نشوان عزيز عمانوئيل - الرجل الذي نسي أن يسقط

نشوان عزيز عمانوئيل - الرجل الذي نسي أن يسقط
View on original source
Category: Blend
Share
Archive
Like
الرجل الذي نسي أن يسقط!! ستوكهولم خريف 2026 في يوم من الأيام وبينما كنتُ أبحث في جيب معطفي عن مفتاحٍ ضائع، وجدتُ مدينةً صغيرةً تنام على ظهر ملعقة، وكانت شوارعها مصنوعة من أصابع البيانو، وكلما مرّ أحد سكانها فوق الرصيف خرج صوتٌ يشبه اعتذاراً قديماً لم يقبله أحد.أعدتُ المدينة إلى جيبي خوفاً عليها من المطر، لكن المطر كان قد سبقني إلى الداخل، وكان يجلس هناك منذ زمن طويل، يدخّن غيمةً رمادية ويحدّث أزرار معطفي عن طفولته عندما كان نهراً صغيراً يخاف من البحر.قلتُ له:لماذا تمطر هنا؟فنظر إليّ بعينين مبللتين وقال:لأن الخارج مزدحم جداً بالأشياء التي تتظاهر بأنها حقيقية.عندها سمعتُ صوتاً قادماً من حذائي.كان حذائي يحتجّ على الطريق، يقول إنني أمشي كثيراً في الاتجاه الخطأ، وإن قدميّ أصبحتا لا تعرفان الفرق بين الوصول والهروب. حاولتُ أن أشرح له أنني لم أكن ذاهباً إلى مكانٍ محدد، لكن الأماكن، كما تعرف، تغار أحياناً من الذين لا يقصدونها.خرجتُ إلى الشارع، فوجدتُ الشمس معلقةً على حبل غسيل بين بنايتين، تقطر ضوءاً أصفر على رؤوس المارة. كانت امرأة عجوز تجمع الظلال في سلة من القش وتبيعها للأطفال الذين فقدوا آباءهم في زحام المرايا.اشتريتُ ظلاً طويلاً.عندما عدتُ إلى البيت اكتشفتُ أنه ليس ظلي.كان ظل رجلٍ آخر، يبدو أنه عاش حياةً كاملةً دون أن يعرف أن أحداً سيشتريه يوماً بخمس دقائق من الصمت.في المساء، جلستُ معه على الشرفة.لم نتحدث.كان الظل ينظر إلى القمر بطريقة جعلتني أشك أن القمر مدين له بشيء.بعد منتصف الليل بقليل، رنّ الهاتف. رفعت السماعة، فلم أسمع سوى صوت ملحٍ يذوب في البحر. بقيتُ أقول: ألو؟ ألو؟ لكن البحر كان مشغولاً بإخفاء جثث السفن القديمة، ولم يكن لديه وقت للمكالمات الشخصية.أغلقتُ الهاتف.فبدأ الهاتف بالبكاء.حاولتُ تهدئته، قلت له إن كل شيء سيكون على ما يرام، لكنه ضحك وقال:ومن قال لك إننا نريد أن يكون كل شيء على ما يرام؟كانت تلك أول مرة أشعر فيها بالخوف من الأجهزة المنزلية.ذهبتُ إلى المطبخ، فوجدتُ الثلاجة مفتوحة وفارغة، إلا من بيضة واحدة تجلس في المنتصف وكأنها ملكة فقدت مملكتها. سألتها إن كانت جائعة، فقالت إنها ليست بيضة، وإن هذا مجرد شكل مؤقت اختارته كي لا يتعرف إليها الماضي.أغلقتُ الباب ببطء.لكن من الداخل سمعتُ صوت تصفيق.في تلك اللحظة، دخلت الساعة إلى الغرفة.نعم، دخلت الساعة.كانت تمشي على عقاربها، متعبةً، وقد نزعت الأرقام من وجهها ووضعتها في حقيبة سوداء. قالت لي إنها استقالت من الزمن، وإنها لم تعد قادرة على دفع الناس إلى الأمام بينما أرواحهم كلها تريد الرجوع.قلت لها:إلى أين ستذهبين الآن؟قالت:إلى مكان لا توجد فيه ساعات.