«ليس هل سيأخذ المغرب مليلية بل متى ستغادر إسبانيا».. لماذا خرج هذا الكلام الآن والناظور يغيّر قواعد اللعبة؟

«ليس هل سيأخذ المغرب مليلية بل متى ستغادر إسبانيا».. لماذا خرج هذا الكلام الآن والناظور يغيّر قواعد اللعبة؟
View on original source
Category: Financial
Share
Archive
Like
أريفينو.نت/هيئة التحرير في الأول من شتنبر 2026، وبينما كانت مدريد بالكاد قد انتهت من الرد على تجدد المطالب المغربية بسبتة ومليلية، خرج الاقتصادي الإسباني المعروف سانتياغو نينيو بيسيرا باستنتاج أكثر جرأة مما تقوله الرباط نفسها علناً: السؤال، في رأيه، لم يعد هل سيدخل المغرب مليلية وسبتة، بل متى ستغادر إسبانيا المدينتين. بيسيرا، الأستاذ الفخري في الاقتصاد بجامعة رامون لول ببرشلونة، لم يكن يتحدث باسم الحكومة الإسبانية، ولا توجد مفاوضات معلنة حول نقل السيادة. لكنه كتب أن ميزان القوى الجيوسياسي في 2026 لم يعد يشبه ما كان عليه قبل أربعين سنة، وأن الدور الذي أصبح المغرب يلعبه داخل الاستراتيجية الأمريكية يجعل قدرة مدريد على تقرير مستقبل المدينتين بمفردها أقل مما كانت عليه سابقاً. المثير ليس التنبؤ وحده. المثير هو التوقيت. فخلال أقل من أسبوعين، انتقل ملف مليلية وسبتة من تصريح مغربي إلى رد إسباني رسمي، ثم إلى نقاش داخل الصحافة والنخب الإسبانية، قبل أن يصل رئيس الحكومة بيدرو سانشيز بنفسه إلى البرلمان ليعلن أن إسبانيا «لن تتخلى أبداً» عن سيادتها على المدينتين. وهنا تبدأ قصة تتجاوز تصريحات بيسيرا بكثير. 21 غشت: الرباط تعيد السؤال الذي لا تريد مدريد سماعه في 21 غشت، أعاد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي ملف سبتة ومليلية إلى الواجهة عندما تحدث عن «حقوق تاريخية وجغرافية» للمغرب، ودعا إلى إحداث آلية للحوار مع إسبانيا حول مستقبل المدينتين. مدريد رفضت الفكرة فوراً. وفي 28 غشت، أعلن وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن سبتة ومليلية «إسبانيتان وأوروبيتان» وأنه لم تكن ولن تكون هناك مفاوضات مع المغرب بشأن السيادة عليهما. بعد أربعة أيام فقط، كتب بيسيرا تدوينته. اختار الاقتصادي الإسباني زاوية مختلفة تماماً عن الخطاب العسكري السائد في إسبانيا. بالنسبة إليه، السؤال ليس كيف ستدافع مدريد عن المدينتين إذا حاول المغرب الاستيلاء عليهما، لأن السيناريو الذي يتوقعه لا يحتاج أصلاً إلى حرب. فحسب تحليله، يمكن أن يتغير ميزان القوى الدولي إلى درجة يصبح معها بقاء إسبانيا نفسه أكثر صعوبة سياسياً واستراتيجياً، مستحضراً سيدي إفني والصحراء باعتبارهما منطقتين كانتا سابقاً جزءاً من التنظيم الترابي الإسباني قبل انسحاب مدريد منهما. وهنا قال الجملة الأكثر إثارة: إسبانيا، إذا لم تكن قد بدأت الاستعداد بالفعل، فعليها أن تبدأ. سانشيز يرد عملياً: لن نغادر.. بل سنجعل مليلية أكثر أوروبية لم ينتظر الرد السياسي طويلاً. في 3 شتنبر، ظهر بيدرو سانشيز أمام مجلس النواب الإسباني ليعلن صراحة أن حكومته «لن تتخلى أبداً» عن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية. لكن الأهم بالنسبة لمليلية أن سانشيز لم يكتف بالدفاع عن الوضع الحالي. الرئيس الإسباني يريد تعميق اندماج المدينتين داخل الاتحاد الأوروبي، عبر الدفع نحو إدخالهما في الاتحاد الجمركي الأوروبي والسعي إلى حصولهما على وضع شبيه بالمناطق الأوروبية الأبعد جغرافياً، بما يفتح الباب أمام امتيازات وتمويلات أوروبية أكبر. وفي الاتجاه نفسه، تقدم الحزب الشعبي الإسباني في البرلمان بمقترح لخطة اقتصادية لسبتة ومليلية بقيمة لا تقل عن 650 مليون يورو بين 2027 و2032، تشمل حماية الامتيازات الضريبية، دعم التجارة والسياحة والمقاولات، مكافحة بطالة الشباب وتعزيز حضور الصحة والتعليم والأمن والجيش. أي أن مدريد لا تتصرف اليوم كما لو كانت تستعد للمغادرة. بل تفعل العكس تماماً: تحاول جعل كلفة الانفصال عن إسبانيا وأوروبا أكبر، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. وهذا بالضبط ما يجعل تصريح بيسيرا مثيراً. الرجل يتوقع الانسحاب