكسة تماماً لما استهدفته: بدلاً من دفع الفلسطينيين إلى الاستسلام، أسهمت هذه الإجراءات في ترسيخ المقاومة، بينما أضعفت في الوقت نفسه مكانة إسرائيل الدولية وسلطتها الأخلاقية. لا يؤيد التاريخ فكرة أن القوة الساحقة قادرة على قمع حركة وطنية راسخة بعمق إلى أجل غير محدد من دون التوصل إلى حل سياسي. وحيثما تنازلت الأطراف الأضعف في صراعات سابقة، كان ذلك في ظل شروط غائبة عن الحالة الفلسطينية. وكلما طال تأجيل الحل السياسي القابل للحياة، ازدادت الكلفة، سواء كان ذلك على الفلسطينيين أو على إسرائيل نفسها. لا يمكن بناء مستقبل مستدام على افتراض أن أحد الشعبين سيختفي. ولا بد أن يقوم هذا المستقبل على الاعتراف بأن كلا الشعبين باقٍ، وأن الإطار الوحيد القادر على إنهاء هذا الصراع هو إطار يستند إلى الحقوق، والأمن، والكرامة المتبادلة. *ألون بن مئير Alon Ben-Meir: أستاذ متقاعد في العلاقات الدولية ودراسات الشرق الأوسط، وخبير في شؤون الشرق الأوسط والمفاوضات الدولية وحل النزاعات. درّس في مركز الشؤون العالمية بجامعة نيويورك، وكان زميلاً أول في "معهد السياسة العالمية". شارك على مدى عقود في قنوات دبلوماسية خلفية ومفاوضات غير رسمية بين إسرائيل والدول العربية وتركيا، مع اهتمام خاص بعملية السلام العربية-الإسرائيلية. ألّف عدداً من الكتب عن الصراع العربي-الإسرائيلي والإرهاب والعلاقات الدولية. وهو يدافع منذ سنوات عن مبادرة السلام العربية وحلول سياسية للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. *نشر هذا المقال تحت عنوان: The Limit Of Coercion: Israel's Strategic Delusion هامش المترجم: (1) أبيمايل غوزمان (1934–2021) Abimael Guzmán: سياسي ومفكر ماركسي بيروفي، أسّس وقاد جماعة "الدرب المضيء" Sendero Luminoso الماوية التي خاضت تمرداً مسلحاً ضد الدولة البيروفية منذ العام 1980. اعتُقل في العام 1992 وحُكم عليه بالسجن المؤبد، وتوفي في السجن في العام 2021.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.