بعد أن سمّروني و ألقيت عينيّ نحو المدينةكدت لا أعرف السهل و السور و المقبرة"بدرشاكر السياب"1في مرافينا نوارسْتستريحُ من المسافةْتشربُ الأحزانَ صمتًا،وتعيدُ الماءَ خُطوَهْكلُّ شيءٍ كان يسألْ:هل تعودينَ إلينا؟هل يعودُ الصوتُ حيًّا،ويعودُ القلبُ رَهْفًا؟ها أنا أمشي وحيدًافوق ألحانِ العتابْلوّحتْ كفّي لظلٍّغاب في أقصى الضبابْغسلَ الموجُ جبيني،وغفا الحزنُ على نافذةْ(أهو هذا الذي يريدون ؟أشلاء و أنقاض منزلمهدود)12يا صباحًا يتفتّحْفوق جفنِ الكلماتْيا نداءً خفيًّا يسريمن عميقِ الوجعِجئتِ، والضوءُ الشفيفُشقَّ سترَ الظلماتْيبحثُ عن بقاياكِفي الليلِ الداجيحرّرتِ الجرحَ من صمتهِ،فأبى أن يرحلَفتعالي، قد تعبتُمن خرابٍ يتردّدْومن الصحوِ الذي يبنيسرابًا ثم يهويفتعالي نوقدِ الوردَالذي خبّأهُ سامْ*إنَّ صبحًا دون عينيكِيطولُ ولا يجيءْ(مُدنٌ بلا فجرٍ تنامْناديتُ باسمكَ في شوارعِها،فجاوبني الظلامْ) 53صرخَ البابُ: أهذاوقعُ خطوتِها البعيدةْ؟أين وجهٌ كان يأتي،فتلينُ لهُ العتبةْ؟كان خشبُ البابِ يصحو،ويعيدُ الظلَّ طفلًامرّتْ عليهِ نفحةٌ منهامن شبابيكِ التمنّيعاد عطرٌ ثم غابْ،وأنا أبحثُ في الصمتِعنِ الصوتِ القديمْ؛كان يهديني نداءًويمدُّ الليلَ نوءًا؛مرَّ في بغدادَ جديدٌفاستفاقَ الحجرُ مذعورًا،بدّلتْ أبوابُها أقفالَهاواختبأ المفتاحُ فيها،وحدّقتْ شُرَفُ البيوتِفي رمادٍ لا ينامْ،وانحنتْ في الظلِّ مئذنةٌكأنَّ الضوء ذنبْ؛يا بقايا بابِ عمريهل كفانا أن نكونَ شظايا؟(أو يفض الظلام ألا لكي تندّك جيكوربالسلاح الجديد)24في مرافينا تواريخٌتموتُ ولا تُشيَّعْومدينةٌ مدّتْ خناقًانافذةٌ نادتْ ظلالًا،فاستجابَ لها الغبارْحين ألقى الليلُ شهقتَهُ،أتتْ ريحُ الفراقْيا بعيدةْ،كيف أبصرتِ انكساري؟حين دارَ البحرُ في صدري،وفاضَ على الكلامْيا بقايا الوجدِ عودي،وامنحي قلبي هداهْتشكّلي غيمًا خفيفًا،واستردّي الوقتَ منّيثم غيبي عن عيوني،كي أعودَ إلى الندى(أسريت أطوي دربي النائيبين الندى و الزهر و الماءأبحث في الآفاق عن كوكب)35كنتِ نارًا،كنتِ سيفًا،كنتِ بابًا للوجودْكنتِ صوتَ العائدينَحين ضاقَ نشيجُ الطريقْفتّشتُ فيكِ عن دروبٍضاعَ أولُهاوعن الوردِ الذي أبقتْهُفي مرآتها الرؤىوعن البيتِ الذي نامتْعلى أعتابهِ خطواتُنانام ملحُ البيتِ وحدهْ،واستحالَ الخبزُ طيفًاجاء من بيتِ الجوارِدون كفٍّ أو سلامْأنكرتْ جرّتُنا الماءَ،وضاع مفتاحُ الذاكرةْوالوجوهُ رأتْ سواها،فرأتْ في المرآةِ قناعًاكلّما ناديتُ: لارا،انتبه في الليلِ جسرْوأضاءَ النهرُ قنديلًا،وأخفاهُ عنِ العابرينْلستُ أدري:أنتِ مَن غابتْ؟أمِ اختبأتْ مدينةٌفي سوادِ العينِ منكِ؟