عمون .. حين تغيّر معنى الصحافة

عمون .. حين تغيّر معنى الصحافة
View on original source
Category: Blend
Share
Archive
Like
قبل عشرين عاماً، لم تكن الصحافة الإلكترونية في الأردن قد أصبحت صناعة، ولم يكن واضحاً أن الشاشة ستعيد، خلال سنوات قليلة، ترتيب العلاقة بين الصحيفة والقارئ والخبر. كان السؤال يومها: هل تستطيع الصحيفة الإلكترونية أن تنافس الورق؟ لكن السنوات كشفت أن السؤال كان أضيق من التحول الذي بدأ آنذاك؛ فالمسألة لم تكن منافسة بين وسيطين، وإنما انتقالاً في مفهوم الصحافة ودورها وموقعها في المجال العام. في تلك اللحظة ظهرت «عمون»، وكان رهان الباشا سمير الحياري، مؤسسها، رهاناً على المستقبل قبل أن تتضح ملامحه. فلم يكن إنشاء منبر إلكتروني جديد مجرد استجابة لتطور تقني، بل دخولاً إلى مساحة إعلامية لم تكن قواعدها قد استقرت بعد. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكمن أهمية التجربة في أنها عرفت المستقبل كاملاً، وإنما في أنها امتلكت الجرأة على التعامل معه قبل أن يصبح واضحاً للجميع. وأنا، الذي كتبت في «عمون» منذ بداياتها، لا أستعيد هذه السنوات بوصفها ذكرى مهنية بعيدة، وإنما باعتبارها جزءاً من تجربة عشت فيها تحول الصحافة من الداخل. رأيت، مثل كثيرين من أبناء المهنة، كيف انتقلت المعلومة من موقع الندرة إلى الوفرة، وكيف تغير القارئ من متلقٍ ينتظر الصحيفة إلى طرف حاضر في النقاش، وكيف أصبحت «عمون»، على مدار هذه المسيرة، ما يشبه «الديوان الوطني الجامع» الذي تلتقي عنده الحوارات الوطنية، وتتسع فيه مساحة الاختلاف والتعبير. وهنا تحديداً تغيّر معنى الصحيفة. في زمن سابق، كان امتلاك المعلومة يمنح المؤسسة الصحفية جزءاً أساسياً من قوتها. أما اليوم، فقد أصبحت المعلومة متاحة على نحو غير مسبوق. يستطيع أي شخص أن يصور حدثاً، وينشره، ويعلّق عليه، ويمنحه عنواناً، ثم يراه ينتشر في دقائق. لم تعد الصحافة تملك امتياز النشر، ولم تعد السرعة وحدها قادرة على منحها التفوق؛ فالسبق الذي لا تحميه الدقة مجرد عارض عابر، والقيمة الحقيقية تكمن في صمود الخبر أمام امتحان التحقق. لكن سقوط احتكار النشر لم يسقط الحاجة إلى الصحافة؛ بل كشف وظيفتها الحقيقية. فحين يصبح الجميع قادرين على نقل الخبر، يصبح دور الصحفي أكثر صعوبة: أن يعرف ما الذي يستحق النشر، وأن يتحقق مما يُنقل، وأن يضع الحدث في سياقه، وأن يميز بين ما وقع فعلاً وما يُراد للناس أن يعتقدوا أنه وقع. وعندما تتساوى المنصات في قدرتها على الوصول، تصبح المهنية هي الفارق، وتتحول الثقة من ميزة إلى شرط للبقاء. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة مسيرة «عمون». فهي لم تبقَ على الساحة عقدين من الزمن فحسب، وإنما عاشت التحولات التي أعادت تشكيل الصحافة الأردنية: من الخبر المنشور في موقع إلكتروني، إلى الخبر الذي يتحرك لحظة بلحظة عبر المنصات؛ ومن قارئ ينتظر الصحيفة، إلى قارئ يملك عشرات المصادر في اللحظة نفسها. لكن الاختبار اليوم أكثر تعقيداً. فالذكاء الاصطناعي والتزييف العميق قادران على إنتاج نصوص وصور ومقاطع يصعب أحياناً تمييزها عن الحقيقي، والمنصات قادرة على دفع المحتوى إلى ملايين الناس دون أن يمر بالضرورة بأي اختبار مهني. لذلك لن تكون أزمة الصحافة المقبلة في نقص المعلومات، وإنما في فائضها؛ ولن تكون المشكلة في غياب المحتوى، بل في حماية الوعي العام ومعرفة ما الذي يستحق الثقة. وهنا لا تكفي التكنولوجيا. ما يحمي الصحافة هو الإنسان الذي يتحمل مسؤولية ما ينشر، والمؤسسة التي تضع قواعد مهنية لا تتغير بتغير المزاج، والكاتب الذي يعرف أن الكلمة ليست مادة للتداول فقط، وإنما مسؤولية تجاه الحقيقة، وتجاه القارئ، وتجاه المجال العام. لهذا لا أرى أن أفضل طريقة للاحتفاء بمسيرة «عمون» هي استعادة الماضي بوصفه إنجازاً مكتملاً؛ فالأهم أن ننظر إلى ما بعده. فالسنوات تمنح الخبرة، لكنها لا تمنح حصانة من التراجع، والمكانة التي صنعتها التجربة لا تُورث؛ وإنما تُعاد صناعتها كل يوم. وبالنسبة لي، تبقى الكتابة في «عمون» منذ انطلاقتها جزءاً من علاقتي بهذه المهنة. لكن قيمة هذه التجربة لا تكمن في الحنين إلى البدايات، وإنما فيما كشفته السنوات من حقيقة بسيطة: الصحافة تتغير في أدواتها وسرعتها وعلاقتها بجمهورها، لكنها تفقد معناها إذا تخلت عن مسؤوليتها تجاه الحقيقة. وربما هنا تكمن دلالة العقد الثالث لـ«عمون»: لم يعد التحدي أن تصل إلى الناس، فقد أصبح الوصول متاحاً للجميع؛ وإنما أن تقدم لهم ما يستحق أن يُقرأ، وأن تعرف أن الثقة التي تُبنى في سنوات يمكن أن تهدمها لحظة واحدة. بعد عشرين عاماً، لم يعد السؤال: من يصل إلى الخبر أولاً؟ بل: من يصل إليه بمسؤولية، ويملك من المهنية ما يجعل الناس يثقون به؟ وهذا، في النهاية، ليس امتحان «عمون» وحدها؛ إنه امتحان الصحافة كلها. وفي هذه المناسبة، أهنئ «عمون» بمسيرتها الممتدة لعشرين عاماً، وأهنئ مؤسسها الباشا سمير الحياري، وجميع العاملين فيها، وكل من أسهم في بناء تجربتها وترسيخ حضورها في المشهد الإعلامي الأردني، كما أهنئ الزملاء الذين كتبوا فيها، والقراء الذين منحوا هذه التجربة معناها الحقيقي. كل عام و«عمون» بخير، وكل عام والعاملون فيها أكثر قدرة على مواصلة الطريق، وأكثر تمسكاً بالمهنية والحقيقة. عشرون عاماً مضت ليست نهاية الحكاية، بل بداية امتحان جديد.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.