سا

سامح راشد

حين يبتلع النظام الدولة في مصر

Image
حين يبتلع النظام الدولة في مصر في الدولة الوطنية الطبيعية تكون العلاقة بين السلطة (أو نظام الحكم) والدولة متوازنة ومتناسبة؛ تدير السلطة الدولة ولا تملكها. وإذا توحّش النظام وتغوّلت السلطة تراجعت قوّة الدولة وتداعت أركانها، ولذلك ينعكس ضعف الدولة مباشرة على الشعب، خصوصاً على الطبقة الوسطى، عماد أي مجتمع. في مصر الراهنة، لا يكمن الاختلاف عن العهود السابقة في حجم الفجوة بين السلطة والدولة فقط، وإنّما أيضاً في أنّها تتقلّص سريعاً، وفي طريقها إلى التلاشي. فيتزامن تضعضع "الدولة" المصرية في المجالات كافّة مع عملية منظّمة لإعادة تشكيل نخبة الحُكم على نحو يعود بها إلى خمسينيات القرن الماضي، حين كان المدّ العسكري في أقصى عنفوانه، مع فارق تكتيكي يتعلّق بطبيعة التوجّه الاقتصادي السائد، إذ حلّ الاقتصاد الحرّ والتحالف مع الغرب وأدواته الإقليمية محلّ الاشتراكية والانضواء تحت لواء الاتحاد السوفييتي. الحاصل حالياً هو اندفاعٌ نحو خصخصة الدولة اقتصاداً وسياسة، لتنحصر ملكية الدولة الاقتصادية وهيمنتها السياسية في دائرة الأوليغارشية العسكرية والدوائر المرتبطة بها والمتحالفة معها في الداخل والخارج. والنتيجة إضعاف مستمرّ للدولة، باعتلاء تلك الأوليغارشية مؤسّسات الحُكم وإدارتها الدولة، وهيمنتها على آليات العمل المرئية (الرسمية/ القانونية)، وأيضاً الخفيّة. وفي عشر سنوات فقط، اضمحلّت في الدولة هُويّتها المدنية المؤسّسية، لتتضخّم فيها هُويّة الوحدة العسكرية، أي إنّ عملية التغيير الجارية في مصر منذ عقد لا تفصل بين تغيير الدولة وتغيير تركيبة النظام، وإنّما تجمع بينهما في اتجاه واحد، تندمج في سياقه الدولة مع النظام الحاكم. أو بعبارة أكثر وضوحاً، يذوب مفهوم الدولة وتنصهر مؤسّساتها داخل نخبة الحكم وحلفائها. وبمقتضى هذه العملية، حسبما يراد لها، يُتخلّص بدأب من الجوهر "المدني" من مختلف المؤسّسات والمجالات، ليس فقط على مستوى الهياكل والمناصب القيادية فيها، وإنّما أيضاً على المستويات القاعدية والتنفيذية، فضلاً عن تعديل اللوائح والقوانين المنظِّمة لمختلف الأنشطة والأعمال، فأصبحت موافقة جهات وهيئات عسكرية شرطاً مسبقاً للحصول على أي تراخيص، أو تأسيس أي مشروعات عقارية أو صناعية أو زراعية. وكذلك الحال بالنسبة إلى القطاع الخدمي. تستوي في ذلك الخدمات السياحية والغذائية وخدمات النقل. ووصل تغوّل المؤسّسة العسكرية بأذرعها المتنوعة في الأنشطة المدنية والخدمات المجتمعية إلى إدارة الطرق السريعة، وتقديم الخدمات التعليمية بتأسيس مدارس بأنظمة تعليم دولية. وامتدّ اختراق الحياة اليومية واحتكار أبسط مفرداتها إلى إقامة منافذ تجارية لبيع السلع الغذائية. وهنا يكمن الفرق الجوهري بين ما حدث بعد 1952 وما يجري حالياً. فوقتئذ، لم يُستبعَد المدنيون بشكل كامل كما هو الحال الآن، وكان النظام يمنح المجتمع من الاهتمام والموارد ما يكفي للحفاظ على قوامه الأساس، المتمثّل في الطبقة الوسطى. وبفعل التقارب النسبي مع الاتحاد السوفييتي تحت عنوان التوجّه الاشتراكي، وُجدت محرّكات اقتصادية مدنية للدولة. وكان الحراك الطبقي والصعود المجتمعي يحدثان عبر مسارات سياسية محدّدة، بعيداً عن الأنشطة الاقتصادية التي خضعت لمؤسّسات الدولة ورجالها بالمعنى العام، وليس للأوليغارشية العسكرية وشبكاتها الزبائنية. المفارقة أنّ إبقاء جمال عبد الناصر ورفاقه على الجوهر المدني للدولة والمجتمع كان من مقوّمات شعبيته وأسباب استمرارها. أمّا نظام الحكم الحالي في مصر، فلا يُظهر أي اعتناء بالرأي العام، ولا يعير التوازن المُفترَض بين الطبقات والشرائح الاجتماعية أي أهمّية، حتّى إنّه انتقل، بعد ترسيخ احتكار السلطة وعسكرتها، إلى إفقار المصريين عمداً، بجبايات لا تتوقّف وتطاول الجميع عدا النخبة الأوليغارشية. ثم بدأ يُحمّل الشعب مسؤولية سياساته وتبعاتها من ديون وأزمات وفساد، كأنّ الهدف ليس فقط ابتلاع الدولة وإنهاء مدنيتها، وإنّما القضاء على الشعب نفسه واختزاله في أولئك الأوليغارشيين حصراً.
حين يبتلع النظام الدولة في مصر
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.