السيقان جذورنا المتحركة وسر ديمومة الحياة

السيقان جذورنا المتحركة وسر ديمومة الحياة
View on original source
Category: Health
Share
Archive
Like
للطبيعة لغة صامتة، لكنها شديدة البلاغة لمن يعرف كيف يصغي إليها. تأمل شجرة عتيقة تقف في وجه الريح منذ عشرات السنين؛ ما نراه منها هو الجذع والفروع والأوراق، لكن سر بقائها الحقيقي مختبئ تحت الأرض، في جذور لا نراها، تمتد عميقاً لتحفظ لها الثبات والحياة. أما الإنسان، فقد منحه الله جذوراً من نوعٍ آخر؛ لم يثبتها في الأرض، بل جعلها تتحرَّك فوقها. ساقان تمكنانه من النهوض متى شاء، وتلبية حاجاته، والبقاء مشاركاً في الحياة لا متفرجاً عليها. لهذا، كلما تقدَّم بنا العُمر، بدا السؤال عن صحة الساقين أكبر من مجرَّد سؤال عن العضلات والمفاصل. إنه سؤال عن الاستقلالية والحُرية، وعن عدد السنوات التي سنعيشها ونحن قادرون على أن نحمل أنفسنا بأنفسنا. السيقان قلب آخر يدعم القلب لا شك في أننا نهتم بالقلب الذي ينبض في صدورنا، ونخاف عليه، وهذا حق وأمر مسلَّم به. لكن في أسفل الجسد تعمل منظومة أخرى في صمت؛ فعندما نمشي، تنقبض عضلات الساقين، فتضغط على الأوردة وتساعد، مع صماماتها، على إعادة الدم إلى أعلى في مواجهة الجاذبية. لهذا يصف بعض الأطباء عضلات السمانة (بطة الرجل) مجازاً بأنها «القلب الطرفي الثاني». لكن فضل الساقين لا يتوقف عند الدورة الدموية. فالعضلات من أهم أعضاء الجسم في التعامل مع السكر والطاقة. وتشير الدراسات الفسيولوجية إلى أن العضلات قد تكون مسؤولة عن نحو 70 إلى 80 في المئة من التخلص من السكر الغلوكوز الذي يحفزه الأنسولين. وحين تتحرَّك العضلة، فإنها لا تحرِّك العظم فقط؛ إنها تشغل مصنعاً كاملاً للطاقة والتمثيل الغذائي. ويصل أثر الحركة إلى الدماغ أيضاً؛ فالنشاط البدني المنتظم يرتبط بصحة أفضل للذاكرة والمزاج والوظائف العقلية، ويؤثر في الدورة الدموية وعوامل النمو العصبي. وحتى الأمعاء تستفيد من الجسد الذي يتحرَّك أكثر مما تستفيد من الجسد الذي يقضي معظم يومه جالساً. للإنسان عُمران... فأيهما تعيش؟ نحن نملك في الحقيقة عُمرين: عُمراً زمنياً تُخبرنا به شهادة الميلاد، وعُمراً وظيفياً يُخبرنا به الجسد. هل تستطيع أن تنهض من كرسيك من دون مساعدة؟ أن تصعد بضع درجات؟ أن تمشي إلى المكان الذي تريده؟ أن تحمل حاجتك؟ أن تستعيد توازنك إذا تعثرت؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تُصبح، مع تقدُّم العُمر، أهم من أرقام كثيرة في التحاليل. فالطب يستطيع اليوم أن يرفع معدَّل السنوات إلى حياة البشر، لكن النجاح الحقيقي أن تبقى في هذه السنوات حياة طيبة، أن نظل قادرين على الحركة والاختيار والاستقلال. السكون مدخل الشيخوخة لا تصنع السنون وحدها الوهن وضعف الشيخوخة، فقد يضيف الخمول إلى السنوات ما لم تضفه السنوات إلى نفسها. وهذه ليست عبارة أدبية فقط، ففي دراسة شهيرة