من ذاكرة الدولة إلى اختبار الحاضر.. هل نحمي تقاليد البرلمان؟

من ذاكرة الدولة إلى اختبار الحاضر.. هل نحمي تقاليد البرلمان؟
View on original source
Category: Politics
Share
Archive
Like
جهاد المنسي اضافة اعلان عمان - يكفي أن يقال "تحت القبة" حتى تختصر العبارة مؤسسة كاملة في كلمتين؛ إذ لا أحد يسأل أي قبة نقصد؛ فقد أصبح المبنى عنواناً لمجلسي النواب والأعيان، وأصبح المجلس نفسه واحداً من أكثر الأمكنة التصاقاً بصورة الدولة في الوعي العام.لكن القبة ليست مجرد سقف فوق قاعة، ولا خلفية للصور الرسمية، إنها ذاكرة سياسية تراكمت فوقها عقود من التشريع والرقابة والمساءلة، وتبدلت تحتها الحكومات والمجالس والوجوه والمواقف، فيما بقي المكان شاهداً على حقيقة بسيطة: الأشخاص يغادرون والمؤسسات تبقى.ولهذا، فإن الحديث عن "تقاليد القبة" لا يعني الحنين إلى الماضي، ولا تحويل البرلمان إلى مؤسسة جامدة، فالتقاليد التي تستحق الحماية، هي تلك التي راكمت للمجلس هيبته، ونظمت الاختلاف داخله، وأبقت الخصومة السياسية تحت سقف المؤسسة لا خارجها.أما تحويل القبة إلى مساحة للضجيج والمشادات والاستعراض، تحت عنوان الجرأة أو التجديد، فليس تحديثاً للحياة النيابية، بل استنزافا لهيبة مؤسسة يفترض بأن تكون أحد عناوين الدولة.وللبرلمان الأردني، ذاكرة أقدم من مبناه الحالي؛ فمبنى مجلس الأمة القديم في جبل عمّان، ارتبط بمرحلة تأسيسية من تاريخ الدولة، واحتضن الحياة البرلمانية في سنواتها المبكرة، وشهد إعلان استقلال المملكة في 25 أيار (مايو) 1946، قبل أن يتحول لاحقاً إلى متحف للحياة البرلمانية.وعندما انتقلت المؤسسة إلى مبناها الحالي في العبدلي عام 1980، لم تكن تنتقل من عنوان إلى آخر فقط؛ كانت تضيف طبقة جديدة إلى الذاكرة السياسية الأردنية.المبنى نفسه، يحمل دلالات تتجاوز وظيفته، فقبة البرلمان، بما تحمله من إشارات معمارية إلى التراث العربي والإسلامي، تستحضر في الذاكرة الأردنية القدس وقبة الصخرة، وما تمثله المقدسات من مكانة، في ظل الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس.وهنا تتجاوز العمارة وظيفتها؛ فالدولة لا تبني المؤسسات بالنصوص وحدها؛ تبني أيضاً صورتها ورموزها والأماكن التي تمارس فيها السلطة، والقبة، بهذا المعنى، ليست تفصيلاً جمالياً، بل هوية معمارية لمؤسسة سياسية.ولعل أجمل ما يشرح معنى "تقاليد المكان"، حكاية سمعتها من أحد رؤساء مجلس الأعيان؛ سألته ذات يوم عن سبب عدم خروجه من الباب الواقع خلف رئيس الوزراء، وحرصه على إيصال رئيس الوزراء إلى ذلك الباب، ثم خروجه هو من باب آخر مقابل له.كانت إجابته بسيطة، لكنها تختصر فلسفة كاملة في إدارة الدولة: قال إن الباب خلف الرئيس مخصص للحكومة ورئيسها، وذاك جزء من أبجديات "تقاليد القلة"، لذا يجب التعامل معها والحفاظ عليها.قد يبدو الأمر تفصيلاً صغيراً لا يستحق التوقف عنده، لكنه في الحقيقة يقول شيئاً أكبر بكثير: المؤسسات لا تُدار بالقوانين وحدها، وإنما أيضاً بأعراف وتقاليد تراكمت عبر الزمن، وأصبحت جزءاً من احترام الدولة لنفسها.