حين يصبح المواطن شريكًا

حين يصبح المواطن شريكًا
View on original source
Category: Politics
Share
Archive
Like
في مقال السابق، وقفت عند حقيقة أساسية: أن صناعة الدولة تبدأ من بناء الإنسان، وأن المواطنة ليست مادة تُحفظ في المدارس، بل هي مسار متكامل يبدأ من الطفولة وينضج عبر التربية والتعليم والمشاركة. لكننا أشرنا أيضاً إلى أن كل هذا الجهد التربوي يظل ناقصاً إن لم يجد بيئة حاضنة تستقبله. هنا تبدأ هذه المرحلة الأصعب... فالمواطنة التي تُزرع في المدرسة تحتاج إلى مجتمع يستقبلها، ومؤسسات تمنحها مجالًا للحركة، وقانون يحميها، وثقافة اجتماعية تعترف بها. يمكن أن نعلّم الطالب معنى المشاركة طوال سنوات المدرسة، ثم نتركه بعدها يبحث عن مكان لصوته. ويمكن أن نعلمه احترام الاختلاف، ثم نضعه في بيئة اجتماعية تقيس الإنسان بأصله وموقعه وعلاقاته. ويمكن أن نحدثه عن المسؤولية العامة، ثم نترك المجال العام بلا أدوات حقيقية تمنحه فرصة ممارسة تلك المسؤولية. هنا يحدث الانفصال بين التربية على المواطنة وممارسة المواطنة. والدولة الذكية هي التي تعرف أن المواطن الذي تصنعه المدرسة يحتاج إلى دولة تتسع له. لسنوات طويلة، جرى التعامل مع المواطن باعتباره متلقيًا للخدمة العامة: يتلقى التعليم، والصحة، والبنية التحتية، والخدمات، ثم ينتظر ما تقدمه له مؤسسات الدولة. المواطنة الحديثة تذهب إلى مكان أبعد. المواطن شريك في إنتاج القيمة العامة؛ يساهم في تحديد الأولويات، ويقترح الحلول، ويراقب الأداء، ويحافظ على الموارد، ويشارك في العمل التطوعي، ويؤسس المبادرات، ويبتكر في الاقتصاد، ويصنع المعرفة، ويشارك في الحياة الثقافية. وهذا التحول يغير تعريف الدولة نفسها. الدولة تصبح منصة لتنظيم الطاقات الاجتماعية، والمواطن يصبح أحد مصادر قوتها. كلما زادت قدرة المجتمع على إنتاج الحلول، انخفض العبء عن مؤسسات الدولة، وارتفعت قدرتها على توجيه مواردها إلى القضايا الكبرى. وهنا تصبح المواطنة رأس مال وطنيًا. اذن الثقة هي العملة الخفية للدولة. وراء كل دولة قوية علاقة عميقة بين المواطن والمؤسسة اسمها: الثقة. الثقة تجعل المواطن يدفع الضريبة وهو يشعر أن المال العام يعود إلى المجتمع. تجعله يحترم القانون لأنه يراه قاعدة مشتركة. تجعله يقدم مبادرة لأنه يعرف أن المؤسسة ستسمعها. وتجعله يعمل من أجل وطنه لأنه يشعر أن جهده يجد مكانه في الصورة الكبرى. ولا تولد الثقة بالخطب المبرمجة ولا بالوعود المؤجلة، بل هي عملة خفية تُبنى عبر تراكم تفاصيل يومية واضحة وملموسة تلامس حياة المواطن مباشرة؛ كأن يصدر قرار عادل يضمن تكافؤ الفرص بين أبناء الوطن بلا محاباة، أو يُنفذ إجراء إداري شفاف وواضح يزيل الغموض ويعزز كفاءة الإنجاز. كما تتجسد حين يخرج مسؤول يستمع للميدان عن قرب ويلامس هموم الناس، وتقف مؤسسة تشرح قراراتها للرأي العام بمسؤولية واحترام لعقولهم، وحين يرى المواطن بعينه قانوناً يطبق على الجميع دون استثناء أو حصانة. هذه الممارسات المتلاحقة تصنع في النهاية شيئًا أكبر من مجرد ثقة عابرة بالمؤسسة: تصنع ثقة الإنسان الراسخة بالدولة نفسها. ولهذا