على أشخاص أصحاء بلغ متوسط أعمارهم نحو 67 عاماً، كانت عشرة أيام فقط من ملازمة السرير كافية لفقد قُرابة كيلو ونصف من الكتلة الخالية من الدهون (العضلات أساساً) مع انخفاض تصنيع البروتين العضلي بنحو 30 في المئة، وكان معظم الفقد في الأطراف السفلية. هذه عشرة أيام فقط. وهكذا تبدأ أحياناً أحجار الدومينو في السقوط: تقل الحركة فتضعف العضلات، وتضعف العضلات فيصعب الوقوف والمشي، ويضعف التوازن فيزداد الخوف من السقوط، فيتحرَّك الإنسان أقل، ثم تضيق دائرته شيئاً فشيئاً حتى لا يكون ما فقده عضلة فقط، بل جزءاً من استقلاليته. 10 آلاف خطوة قد تغيِّر ما تبقى من الطريق لهذا تستحق الخطوات اليومية أن ننظر إليها بطريقةٍ مختلفة. فقد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة أن المشي اليومي المنتظم يقلل إلى النصف تقريباً من خطر الوفاة وأمراض القلب والخرف والسكري والاكتئاب. وليس في الرقم 10 آلاف سحر خاص، فالرسالة الأهم أن الفائدة تبدأ قبل ذلك، وأن الإنسان لا يحتاج إلى أن يُصبح رياضياً محترفاً كي يستفيد. أحياناً تكون المسافة بين الخمول والصحة مجرَّد خطوات إضافية تتكرَّر كل يوم. المشي وحده لا يحميك نحن لا نحتاج فقط إلى ساقين تتحرَّكان، بل إلى عضلات تستطيع أن ترفعنا، وإلى توازن يحفظنا من السقوط. لهذا يُوصى طبياً بدمج النشاط الحركي المستمر مع تمارين تقوية العضلات (المقاومة) مرتين أسبوعياً على الأقل، مع اهتمام خاص بتمارين التوازن والقوة في الأعمار المتقدمة. وكما تحتاج العضلات إلى الحركة، فإنها تحتاج إلى ما تبني به نفسها. ما تأكله اليوم قد يحملك غداً مع تقدُّم العُمر يُصبح الجسم أقل كفاءة في الاستفادة من البروتين. لذا تبرز أهمية الغذاء المتوازن، والحصول على كمية كافية من البروتين الجيد يومياً لدعم الكتلة العضلية وفقاً للحالة الصحية والنشاط. لكن وراء كل هذه الأرقام حقيقة أبسط وأعمق: إننا لا نحافظ على عضلات الساقين لكي تبدو أقوى، بل لكي نحافظ على شيء أكبر بكثير: حُريتنا. السؤال الحقيقي ليس: كم ستعيش؟ الراحة الحقيقية ليست أن تجلس طوال اليوم. الراحة الحقيقية أن تظل قادراً على النهوض متى شئت. والسؤال الأهم: كم سنة سأعيش وأنا أتحرَّك على قدمي؟ أزور مَنْ أُحب، وأذهب حيث أُريد، من دون أن تُصبح خطواتي رهينة بمساعدة من أحد أو من خادم؟ لا نملك أن نُوقف عقارب العُمر، ولا أن نمنع كل ما تحمله السنوات إلى أجسادنا، لكننا نستطيع أن نستقبلها بجسدٍ أكثر استعداداً، أن نحافظ على عضلة ترفعنا، وعلى توازن يحمينا، وعلى قدمين لا تزالان تعرفان الطريق. ختاماً الأشجار تحتاج إلى جذور ثابتة كي تبقى. أما نحن، فقد منحنا الله جذوراً تتحرَّك. فلنحرِّكها ما استطعنا، فربما كانت الخطوة التي نحافظ عليها اليوم، هي الاستقلال الذي نحتاج إليه غداً عند الكِبر. * وزير الصحة الأسبق

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.