هذه التفاصيل قد لا تجد مكاناً في النصوص الدستورية، لكنها تجد مكاناً في الثقافة السياسية، وهذا تحديداً ما يجعل الحديث عن تقاليد البرلمان مهماً.فالقبة لا تصنع برلماناً جيداً بمجرد شكلها، كما أن البرلمان لا يحترم القبة بمجرد المحافظة على مقاعدها وممراتها، فالقيمة الحقيقية للمكان تظهر في السلوك الذي يجري تحته.وفي السنوات الأخيرة، أصبح حضور وسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من المشهد النيابي، وهذا في ذاته ليس مشكلة؛ فالبرلمان الحديث لا يمكن أن يعيش بعيداً عن الإعلام، والنائب يحتاج إلى التواصل مع ناخبيه.المشكلة تبدأ عندما تنقلب المعادلة، وعندما يصبح السؤال مصمماً للكاميرا قبل أن يكون موجهاً للحكومة؛ وعندما تصبح المشادة أهم من مضمون الجلسة، وعندما تتحول المقاطعة من أداة رقابية إلى وسيلة لصناعة مقطع قصير، وعندما يصبح (الترند) معياراً للحضور السياسي؛ هنا لا يكون البرلمان قد دخل عصر الإعلام؛ بل يكون الإعلام قد بدأ يعيد تشكيل البرلمان، وهذا فارق جوهري؛ فالكاميرا يجب أن تنقل السياسة، لا أن تضع أجندتها.والدفاع عن تقاليد البرلمان، لا يعني الدفاع عن كل ما هو قديم، فالمؤسسة النيابية تحتاج إلى التطوير، وأدوات الرقابة تحتاج إلى التحديث، والعمل الحزبي يحتاج إلى مساحة أوسع، والبرلمان مطالب بأن يكون أكثر اتصالاً بالمجتمع، وأكثر قدرة على التعامل مع ملفات الاقتصاد والخدمات والاستثمار والعمل والتعليم والصحة؛ لكن التطوير لا يعني نسف التراكم؛ فالتقاليد البرلمانية ليست ديكوراً؛ إنها حصيلة خبرة في إدارة الاختلاف؛ أن يستمع النائب إلى زميله حتى عندما يختلف معه، أن يطلب الكلمة وينتظر دوره، أن ينتقد الوزير من دون تحويل الخلاف إلى إهانة شخصية، أن تعارض الحكومة من دون أن تجعل المعارضة خصومة مع الدولة، وأن يحفظ رئيس المجلس حق الأغلبية من دون أن تتحول الأغلبية إلى ذريعة لإلغاء الأقلية.هذه ليست شكليات، هذه هي قواعد اللعبة الديمقراطية، ومن أخطر التحولات أن يتحول بعض الأداء النيابي إلى منافسة على الظهور. فالنائب الذي يمتلك ملفاً قوياً لا يحتاج إلى رفع صوته لإثبات قوته، فالسؤال المدروس أقوى من الصراخ، والوثيقة أقوى من الاتهام، والرقم أقوى من الانفعال، والبديل السياسي أقوى من المشادة.القوة النيابية لا تقاس بعدد مرات المقاطعة، ولا بحجم الضجيج الذي تتركه الجلسة، وإنما بما يستطيع النائب أن ينتزعه من إجابات، وما يغيره من سياسات، وما يمنعه من قرارات خاطئة، وما يضيفه إلى التشريع.في النهاية، المواطن لا يدفع ثمن ارتفاع الصوت أو انخفاضه؛ يدفع ثمن القانون الذي يصدر، والحكومة أيضاً ليست خارج المعادلة. فوجود الوزراء تحت القبة ليس إجراءً بروتوكولياً؛ إنه جوهر المساءلة البرلمانية.الوزير يأتي ليجيب، والنائب يسأل، الحكومة تدافع عن سياستها، والنواب يراقبون ويشرعون ويحاسبون، هذه العلاقة هي التي تمنح القبة معناها الدستوري.كما أن الحكومة التي تضيق بالنقد تسيء إلى فكرة المساءلة، لذا فإن النائب الذي يحول المساءلة إلى خصومة شخصية يسيء إلى الوظيفة نفسها.