فإن مشروع المواطنة لا ينتهي عند تطوير المناهج. المناهج تزرع القيمة، والمؤسسات تختبرها. وهذا يضعنا وجهاً لوجه أمام واقعنا الاجتماعي؛ فالمجتمع الأردني يحمل تاريخًا عميقًا من الروابط العائلية والعشائرية والمناطقية. هذه الروابط شكلت جزءًا مهمًا من النسيج الاجتماعي، ومنحت الإنسان شبكة من التضامن والانتماء والحماية. المشكلة تبدأ عندما تتحول الدائرة الاجتماعية الأصغر إلى المرجعية الوحيدة التي تحدد علاقة الفرد بالمجتمع والدولة. المواطنة تقدم دائرة أوسع. هي لا تقتلع الإنسان من جذوره؛ بل تمنحه وطنًا يستطيع أن يحمل كل جذوره داخله. يمكن للإنسان أن يكون ابن عائلته، وابن عشيرته، وابن مدينته، وابن ثقافته، وفي الوقت نفسه مواطنًا كاملًا داخل دولة تجمع الجميع. وهنا تصبح الهوية الوطنية مظلة جامعة بدل أن تكون هوية تنافس الهويات الأخرى. هذا هو التحول الذي تحتاجه الدولة الحديثة: أن تنتقل من تعدد الانتماءات إلى تكاملها داخل عقد وطني واحد. وحين تتكامل دوائر الانتماء، وتتحول الهوية الوطنية إلى مظلة جامعة تحتضن العائلة والعشيرة والمدينة دون إقصاء، ينتقل المجتمع من مرحلة التنافس بين الهويات الضيقة إلى رحاب الدولة الحديثة التي تجمع الجميع في عقد وطني واحد. من هنا، لا تعود التربية على المواطنة مجرد أفكار مجردة، بل تتجسد حقيقة واقعة تبدأ من المكان الذي يعيش فيه الطفل أيامه الأولى، لتصبح المدرسة بوصفها أول مدينة تحتضن هذا التحول. ولا يمكن للمدرسة أن تؤدي دورها كمجتمع سياسي مصغر بالاكتفاء بالشعارات، بل بالتحول الحيوي إلى مختبر مواطنة حقيقي يختبر فيه الطفل معنى الحياة العامة عبر أدوات عملية وملموسة. يتحقق ذلك حين نرى فيها مجلسًا طلابيًا منتخبًا بفاعلية حقيقية يتدرب من خلاله الصغار على صناديق الاقتراع والتعبير عن الصوت، ومشروعات خدمة مجتمعية تمتد بسواعدهم داخل أسوار المدرسة وخارجها نحو المحيط المحلي. كما يمكن أن يُمنح الطلبة ميزانية طلابية صغيرة يتعلمون كيفية إدارتها وتوجيهها نحو أولوياتهم بحكمة ومسؤولية، إلى جانب إطلاق مبادرات بيئية ومناظرات طلابية دورية تصقل لغة الحوار وتعمّق قبول الرأي الآخر. وتكتمل التجربة بمحاكاة حية للمجلس البلدي والبرلمان، فضلاً عن مشروعات مشتركة تربط بين مدارس المناطق المختلفة لكسر العزل الجغرافي والثقافي. وفي خضم كل ذلك، يتحول المعلم من ناقل للمعلومة إلى ميسر للتجربة، ليغادر الطفل مقعد الدراسة وهو يحمل وعياً راسخاً بأن الدولة ليست شيئًا خارجيًا، بل هي امتداد حقيقي لكل ما مارسه وتعلمه، ويصبح مفهوم الدولة شيئًا محسوسًا في حياته. ثم تأتي الجامعة لتنقل الطالب من ممارسة المواطنة إلى إنتاجها. الجامعة تستطيع أن تصبح مختبرًا وطنيًا للأفكار والمبادرات من خلال ربط التخصصات الأكاديمية بمشكلات المجتمع الحقيقية. ولا يقف دور الجامعة عند حدود الأفكار النظرية، بل ينعكس في اشتباك حي ومباشر مع مشكلات المجتمع الحقيقية؛ فتخرج المعرفة من أبراجها العاجية لتمسّ نبض الحياة اليومية. حينها تجد الهندسة تنزل إلى الميدان لمعالجة مشكلات البنية التحتية المحلية، والعمارة تعيد