رزقك لن يأخذه غيرك: فلماذا نحسد الآخرين؟

رزقك لن يأخذه غيرك: فلماذا نحسد الآخرين؟
View on original source
Category: Entertainment
Share
Archive
Like
الرئيسية / المجتمع / تفاصيل الخبر المجتمع تبدأ معالجة الحسد بمراجعة الأفكار التي تربط نجاح الآخرين بالفشل الشخصي، ثم ممارسة الامتنان وترك المقارنات غير العادلة والانشغال بتطوير الذات. رزقك لن يأخذه غيرك: فلماذا نحسد الآخرين أثير - أحمد بن عبدالله الشبيبي تشغل المقارنة بالآخرين مساحة واسعة من حياة كثير من الناس، فهذا ينظر إلى مال غيره، وذاك يقارن منزله بمنزل صديقه، وآخر يراقب المناصب والنجاحات والمشروعات، حتى تحولت حياة بعضنا إلى سباق لا ينتهي. ومع اتساع حضور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الإنسان يرى يوميًا صورًا منتقاة من حياة الآخرين، فيقارنها بتفاصيل حياته كاملة، ثم يتساءل: لماذا يملكون ما لا أملك؟ ولماذا نجحوا قبلي؟ ومن هنا قد تبدأ مشاعر الحسد والحقد والبغضاء، لا لأن الإنسان لا يملك شيئًا، ولكن لأنه توقف عن رؤية ما يملكه، وأصبح مشغولًا بما عند الآخرين. وعندما نتأمل قول الله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ندرك أن الأرزاق موزعة بحكمة، وأن الناس متفاوتون في المال والصحة والقدرات والفرص. وليس هذا التفاوت دعوة إلى الكسل أو الاستسلام، وإنما هو دعوة إلى الطمأنينة، والعمل بما أُتيح للإنسان، دون أن يستهلك نفسه في مقارنة نصيبه بأنصبة الآخرين. إن نعمة غيرك لا تعني نقصان رزقك، ونجاحه لا يغلق أبواب النجاح أمامك، وتأخر بعض أمنياتك لا يعني أنك منسي أو محروم. لكل إنسان طريقه وظروفه وتوقيته، وما يناسب مرحلته من الحياة. ويساعدنا العلاج المعرفي السلوكي على فهم الحسد من خلال العلاقة بين الأفكار والمشاعر والسلوك. فالإنسان لا يتأثر بالموقف وحده، وإنما يتأثر بالطريقة التي يفسر بها ذلك الموقف. فإذا شاهد نجاح شخص آخر وقال لنفسه: «نجاحه دليل على فشلي» أو «لقد حصل على ما أستحقه أنا»، فمن الطبيعي أن يشعر بالنقص والغضب والحسد. أما إذا أعاد صياغة فكرته فقال: «نجاحه لا ينتقص من قيمتي» أو «لكل إنسان فرصته ومساره» أو «يمكنني أن أتعلم من تجربته وأعمل على تطوير نفسي»، فإن مشاعره وسلوكه سيتغيران. فالحدث واحد، ولكن الفكرة التي أعقبته هي التي صنعت الفرق. ومن الأخطاء المعرفية التي تغذي الحسد أن يقارن الإنسان أصعب لحظاته بأجمل ما يعرضه الآخرون، وأن يقلل من قيمة ما لديه، ويضخم قيمة ما ينقصه. وقد ينشغل بنعمة واحدة مفقودة، وينسى عشرات النعم الحاضرة في صحته وأسرته وعمله وعلاقاته وقدراته. وهنا تأتي أهمية الامتنان، فالامتنان ليس مجرد كلمات يرددها الإنسان، وإنما طريقة واعية في النظر إلى الحياة. وهو أن يستشعر الإنسان ما لديه، ويعترف بقيمته، ويشكر الله عليه، بدلًا من التعامل معه وكأنه أمر مضمون لا يستحق الانتباه. ولا يعني الرضا أن يتوقف الإنسان عن الطموح أو السعي، كما لا يعني أن ينكر احتياجاته أو يتجاهل الصعوبات التي يمر بها. بل يعني أن ينطلق في سعيه من تقدير ذاته وإمكاناته، لا من كراهية الآخرين أو التذمر من نجاحهم. فالإنسان يستطيع أن يكون راضيًا بما لديه وطموحًا إلى ما هو أفضل في الوقت نفسه. والفرق كبير بين شخص يسعى لأنه يريد تطوير نفسه، وشخص يسعى فقط ليثبت أنه أفضل من غيره. الأول تتحرك حياته بالهدف والأمل، أما الثاني فتقوده المقارنة والقلق، وقد يحقق الكثير دون أن يشعر بالاكتفاء، لأنه كلما وصل إلى مستوى وجد من يملك أكثر منه. لذلك يحتاج الإنسان إلى أن يعود إلى نفسه ويسأل: ماذا أملك؟ ما النعم التي اعتدت وجودها حتى نسيت قيمتها؟ ماذا قدمت؟ وما الخطوة التي أستطيع القيام بها اليوم لتحسين حياتي؟ هذه الأسئلة تنقل التفكير من مراقبة الناس إلى بناء الذات، ومن الشعور بالعجز إلى تحمل المسؤولية. كما ينبغي أن نتذكر قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فالأصل في علاقتنا أن نتعاون ونتراحم، وأن نفرح لنجاح بعضنا، لا أن نحول اختلاف الأرزاق إلى خصومة وعداوة. وما عند الآخرين من خير يمكن أن يكون مصدر إلهام لنا، لا سببًا للاحتراق الداخلي. فالمال والعقار والتجارة والمناصب كلها أمور معرضة للتغير والزوال، كما قال سبحانه: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، وما يبقى حقًا هو أثر الإنسان وعمله الصالح، وما يزرعه من محبة وخير في حياة الآخرين. إن علاج الحسد يبدأ من الداخل: من مراجعة أفكارنا، والتوقف عن المقارنات غير العادلة، والانشغال بتطوير ذواتنا، وممارسة الامتنان، والاطمئنان إلى قسمة الله. فلننظر إلى ما في أيدينا بعين الشكر، وإلى ما نطمح إليه بعين السعي، وإلى ما عند الآخرين بقلب سليم، فالراضي يسعى دون أن يحقد، والطموح الحقيقي ينافس نفسه قبل أن ينافس الناس.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.