قلت:وهل يوجد؟ابتسمت وقالت:كل الأماكن التي نسميها أحلاماً.ثم خرجت.منذ ذلك اليوم، لم يعد الوقت يمرّ في بيتي.صار يتراكم في الزوايا مثل الغبار.صرتُ أجد صباحاً كاملاً تحت السرير، وأحياناً أجد يوم الثلاثاء عالقاً بين صفحات كتاب، وذات مرة فتحتُ الخزانة فسقط عليّ شهر كامل من السنوات التي لم أعشها.في الليلة الثالثة، قررتُ أن أزرع نافذة.حفرتُ حفرةً في الأرض، وضعتُ فيها زجاجةً مكسورة، وسقيتها بالحليب، وانتظرت.بعد أسبوع، نمت نافذة صغيرة.كانت تطلّ على بحرٍ لا أعرفه.بعد أسبوع آخر، صار البحر يطلّ عليّ أيضاً.بدأنا نتبادل النظرات.كنتُ أراه من الداخل، وكان يراني من الخارج، ولم يكن أيّ منا متأكداً من مكان الآخر.أحياناً كنتُ أرى سمكةً تطير في غرفة النوم، وأحياناً كان البحر يرى سريري غارقاً في أعماقه.وفي صباحٍ بارد، وجدتُ نفسي واقفاً على الشاطئ دون أن أغادر البيت.كانت الرمال مبللة، والسماء منخفضة جداً حتى إنني استطعتُ لمسها. عندما لمستها، شعرتُ بأنها ساخنة.فقلت للسماء:هل أنتِ مريضة؟قالت:لا، لكن أحدهم يفكر بي كثيراً.جلستُ على صخرة.فجأة بدأت الصخرة تتحدث عن الحب.قالت إن البشر يسيئون فهمه دائماً، وإن الحب ليس أن تجد شخصاً لا تستطيع العيش بدونه، بل أن تجد شخصاً تستطيع أن تكون بجانبه غريباً تماماً دون أن تشعر بالحاجة إلى تفسير غرابتك.أعجبتني الفكرة.لكنني لم أثق بها، لأنها كانت صخرة، والصخور، في رأيي، لديها وقت طويل جداً للتفكير في أشياء لا تخصها.عدتُ إلى البيت.وجدتُ الباب نائماً.لم أرد أن أوقظه، فدخلتُ من ثقب المفتاح.في الداخل كانت الغرفة أكبر بكثير مما تركتها. كانت تمتد حتى نهاية طفولتي، وهناك، قرب النافذة التي زرعتها، رأيتُ نسخةً صغيرة مني تجلس على الأرض وتبني قلعةً من الأسنان اللبنية.اقتربتُ منه.نظر إليّ وسأل:هل أصبحتَ ما كنتَ تريد أن تصبحه؟جلستُ أمامه طويلاً.بحثتُ في وجهي عن إجابة، فلم أجد سوى رجلٍ يحمل مدينةً في جيبه، وظلاً ليس له، وساعةً استقالت من الزمن، وبحرًا يتصل به هاتفياً في منتصف الليل.قلت له:لا أعرف.فابتسم الطفل.وقال:جيد.ثم عاد إلى لعبه.ومنذ ذلك الحين، وأنا أعيش حياتي بحذرٍ شديد، لأنني بدأتُ أشك أن كل شيء من حولي يعرف أكثر مني.الكرسي يعرف إلى أين أذهب عندما أجلس.المرآة تعرف كم وجهاً أرتدي.النافذة تعرف من الذي أفتقده.والمفتاح الذي وجدته في جيبي في ذلك اليوم لم يكن مفتاحاً أصلاً.كان سناً صغيراً لبابٍ لم يُخلق بعد.وما زلتُ أحمله معي.لعلني، في يومٍ ما، وبينما أبحث عن شيء آخر ضائع، أجد ذلك الباب.وأفتحه.ثم أكتشف، على الأرجح، أنني كنتُ في الجهة الأخرى طوال الوقت. #نشوان_عزيز_عمانوئيل (هاشتاغ) ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي ، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع . اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.