وربما لا توجد صورة أكثر اختصاراً لمعنى النيابة من المقعد نفسه، فالنائب يجلس عليه، لكنه لا يملكه، سيجلس عليه شخص آخر بعد انتهاء الدورة أو الولاية، وستبقى المؤسسة، هذه الحقيقة يجب أن تكون حاضرة في ذهن كل من يدخل القبة، فالنيابة ليست ملكية سياسية، والموقع العام ليس امتيازاً شخصياً، والسلطة ليست غنيمة، هي تكليف مؤقت باسم ناخبين يفترض أن تعود إليهم نتائج العمل.لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث، هو أن يتصرف النائب وكأنه أكبر من المؤسسة التي يمثلها، لا أحد أكبر من القبة، ولا أحد أكبر من الدستور، ولا أحد أكبر من الدولة، المفارقة أن القبة تعني أكثر للذين لا يدخلونها، العامل الذي ينتظر قانوناً يحمي حقه، والطالب الذي يبحث عن فرصة، والمزارع الذي يريد سوقاً عادلة، والمتقاعد الذي ينتظر إنصافاً، والأسرة التي تواجه ارتفاع الأسعار؛ هؤلاء جميعاً حاضرون في القاعة بطريقة غير مرئية.فالقرارات التي تخرج من تحت القبة لا تبقى تحتها، تذهب إلى البيوت والمصانع والمزارع والأسواق.ولهذا فإن العبث بالمؤسسة ليس عبثاً بمشهد تلفزيوني؛ لأن أثر السياسة البرلمانية يتجاوز الجلسة إلى حياة الناس.نحن لا نحتاج برلماناً صامتاً، لكننا لا نحتاج أيضاً برلماناً صاخباً لمجرد الصخب، ما نحتاجه هو برلمان قادر على إدارة الاختلاف؛ يعرف متى يصطدم بالحكومة سياسياً، ومتى يبحث معها عن حل. يستطيع أن يقول (لا) من دون أن يحول الرفض إلى فوضى، وأن يقول (نعم) من دون أن تتحول الموافقة إلى تبعية.فالديمقراطية ليست إلغاء الخصومة السياسية، وإنما ترويض الخصومة داخل المؤسسة، وهذه واحدة من أهم وظائف القبة.بعد أكثر من أربعة عقود، أصبحت القبة جزءاً من التاريخ السياسي الأردني، تغيرت الحكومات، تغيرت المجالس، صعدت أسماء وغابت أخرى، تبدلت التحالفات، وتطورت الحياة الحزبية، لكن المبنى بقي.وهنا تتحدث العمارة بلغة السياسة مرة أخرى: الأشخاص مؤقتون، والمؤسسات باقية، والذي يدخل البرلمان عليه أن يسأل نفسه قبل أن يرفع صوته أو يوجه اتهامه أو يبحث عن الكاميرا: هل سيبقى هذا الموقف محترماً بعد أن يغادر القاعة؟ذلك هو الاختبار الحقيقي، فالقبة لا تحتاج إلى من يقدسها، بل إلى من يحترم معناها، ولا تحتاج إلى نواب يخافون من التغيير، بل إلى نواب يميزون بين تطوير المؤسسة وتفريغها من هيبتها.يمكن تغيير القوانين والأنظمة والأدوات، ويمكن تحديث العمل النيابي، وتقوية المعارضة، وتعزيز المساءلة، وتوسيع الحضور الحزبي.لكن هناك شيئاً يجب ألا يتحول إلى ضحية لهذا التطوير: احترام المؤسسة، فحين نقول (تحت القبة) فإننا لا نشير إلى مبنى فقط، نشير إلى المكان الذي تلتقي فيه الدولة بالمجتمع، والسلطة بالرقابة، والاختلاف بالقرار.ولهذا فإن السؤال في النهاية ليس كيف تبدو القبة من الخارج، السؤال هو: هل يليق ما يجري تحتها بتاريخها؟ فالقبة شهدت كثيرين، وسيأتي بعدها كثيرون.أما هي، فستبقى شاهدة على الجميع.، وهنا بالضبط تصبح العمارة سياسة، ويصبح الحفاظ على تقاليد القبة دفاعاً عن فكرة أكبر من الحجر: أن تبقى الدولة أكبر من الأشخاص، وأن يبقى البرلمان مؤسسة لا مسرحاً، وأن يبقى الاختلاف السياسي تحت السقف الذي يجمع الأردنيين قائما.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.