حين كان وادي ملوية يروي قصص الوصل: ذكريات القنطرة المتحركة بين بركان ورأس الماء

حين كان وادي ملوية يروي قصص الوصل: ذكريات القنطرة المتحركة بين بركان ورأس الماء
View on original source
Category: Tourism
Share
Archive
Like
زايوسيتي تتسلل الذاكرة أحياناً عبر شقوق الزمن لتستحضر تفاصيل مكانية وإنسانية ظلت راسخة في وجدان أبناء المنطقة الشرقية، وحديثها العذب لا يكتمل إلا إذا عاد بنا المركب إلى ضفاف وادي ملوية الأبدي، حيث كانت تقف شامخة واحدة من العجائب الهندسية البسيطة التي طبعت حياة جيل بأكمله: القنطرة المتحركة أو ما عرف محلياً بقنطرة 'عين الزرف' الرابطة بين إقليم بركان ورأس الماء (قابوياو). قبل أن تستقيم السبل وتستقر الجسور الثابتة لتوصل ما انقطع، كانت ملوية تشكل حاجزاً طبيعياً مهيباً وعائقاً أمام حركة السير والعبور. ولتجاوز هذه المعضلة في عقود الستينات والسبعينات من القرن الماضي، شُيدت منشأة فريدة من نوعها؛ قنطرة متحركة تُدار يدوياً بآليات بسيطة (المنفيل) وبسواعد رجالات مخلصين وظفوا حياتهم لخدمة العابرين. وقد وثقت شهادات حية لشهود عيان وفاعلين تلك الحقبة الزاخرة؛ فمن مستعملي سيارات 'رونو 5' أو 'فيات 124' إلى العائلات التي كانت تقطع المسافات صوب 'قابوياوا' للاستجمام أو لقضاء المآرب اليومية، ظلت هذه الرحلة بمثابة مغامرة شيقة ومحفوفة بالذكريات. ويكفي أن نستحضر بصمات الوجوه الطيبة التي طبعت تلك المرحلة، وفي مقدمتهم الراحل المسمى قيد حياته 'اعمر عونة'، الرجل المكلف بالسهر على تشغيل هذه القنطرة المتحركة وتأمين سلامة العابرين، والذي لا يزال اسمه يتردد مقروناً بالدعوات الصالحة والرحمة في قلوب كل من عبروا تحت إشرافه سنة 1968 وخلال السبعينات. تعود بنا الصور الأرشيفية النادرة لتلك الفترة لتجسد تفاصيل المشهد بكل عفوية ودفء؛ حيث تظهر السيارات الكلاسيكية وهي تستقر بحذر على منصة العبور الخشبية والمعدنية المربوطة بأسلاك متينة، بينما يتأهب العاملون لتشغيل عجلة القنطرة نحو الضفة الأخرى وسط ترقب المسافرين. هذا التطور التاريخي لم يتوقف عند حدود تلك الوسائل البدائية والذكية في آن واحد؛ فمع مطلع الثمانينات (وتحديداً سنة 1981)، استُبدلت هذه القنطرة المتحركة بأخرى ثابتة تُنهي حقبة العبور الحذر وتفتح الباب أمام انسيابية الطرق والمواصلات الحديثة، وهي القنطرة التي سهر على إنجازها مقاولون محليون مشهود لهم بالكفاءة من مدينة بركان، ويتعلق الأمر بكل من بوراس والستوتي. إن استرجاع حكايات قنطرة 'عين الزرف' وعبور وادي ملوية ليس مجرد نبش في أرشيف طرق ومواصلات منقوشة على صخور الماضي، بل هو احتفاء بروح جيل كامل عانى وصبر وترك بصمات بيضاء في مسار التنمية المحلية للمنطقة. إنها تحية إكبار لروح الأباء والأجداد ولكل من سهر على استمرارية شريان الحياة بين بركان، كبدانة، ورأس الماء، لتظل تلك الحقبة مرسومة في الوجدان كأجمل سنوات العمر وأعز ذكريات الوطن.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.