(و لست أسأل عابريها عن بعيد عن قريبمن منتهاها و اكتئابيو الحنين مع الغروب)46يومُ نورٍ قد تكسّرْفي دمي، فابتلَّ صوتيكتبتْكِ الروحُ ماءًفوق ألواحِ الحروفْكنَفَسٍيسري خفيًّا في المسافةْدخلتِ في ضوءِ الندى،فاهتزَّ غصنٌ كان صابرْواستفاقَ الظلُّ فيهِبعد أعوامِ الخريفْوكتبتُ الليلَ سرًّاينثرُ النوءَ الخفيَّفوق جفنِ المساءِ،فتستفيقُ بهِ النجومْوتسلّلَ الفجرُ نحوكِ،فاستحالَ الليلُ بدرًاوجهُكِ الموشومُ بالغسقِ،استفاقَ بهِ الشجنْفتفتّحتِ الملامحُعن سكونٍ من سحرْ(صيحاتك صوت نبيٍّ يبكي تحتالأسوار)67كانتِ السهولُ تخطُّللمسافرِ دربَهُوكان نهرُ الضوءِ يهديللطيورِ مسارَهاوالنخيلُ العتيقُ ينسجُمن ظلالِهِ الحكاياكلّما ألقى دجلةُللغروبِ مراياهُ،رأى لاراثم راحَ يشقُّ في الطينِدروبًا لضفّتيهِباحثًا عن ثوبِهافي نخلةٍ عبثتْ بها الريحُيا نسيمًا مرَّ هادئًاعلى طرفِ الندىيا ورودًا في شرايينيتدلُّ القلبَ دربَهْلو تعودينَ لأورقْفي خُطانا كلُّ دربْوردَّ النهرُ المعنى(غابتْ وعدتُ خاسرًا مهزومأُسائلُ الأطلالَ والرسوم)78يا شباكي، دمعةٌ تمشيعلى كتفِ السحابْخطوةٌ عادتْ بلا ظلٍّ،تجرُّ تعبَ السنينْتنثرُ الريحُ حزنَهافوق الترابِ الجافيأُصغي، وما حوليسوى صمتٍ وغبارْوالكتابةُ تستفيقُإذا مشتْ فوق الشجنْفتعيدُ الصوتَ حيًّابعد أن نامَ صداهْليس ليلٌ مثلَ ليلٍضلَّ فيهِ عاشقاهْليس بحرٌ مثلَ قلبٍضاعَ في الموجِ مرساهْعادَ مَن غابوا،فما عرفتْ خُطاهمُ العتبةْوقفوا عندَ البابِ،والجدرانُ عادتْ للصمتِمرَّ خبزُ الأمسِ بينهم،فاستنشقوهُ ولم يدروا(ما أوحشَ الليل إذا ما انطفأالمصباح)89يا مسافرةَ الندى،ما ظلَّ في الكفّينِ منكِ؟ماذا تبقّى في يديكِ؟ضوءٌ خبّأهُ الغيابْخدعتْ ريحٌ خُطايَ،ومحتْ وجهيَ القديمْيا نجومَ المدنِ القصوى،أضيئي للعائدينْربَّ نجمٍ ضلَّ فيها،وهدى مَن أضاعَ دربَهُفتعالي كي أرى وجهًايلمُّ البوحَ من جمرِ العناقْفالليالي تستريحُحين يرقُّ بها النسيمْحين ينسلُّ اقترابُكِفوق صدرٍ مستهامْيكتبُ الليلُ من النجوىضوءَكِ فوق الكلامْعلّني أدركُ معنًىيمشي خلفي كالسؤالْمرَّ بي حينًا وغابَ،ثم عادَ بلا ملامحْوالشوارعُ خبّأتْتحت الغبارِ أسماءَناوالنخيلُ يسائلُ الماءَ:مَن استبدلَ الوجوهَ؟مَن أضاعَ الاسمَ فيها،وسوّى الوجهَ بالقناعِ؟مَن تركَ ميزانَ بيتٍفي مهبِّ الريحِ ينكسرْ؟يا لارا، أين تركتِللمدينةِ ظلَّ عينيكِ؟وفي أيِّ المرايا خبّأتْكِيدُ الغيابِ عن عينيَّ؟كلّما ناداكِ دجلةُعاد مكسورَ النداءْباحثًا في الماءِعن وجهٍ توارىوعن اسمٍ لا يُقالْ(الصيفُ جاء وذهبْوأنتِ تضحكينلاهيةً، بالرمل تلعبينْحطّ على شُرفتك الغرابْوارتحل الأحباب)9الكوداسأجمعُ منكِ الظّلالَكي لا يبدّدَها الرحيلُوأوقدُ من جفونيقبسًا يمحو المسافةْبين نبضيوالنّدىأنا آخرُ ماءِ دجلةَحين ينسى النهرُ مجراهْيحملُ النخلَ المكسّرْفي مراياهُ ويمضيويمدُّ للضفافِ كفَّهُكي يستردَّ من الغيابِصوتَ لارا،ويعيدَ إلى البيوتِملحَها،ودفءَ خبزِ الجيرةْأنا آخرُ الماءِإن ضاعتْ ضفافُ الأرضِأحملُها بقلبي،ثم أمضي في ظلالِكِنحو أوّلِ قطرةٍفي الندى.هوامش1,2,3,4 بدر شاكر السياب5,6,7,8,9 عبد الوهاب البياتي* سام هو العم سام كناية عن الولايات المتحدة الأمريكية
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
(0)Comments