داود سلمان عجاج - حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان

داود سلمان عجاج - حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
View on original source
Category: Entertainment
Share
Archive
Like
ليس الموت وحده ما يوجعنا حين نفقد الذين أحببناهم؛ فالموت، على قسوته، لحظةٌ فاصلة، أما ما يأتي بعده فهو الامتحان الأكثر قسوة: أن تستمر الحياة وكأن شيئاً لم يحدث، وأن تبقى الطرق كما هي، والأمكنة في مواضعها، والوجوه تعبر أمامك، بينما يغيب وجه واحد كان جزءاً من تفاصيل أيامك.هنا تبدأ الحكاية الحقيقية للغياب.فالسنوات لا تمضي بنا وحدنا، وإنما تأخذ معها شيئاً من ملامح الأمكنة والأشخاص والذكريات، ثم تعيدها إلينا على هيئة ومضات مفاجئة. نظن أننا نسينا، فإذا بذكرى عابرة تهدم جدار النسيان، ويعود الغائب أكثر حضوراً من كثير ممن ما زالوا بيننا.ولعل هذا ما يجعل رثاء الأصدقاء مختلفاً؛ فنحن حين نرثي صديقاً لا نرثي شخصاً غاب فحسب، وإنما نرثي جزءاً من أعمارنا كان يمشي إلى جانبنا. نرثي طفولةً وشباباً، ومقاعد دراسة، وطرقات، ومواقف، وسفراً ولهواً وعودة، ونرثي زمناً كنا نعتقد أنه سيبقى مفتوحاً أمامنا إلى الأبد.ولعل "هنري برغسون" كان أكثر قرباً من هذه الحقيقة حين ربط الذاكرة بالزمن الحي، فالذاكرة عنده ليست مخزناً للماضي بقدر ما هي حضورٌ مستمر لما مضى في وعينا الراهن. ولهذا فإن بعض الراحلين لا يغادروننا حين يغادرون الحياة؛ إنهم ينتقلون من المكان إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الوجدان، ثم يعودون إلينا كلما استدعتهم لحظة أو كلمة أو وجه.ومن هنا يبدو محمد خضير عثمان أكثر من اسمٍ نستعيده في مناسبة رثاء؛ إنه زمنٌ كامل يعود إلينا كلما حاولنا أن نكتب عنه.في خضم الأيام أضعنا الطريق، وكنت أنت تشير لنا إلى الجهات حين تتشابه الطرق، وترشدنا حين تتكاثر الظنون. كنا نترنح بين الاحتمالات، فتوقظ فينا شيئاً من اليقين، ثم نمضي مطمئنين؛ نسافر، نلهو، نبتعد، ونعود محملين بما خبأناه في دواخلنا، فنجدك هناك، بذلك الهدوء الذي يشبه طمأنينة العارفين.كنت تستقبلنا بابتسامة لا تحتاج إلى شرح، وتقرأ في الوجوه ما نحاول نحن أن نخفيه. لم تكن تريد أن تفضح عيوبنا، ولا سذاجة بعض أفكارنا، ولا تلك اللغة التي فقدت شيئاً من رونقها؛ لذلك كنت تخفض وجهك صوب الأرض، وكأنك تمنحنا فرصة أخرى، ثم تقول ما يشبه الوصية:عليكم بالهدوء، فالموج سيحطم السفينة بعدما تمزق الشراع.لم نكن نعرف يومها أن بعض الكلمات لا نكتشف قيمتها إلا بعد أن يتحول قائلها إلى ذكرى.ليت الذكريات تدعنا وشأننا. وليتها، ولو مرة، تعيد عقارب الساعة إلى أيام الدراسة المتوسطة والإعدادية؛ إلى ذلك الزمن الذي كنا نظنه طويلاً، فنستعيد منه الدقائق التي أهدرناها دون أن نعرف أنها ستصبح ذات يوم أثمن ما نملك.كانت إنسانيتك، يا محمد، من ذلك النوع الذي لا يتكرر.كنت محمد خضير عثمان؛ لا تشبه ذاتاً أخرى، ولا تشبه إلا محمد الجغيفي الذي عرفناه، ذلك الإنسان الذي ترك في الذاكرة صورته الخاصة، وصوته، وهدوءه، ومواقفه التي لم تكن تحتاج إلى كثير من الكلام.يا ظاهر الصراخ، كم كان حضوره، على ما يوحي به الاسم، باعثاً على السلام. في حضرته كنا نستشعر معنى السكينة؛ في الوجود، وفي العلاقة مع الآخرين، وفي ذلك الحلم البعيد الذي كنا نسميه وطناً، ونبحث فيه عن العطاء والتضحية والأمان والهدوء.أما الآن، فنحن الذين بقينا نحاول سرقة البهجة من بين أصابع الأيام. نغوص أحياناً في العدم، ونبحث عن بر أمان في هذا الكون الممتد إلى ما لا نهاية، لعلنا نعثر على فقاعة صغيرة من فرح ضلت طريقها إلينا.وأنا أحاول أن أجمع شتات حروفي، لكنها تتقافز هاربة في حضرتك. ثمة شيء في طيفك يجعل الكلام أقل من الحزن، ويجعل الصمت أكثر قدرة على التعبير. أحاول أن أهرب من الأفكار، أن ألهو كالأطفال، أن أتصرف وكأن الذاكرة يمكن أن تمنحنا فرصة للنسيان، لكنني لا أستطيع.يفيض الحزن.وأذعن للضعف.وأترك للدمع أن يسيل على لحيتي التي غزاها الشيب، ثم أهرب إلى القلم والقرطاس، إلى المكان الوحيد الذي أستطيع فيه أن أستعيد ما حفرته الأيام في جدران القلب.