كت

كتبت إسراء بدر

"شاهد بلا شهادة" كيف تتحول رواية فردية إلى حقيقة متداولة؟.. منصات الإخوان الإرهابية تستند إلى «بوست» أو «تويتة» باعتبارها مصدرا وتعامل رأي شخص واحد وكأنه صوت الشعب.. من منشور مجهول إلى رواية عامة بلا

Image
كتبت إسراء بدر في عالم المنصات الرقمية، لم يعد ضروريا أن تستند الرواية المتداولة إلى وثيقة أو بيان رسمي أو شهادة موثقة، فقد يكفي أحيانا منشور على «فيس بوك» أو تغريدة على «إكس» لتتحول إلى مادة إعلامية يجري تداولها باعتبارها دليلا على واقعة أو مؤشرا على اتجاهات الرأي العام. وبينما يظل المنشور في حقيقته تعبيرا عن رأي صاحبه أو روايته الشخصية، قد تمنحه بعض المنصات حجما أكبر من دلالته، وتقدمه باعتباره انعكاسا لموقف قطاع واسع من المواطنين. وتظهر هذه الإشكالية في بعض أنماط المحتوى المتداول عبر منصات إعلامية مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، عندما يجري الاستناد إلى منشورات فردية باعتبارها مصدرا للمعلومات، أو التعامل مع تعليق شخص واحد وكأنه تعبير عن رأي الشعب بأكمله، دون التحقق من هوية صاحبه أو صحة ما يرويه أو مدى تمثيل موقفه لغيره. وهنا تبدأ رحلة تحويل الشهادة الفردية إلى رواية عامة، إذ ينتقل المنشور من حساب صاحبه إلى منصة إعلامية، ثم يعاد تداوله عبر صفحات أخرى، حتى يبدو وكأنه تعبير عن حالة جماعية، بينما تظل الحقيقة الأساسية غائبة: من صاحب الرواية؟ وما الدليل الذي يستند إليه؟ وهل يعبر بالفعل عن اتجاه عام أم عن رأي فردي لا يمكن تعميمه؟ «بوست» أو «تويتة».. عندما يتحول رأي الفرد إلى صوت الشعب من أبرز صور التعميم في المحتوى الرقمي التعامل مع منشور فردي على مواقع التواصل الاجتماعي باعتباره مرآة للرأي العام، وكأن ما كتبه شخص واحد يعبر بالضرورة عن ملايين المواطنين. فقد تستند بعض المنصات الإعلامية المرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية إلى «بوست» على فيس بوك أو «تويتة» على إكس، لتقديم رواية عن الأوضاع الداخلية أو ردود فعل المواطنين تجاه قضية معينة، ثم يجري توظيف هذا المنشور باعتباره دليلا على حالة غضب عامة أو رفض شعبي واسع، رغم أن المنشور في حد ذاته لا يثبت سوى أن صاحبه عبر عن رأي أو ادعاء محدد. وتكمن المشكلة في الانتقال من صيغة «مواطن يكتب» إلى صيغة «المواطنون يقولون»، ومن رأي فردي محدود إلى تعميم يوحي بأن المجتمع بأكمله يتبنى الموقف نفسه. فالتعبير عن الرأي حق أصيل لكل مستخدم، لكن تحويل هذا الرأي إلى مؤشر على اتجاهات المجتمع يحتاج إلى أدلة أوسع ومنهجية واضحة، وليس مجرد منشور حظي بتفاعل أو أعيد نشره مرات متعددة. من حساب مجهول إلى مصدر إعلامي.. كيف تبدأ الحكاية؟ تبدأ بعض الروايات المتداولة بمنشور يكتبه حساب على مواقع التواصل الاجتماعي، وقد يتضمن ادعاء بشأن واقعة أو شكوى من موقف معين أو تعليقا على حدث عام. وبمجرد أن تتلقف إحدى الصفحات هذا المنشور، يمكن أن يتحول إلى مادة إعلامية، خاصة إذا جرى تقديمه باعتباره شهادة من داخل الحدث أو دليلا على حالة عامة. لكن السؤال الذي يغيب أحيانا عن هذه العملية هو: هل صاحب المنشور شاهد الواقعة بنفسه؟ وهل قدم ما يدعم روايته؟ وهل يمكن التحقق من هويته أو من تفاصيل ما يرويه؟ وهل توجد شهادات مستقلة أو أدلة أخرى تؤكد ما جاء في المنشور؟، فوجود منشور على منصة اجتماعية لا يعني تلقائيا أن كل ما ورد فيه صحيح، كما أن إعادة نشره عبر وسيلة إعلامية لا تمنحه مصداقية إضافية دون تحقق مستقل. «الناس بتقول».. من أين جاء هذا الصوت الجماعي؟ تظهر إحدى أبرز صور التعميم عندما يتحول منشور فردي إلى عنوان يتحدث باسم المواطنين، أو عندما يجري الاستناد إلى مجموعة محدودة من التعليقات باعتبارها دليلا على اتجاه عام. فقد يكتب مستخدم رأيا غاضبا بشأن قضية ما، ثم يعاد تقديمه باعتباره تعبيرا عن غضب الشارع، أو تنشر مجموعة من التعليقات المتشابهة لتبدو وكأنها تمثل موقفا مجتمعيا واسعا. لكن التفاعل الرقمي لا يعكس بالضرورة حجم التأييد أو الرفض داخل المجتمع، كما أن التعليقات والمنشورات المتاحة لا تمثل عينة عشوائية من المواطنين يمكن تعميم نتائجها على الجميع. والفارق هنا جوهري بين القول إن «بعض المستخدمين عبروا عن استيائهم» وبين الادعاء بأن «الشعب يرفض» أو «المواطنين غاضبون»، فكل صياغة من هذه الصياغات تحمل دلالة مختلفة، وتحتاج إلى مستوى مختلف من الأدلة. إعادة النشر.. كيف يصنع التكرار انطباعا زائفا بالحقيقة؟ بعد نشر الرواية الأولى، تبدأ مرحلة إعادة التدوير، إذ تتناقل حسابات وصفحات مختلفة المنشور نفسه، وقد تعيد صياغته أو تقتبس أجزاء منه، لتظهر المعلومة وكأنها وردت من مصادر متعددة. وهنا تقع إحدى أخطر حلقات التضليل؛ إذ قد يظن المتلقي أن تعدد الصفحات التي نشرت الرواية يعني وجود أكثر من شاهد أو مصدر، بينما تكون جميع المنشورات قد استندت إلى حساب واحد أو رواية واحدة لم تخضع للتحقق. وتزداد المشكلة عندما تختفي الإشارة إلى صاحب المنشور الأصلي، ويصبح المحتوى متداولا باعتباره معلومة عامة، أو عندما تتعامل صفحات أخرى مع كثرة تداوله باعتبارها دليلا على صحته. فكثرة المشاركات لا تثبت صحة الادعاء، وتكرار الرواية لا يحولها إلى شهادة مستقلة، كما أن الانتشار الواسع لا يعني بالضرورة أن الرأي الذي يعبر عنه هو رأي الأغلبية. «مصدر بلا هوية».. عندما تغيب البيانات وتبقى الرواية تزداد صعوبة التحقق عندما يكون صاحب المنشور مجهولا، أو عندما يجري تداول صورة من منشور دون رابط أصلي يمكن الرجوع إليه، أو عندما تُحذف تفاصيل الحساب وتاريخ النشر. في هذه الحالة، يصبح من الضروري التمييز بين ما يمكن إثباته وما يظل مجرد ادعاء غير مؤكد. فقد يكون المنشور حقيقيا لكنه لا يقدم أدلة على الواقعة التي يرويها، وقد تكون الصورة المتداولة قديمة أو مقتطعة من سياقها، وقد يكون الحساب نفسه غير قابل للتحقق. ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل شهادة مجهولة كاذبة، لكنه يعني أن التعامل معها باعتبارها حقيقة مؤكدة يتطلب أدلة إضافية ومصادر مستقلة. من شهادة فردية إلى رواية عامة.. هنا تبدأ المشكلة إعادة نشر شهادات المواطنين أو نقل آرائهم ليست في حد ذاتها ممارسة مضللة، بل قد تكون جزءا من العمل الصحفي الذي يتيح مساحة للأصوات المختلفة. لكن المشكلة تبدأ عندما تُقدم رواية فردية باعتبارها حقيقة نهائية، أو عندما يجري تعميم موقف شخص واحد على المجتمع بأكمله، أو عندما يُستخدم منشور غير موثق لإثبات ادعاء أكبر مما يحتمله محتواه. وفي بعض أنماط المحتوى المتداول عبر منصات مرتبطة بجماعة الإخوان الإرهابية، يصبح المنشور الفردي مادة جاهزة لبناء رواية عامة، من خلال انتقاء التعليقات التي تخدم الرسالة المراد تمريرها، وتجاهل ما قد يناقضها، ثم إعادة نشرها بصياغات توحي بأن هناك إجماعا شعبيا على موقف بعينه. والفارق بين نقل الرأي وتوظيفه للتضليل يكمن في احترام حدود الشهادة، والتحقق من المعلومات، وعدم منح رأي فردي دلالة جماعية لا تثبتها الأدلة.
"شاهد بلا شهادة" كيف تتحول رواية فردية إلى حقيقة متداولة؟.. منصات الإخوان الإرهابية تستند إلى «بوست» أو «تويتة» باعتبارها مصدرا وتعامل رأي شخص واحد وكأنه صوت الشعب.. من منشور مجهول إلى رواية عامة بلا
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.