التفكير في المجال العام وتنظيمه ليكون أكثر إنسانية واقتراباً من حاجة الإنسان، بينما ينكبُّ الاقتصاد على دراسة فرص التنمية المحلية وتمكين الطاقات الشبابية. ولا يتخلف الطب عن النداء ليشارك بفعالية في برامج التوعية الصحية والوقائية، فيما ينهض القانون بتطوير وعي الناس ومعرفتهم العميقة بحقوقهم وواجباتهم الدستورية، وتتولى علوم الحاسوب تطريز المشهد بصناعة حلول رقمية ذكية تيسّر الخدمات العامة وترتقي بجودتها. عند هذا الحد، لا تعود الجامعة مجرد مكان لمنح الشهادات، بل تتحول إلى مختبر وطني متكامل لصناعة الدولة وتطوير مجتمعها. وبهذا الشكل، لا تعود الجامعة مجرد مكان لمنح الشهادات، بل تتحول إلى الرافعة الكبرى لمشروع وطني متكامل يمتد لجيل كامل؛ يبدأ في رياض الأطفال، وينضج في رحاب الجامعة، وينتقل بكامل وعيه إلى سوق العمل. وحين ندرك هذا الترابط، نيقن أن بناء الدولة الحديثة لا يتحقق بالشعارات البراقة ولا الأفكار العابرة، بل يتطلب هندسة عملية دقيقة تسير على خمسة مسارات متوازية لا غنى لأحدهما عن الآخر. يبدأ المسار الأول من حجر الأساس في التربية، حيث نعيد تصميم تعليم المواطنة لننقله من جدران الحفظ النظري والكتيبات الجامدة إلى رحاب الممارسة الفعلية في الصفوف والمختبرات الحياتية. لكن هذا الإنسان الذي نصنعه لا يمكن أن يُترك في فراغ، وهنا يأتي دور المسار المؤسسي الذي يفتح أمام الشباب مساحات حقيقية وفاعلة للمشاركة الحقيقية في البلديات، والجامعات، وصناعة القرار المحلي والمؤسسي. ولكي تلتئم هذه الأطراف، يتطلب الأمر مسارًا ثقافيًا جريئًا ينتج خطابًا وطنيًا حديثًا يدرك كيف يوازن بحكمة بين دفء الهوية المحلية وصلابة الهوية الوطنية، محولًا التنوع الاجتماعي من مصدر تجاذب إلى طاقة صهر وقوة جامعة. وحين يتحول الانتماء إلى سلوك، تبرز الحاجة إلى مسار اقتصادي يربط المواطنة بالعمل المتقن، والابتكار، والإنتاج، وتحمل المسؤولية تجاه المال العام والموارد. وأخيرًا، لضمان ألا تضيع هذه الجهود في المجهول، ينهض مسار القياس الوطني ليطلق مؤشرًا أردنيًا شفافًا ودوريًا للمواطنة، يقيس بدقة مستويات الثقة، والمشاركة، والعمل التطوعي، واحترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة. خمسة مسارات إن انطلقت معًا، تحول الدولة من فكرة ننتظر منها العطاء إلى مشروع وطني نشترك جميعًا في بنائه. ربما حان الوقت لأن نطرح السؤال الأكثر عمقًا: كيف نصنع البيئة التي تجعل المواطنة سلوكًا طبيعيًا؟ المواطن الصالح لا يولد من المواعظ، بل يولد من التربية، والقدوة، والعدالة، والمشاركة، والفرصة، والثقة. وعندما تتجمع هذه العناصر، يصبح الانتماء قوة منتجة. عندها يصبح الوطن أكبر من جغرافيا، ويصبح مشروعًا شخصيًا لكل مواطن. الدولة لا تُحافظ على مستقبلها بالمؤسسات وحدها؛ تحافظ عليه بالإنسان الذي يحمل المؤسسات في وعيه وسلوكه. ولهذا يبدأ المقال القادم من سؤال أكثر خطورة: ماذا يحدث لدولة ما حين يكبر جيل كامل وهو يحمل الجنسية، بينما يبحث طوال حياته عن معنى المواطنة؟

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.