أكتب عن حاضر ضبابي، عن طفولة بعيدة، عن شباب مضى مسرعاً، وعن كهولة وصلت قبل أن ننتبه. وأكتب عنك حين أصابتك الحياة، وأنت ترقد في مشفى الموصل العسكري، عن ذلك المشهد الذي بقي عالقاً في الذاكرة، كأن الزمن توقف عنده ولم يجد طريقاً إلى الأمام.إنه الاشتياق يا صديقي.ذلك الاشتياق الذي يجعل العقل يعرف الحقيقة، فيما يرفض القلب أن يصدقها.لا أصدق أنك رحلت.أحاول عبثاً أن أقنع نفسي بأن الغياب حقيقة مكتملة، لكن الذاكرة لا تعرف النهايات. يكفي أن يكتب أخونا جاسم منشوراً حتى يدخل بنا عنوة إلى ذلك العالم الخفي، إلى نقاط ضعفنا، إلى دهاليز الذاكرة المتهالكة، فيتوغل في أعماقنا، فتثور في الداخل براكين الدموع.ثم تتقدم الأسماء من بعيد:يا أحمد الباهي...يا خلف العطية...وكل اسم منها ليس مجرد اسم؛ إنه باب إلى زمن كامل. فكيف لنا أن نخفي تلك الأحزان، والملاعب تنطق، والمعارك تشهد، والمواقف تقف لتقول الحقيقة؟وكيف لمضيف عمامي العبيلة أن يبرأ من الحنين دون حضورك؟حتى الحنين حين يصمت، تعرفه الأمكنة. وتعرفه الوجوه.وتعرفه القلوب التي عاشت معك شيئاً من ذلك الزمن.قالوا لي:لا تعبث بعواطفنا؛ فهناك جنون ينتظر فك قيوده، جنون يريد أن ينطق، أن يحطم القوانين والجدران، أن ينبش الذكريات، وأن يفتح الأبواب التي حاولنا إغلاقها منذ زمن.فقلت لهم:وكيف لا أفعل؟أنا أراه واقفاً أمامي في ساحة التدريب، يحمل عصا التبختر في فوج 300 أسد، يزرع الأمان في المكان، ويمضي كما لو أن الغياب لم يُخلق بعد.لكن أصدقائي، يونس الرهايا ويونس خلف حسن، يقولون:أنت ما زلت تحاكي الأطياف والذكريات.الغياب يا صديقنا مؤكد.اكتب، اهذِ، اعبث، نادِه؛ فحتى الخيال لن يسعفك.وربما كانوا على حق.فالخيال يستطيع أن يعيد إلينا صورة الغائب، لكنه لا يستطيع أن يعيد خطاه. والذاكرة تستطيع أن تجعله يقف أمامنا لحظة، لكنها لا تستطيع أن تمنحه جسداً يعبر الطريق من جديد.ومع ذلك، ماذا يفعل الإنسان حين يعجز عن استعادة من أحب؟يكتب.فالكلمات ليست قادرة على هزيمة الموت، لكنها قادرة على تأجيل النسيان. نحن لا نكتب لأن الراحل يحتاج إلى كلماتنا، وإنما نكتب لأننا نحن الذين نحتاج إلى أن نقول: كنت هنا، وعشت بيننا، وتركت شيئاً منك في أرواحنا.وربما لهذا تعجز السنوات عن محو الغياب.فالسنوات تستطيع أن تغير ملامحنا، وأن تغزو الشعر بالشيب، وأن تبعدنا عن الأمكنة التي شهدت بداياتنا، لكنها لا تستطيع أن تمحو إنساناً ترك فينا أثراً لا يشبه سواه.محمد خضير عثمان لم يعد هنا؛ تلك هي الحقيقة التي يحاول العقل أن يقبلها، فيما تظل الذاكرة متمردة عليها.قد لا يعود واقفاً في ساحة التدريب، ولا يجلس بين الأصدقاء، ولا يستقبلنا بذلك الهدوء الذي كنا نعرفه، لكن صورته ما زالت قادرة على عبور السنين، والظهور كلما احتاج القلب إلى وجهٍ من زمن أكثر صفاءً.وهكذا يصبح الرثاء، في جوهره، مقاومةً للنسيان.لا نرثي الراحل كي نغلق سيرته، بل كي نترك له نافذة مفتوحة في ذاكرتنا.فالذين نحبهم لا يموتون دفعة واحدة؛ قد يغادرون المكان، لكنهم يبقون في تفاصيله، في أسماء الشوارع، في مقاعد الدراسة، في ساحات التدريب، في مضيفٍ ينتظر أصواتهم، وفي منشورٍ عابر يعيدنا فجأة إلى أعماق الذاكرة.وربما تكون تلك هي الحياة الأخرى التي تمنحها الذاكرة لمن نحب.هناك، لا يحتاج محمد خضير عثمان إلى جسدٍ كي يحضر، ولا إلى صوتٍ كي نتذكره.يكفي أن نكتب عنه.يكفي أن ننادي اسمه.يكفي أن تفتح الذاكرة باباً صغيراً فيعود إلينا كما كان؛ واقفاً، هادئاً، مبتسماً، كأن السنوات لم تمر، وكأن الموت لم يقل كلمته الأخيرة.وهناك، في ذلك المكان الذي لا تصل إليه السنوات، يبقى الغائب حاضراً...ويبقى الرثاء محاولةً أخيرة لأن نقول له:لم ننسك. ولن تستطيع الأيام أن تفعل. #داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ) ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي ، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع . اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.