دمج السجلات التجارية.. تنظيم إداري لا يعالج التعثر الاقتصادي

دمج السجلات التجارية.. تنظيم إداري لا يعالج التعثر الاقتصادي
View on original source
Category: Business
Share
Archive
Like
زاهر ناصر حمد الكويلي في الوقت الذي تسعى فيه الجهات المختصة إلى تطوير البيئة التجارية وتحسين مستوى التنظيم ورفع كفاءة الإجراءات، يبرز موضوع دمج السجلات التجارية؛ باعتباره أحد الإجراءات التنظيمية التي تهدف إلى معالجة بعض جوانب التداخل والازدواجية في الأنشطة التجارية، إلّا أن طرح هذا الإجراء في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها بعض الشركات يستدعي التوقف قليلًا أمام واقع القطاع الخاص، والتساؤل: هل دمج السجلات التجارية هو الأولوية في هذه المرحلة، أم أن الأولوية يجب أن تكون لمساعدة الشركات على تجاوز التعثر واستعادة قدرتها على الاستمرار؟ لا يختلف اثنان على أهمية تنظيم السجلات التجارية وتطوير الأنظمة بما يتوافق مع متطلبات المرحلة الاقتصادية، فالتنظيم الإداري ضرورة، وتحديث الإجراءات أمر مطلوب، وتحقيق الشفافية والوضوح في النشاط التجاري هدف يخدم الاقتصاد الوطني. لكن في المقابل، فإن التنظيم الإداري، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا عن الحلول الاقتصادية التي تحتاج إليها الشركات المتعثرة؛ فالواقع الذي تعيشه بعض الشركات اليوم يختلف عن السنوات السابقة. هناك مؤسسات تعاني من تراجع النشاط، وأخرى تواجه صعوبات في السيولة، فيما تتحمل شركات أخرى تكاليف تشغيلية والتزامات مالية أصبحت تشكل ضغطًا كبيرًا على قدرتها على الاستمرار. وبعض هذه الشركات لم تصل إلى التعثر نتيجة سوء الإدارة بالضرورة، وإنما بسبب ظروف اقتصادية متراكمة وتغيرات في الأسواق وارتفاع تكلفة ممارسة النشاط التجاري. ومن هنا، فإن أي إجراء جديد ينبغي أن يراعي قدرة الشركات على تحمله، خصوصًا المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تمثل شريحة مهمة من القطاع الخاص، وتحتاج إلى بيئة تساعدها على النمو والاستمرار بدلًا من زيادة الضغوط عليها. ودمج السجلات التجارية قد يكون إجراءً تنظيميًا مفيدًا من حيث ترتيب الوضع الإداري للشركات وتوحيد بعض البيانات والأنشطة، لكنه في النهاية لا يعالج جوهر المشكلة الاقتصادية؛ فهو لن يوفر السيولة للشركة المتعثرة، ولن يسدد ديونها، ولن يعيد نشاطها التجاري، ولن يزيد الطلب على منتجاتها وخدماتها، ولن يعالج ارتفاع تكاليف التشغيل. ولذلك، فإن ربط معالجة التعثر الاقتصادي بعملية دمج السجلات التجارية قد لا يؤدي إلى النتائج التي يتطلع إليها الجميع. المشكلة تحتاج إلى حلول أكثر شمولًا، تبدأ من دراسة أسباب تعثر الشركات، والوقوف على العقبات التي تواجهها، ثم وضع برامج عملية تساعد المؤسسات القابلة للتعافي على العودة إلى النشاط. وقد يكون من المناسب في هذا السياق التوسع في برامج إعادة الهيكلة، وتسهيل الحصول على التمويل، ومراجعة بعض الرسوم والتكاليف، وتقديم حوافز للمؤسسات التي تحافظ على استمراريتها وفرص العمل التي توفرها. كما أن الاستماع إلى القطاع الخاص وأصحاب الشركات قبل تطبيق أي إجراءات جديدة يمثل أهمية كبيرة؛ لأن أصحاب الأعمال هم الأكثر معرفة بالتحديات التي يواجهونها في السوق. والحوار بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص يمكن أن يسهم في الوصول إلى حلول تحقق التوازن بين متطلبات التنظيم ومصلحة الشركات والاقتصاد الوطني. ولا يعني ذلك رفض دمج السجلات التجارية أو الاعتراض على تطوير الأنظمة، وإنما يعني أن التوقيت وآلية التطبيق عنصران أساسيان في نجاح أي إصلاح. فقد يكون الإجراء مناسبًا من الناحية التنظيمية، لكنه يحتاج إلى توقيت أكثر ملاءمة أو إلى فترة انتقالية تراعي أوضاع الشركات، خصوصًا الشركات التي تمر بظروف مالية صعبة؛ فالاقتصاد لا يقوم على الأنظمة وحدها، وإنما يقوم أيضًا على شركات قادرة على الإنتاج والاستثمار والتوظيف والاستمرار. وكل شركة تتجاوز التعثر وتعود إلى النشاط تمثل إضافة للاقتصاد، بينما خروج الشركات من السوق يؤدي إلى خسارة استثمارات وفرص عمل وخبرات تراكمية. ومن المهم كذلك التفريق بين الشركات التي تمارس نشاطًا فعليًا وتواجه ظروفًا اقتصادية مؤقتة، وبين الشركات غير النشطة أو التي لا تمارس أعمالًا حقيقية؛ فالمعالجة التنظيمية يمكن أن تتعامل مع الحالات المختلفة بآليات متعددة، بدلًا من تطبيق حل واحد على جميع الشركات دون مراعاة اختلاف أوضاعها. إن المرحلة الحالية تتطلب أن تكون الأولوية لتعزيز قدرة القطاع الخاص على التعافي والنمو، لأن الشركات القوية تعني اقتصادًا أكثر قوة واستقرارًا. ولذلك، فإن أي إصلاح تنظيمي يجب أن يكون جزءًا من منظومة اقتصادية متكاملة، وليس إجراءً منفصلًا عن واقع السوق. وفي النهاية، فإنَّ دمج السجلات التجارية قد يكون خطوة تنظيمية مهمة، لكنه ليس علاجًا للتعثر الاقتصادي. والحل الحقيقي يكمن في معالجة أسباب التعثر، وتخفيف الضغوط عن الشركات، وتحفيز الاستثمار، وتحسين بيئة الأعمال، ومساعدة المؤسسات القابلة للاستمرار على تجاوز الظروف الصعبة. إن دعم الشركات في هذه المرحلة لا يعني تعطيل الإصلاح، بل يعني ضمان نجاحه؛ فحين تتعافى الشركات ويستقر السوق وتتحسن قدرتها على ممارسة أعمالها، تصبح الإصلاحات التنظيمية أكثر سهولة وفاعلية، وتتحول من عبء محتمل إلى فرصة حقيقية لتطوير بيئة الأعمال؛ فالاقتصاد يحتاج إلى التنظيم، لكنه قبل ذلك يحتاج إلى شركات قادرة على البقاء والنمو؛ ودمج السجلات التجارية قد ينظم الواقع التجاري، لكنه لن يعالج وحده التعثر الاقتصادي.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.