في اللحظة التي تضخ فيها مدريد المزيد من المال وتبحث عن مزيد من أوروبا داخل المدينتين. لكن مليلية تواجه مشكلة لا تستطيع مدريد حلها بالسياج وحده بالنسبة للناظور، النقاش الحقيقي لا يوجد فقط في مدريد. إنه يحدث على الأرض. مليلية بنت جزءاً مهماً من اقتصادها خلال عقود على موقعها الحدودي: التجارة، دخول البضائع، العمالة المغربية، الحركة اليومية بين الجانبين، والأسعار والامتيازات الضريبية التي جعلت المدينة مركزاً اقتصادياً أقوى من محيطها المغربي. هذه المعادلة تغيرت. التجارة الحدودية القديمة لم تعد كما كانت، والجمارك التجارية التي أعلنت مدريد والرباط إعادة تشغيلها لم تتحول حتى الآن إلى تدفق تجاري قادر على إعادة النموذج السابق. وفوق ذلك، ينشأ على بعد عشرات الكيلومترات من مليلية مشروع يمكن أن يعيد توزيع الثقل الاقتصادي في المنطقة بأكملها. 51 مليار درهم تغيّر الجغرافيا الاقتصادية حول مليلية الناظور غرب المتوسط لم يعد مشروعاً على الورق. المركب المينائي والصناعي يستعد لبدء التشغيل خلال الربع الأخير من 2026، بعدما استقطب استثمارات عمومية وخاصة بلغت 51 مليار درهم. الميناء سيبدأ بطاقة خمسة ملايين حاوية سنوياً، وإلى جانبه 700 هكتار من المناطق الصناعية واللوجستيكية والطاقية في المرحلة الأولى، مع 20 مليار درهم من الاستثمارات الخاصة المؤكدة. وهذا هو المتغير الذي يجعل النقاش حول مستقبل مليلية مختلفاً عن نقاشات العقود الماضية. مليلية كانت محاطة بإقليم مغربي يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة الحدودية والجالية والخدمات. أما في السنوات المقبلة فقد تصبح محاطة باقتصاد جديد قائم على ميناء دولي، مصانع، لوجستيك، طاقة، حاويات واستثمارات أجنبية. ليس معنى ذلك أن مليلية ستنهار بمجرد تشغيل الناظور غرب المتوسط، ولا أن الميناء سيحدد مستقبل السيادة عليها. لكن الاقتصاد يصنع الجغرافيا السياسية أيضاً. كل وظيفة يخلقها الميناء في الناظور، وكل مصنع ينتقل إلى المنطقة، وكل شركة دولية تستقر فيها، تقلل من الفارق التاريخي الذي جعل مليلية لسنوات مركز الجذب الاقتصادي الأقوى على الحدود. المعركة المقبلة قد تبدأ من الأجر لا من العلم هذه هي النقطة التي تجعل تصريح بيسيرا مهماً لقارئ الناظور. لأن مستقبل العلاقة بين المدينتين قد لا يتحدد أولاً في اجتماعات وزراء الخارجية. قد يبدأ في سوق العمل. إذا بقي الأجر والخدمة والفرصة الاقتصادية في مليلية أقوى بكثير، فستبقى المدينة قادرة على جذب محيطها المغربي حتى وهي محاصرة جغرافياً. أما إذا نجح الناظور غرب المتوسط في خلق آلاف الوظائف، وربطها بتكوين محلي ومقاولات وصناعة وخدمات، فإن مركز الجاذبية قد يبدأ بالتحرك في الاتجاه المعاكس. وهنا سيكون التحدي أمام مليلية أخطر من إغلاق معبر أو خلاف دبلوماسي: ماذا يبقى من امتياز مدينة حدودية إذا أصبح الجانب الآخر أكثر قدرة على خلق الثروة؟ هذه هي المعركة التي لا يستطيع السياج الحدودي حسمها. لا موعد لخروج إسبانيا.. لكن شيئاً آخر بدأ بالفعل لا توجد اليوم أي وثيقة أو قرار أو مفاوضات تسمح بالقول إن إسبانيا ستغادر مليلية في موعد محدد. تصريح بيسيرا توقع شخصي، وموقف مدريد الرسمي يسير في الاتجاه المعاكس تماماً. لكن اختزال الموضوع في سؤال «هل سيصدق بيسيرا أم لا؟» يضيع القصة الأكبر. خلال أسابيع قليلة، عاد المغرب ليطرح مستقبل المدينتين، وردت مدريد بأعلى مستوى سياسي، وبدأت إسبانيا تبحث عن تثبيت مليلية أكثر داخل الاتحاد الأوروبي، في الوقت نفسه الذي يدخل فيه أكبر مشروع اقتصادي في تاريخ الناظور مرحلة التشغيل. لذلك قد يكون السؤال الأكثر واقعية بالنسبة لساكنة الناظور اليوم ليس: متى ستغادر إسبانيا مليلية؟ بل: كيف ستتغير مليلية عندما لا يعود الناظور اقتصادياً هو الناظور الذي عرفته طوال العقود الماضية؟ لأن تغيير العلم فوق المدينة، إن حدث يوماً، سيكون حدثاً سياسياً كبيراً. أما تغيير ميزان القوة الاقتصادية بين مليلية والناظور فقد بدأ بالفعل.

(0)Comments

 

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.