يق

يقظان التقي

ليلة القبض على الصحافيين في لبنان

Image
ليلة القبض على الصحافيين في لبنان أُقرّ قانون جديد للإعلام في لبنان في مناخ سياسي من الحرّية المقيّدة، بعد أكثر من عقد ونصف عقد من التفاوض والنقاش والتعديلات التي عمل فيها خمسة وزراء إعلام سابقين، ولم تستطع الاعتراضات النقابية والمهنية أن تصمد في وجه إرادة المشرّع السياسي، مستفيداً من تناقضاتها ومن جدلية المجتمع والالتزامات الاجتماعية، للتضييق على الفضاءات المفتوحة والسيطرة عليها، في إقرار القانون الذي يحمل هُويّةً مختلفةً نسبياً عمّا كان قد انتهى إليه مشروع رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان، مرفقاً بحزمة من التعديلات التي ينظر إليها العاملون في القطاع بنظرة الشكّ، لما يشوبها من مشكلات، وتحديداً مادّة إعفاء الصحافيين من عقوبة السجن. وذلك بخلاف ما كان ممكناً جزئياً من خلال قانون الإعلام لعام 1994، الذي شرّع السيطرة السياسية والحزبية والطائفية على القطاع الإعلامي، وقواعد نظام ما بعد الحرب السابق. ما يعني تلمّس مرحلة معينة من القمع والحظر ومحاولة فهمها. بينما تُدرس خطوات لحظر عمل مواقع إلكترونية ووسائل المؤثّرين الذين يفهمون الإعلام تواصلاً، وهذا غير صحيح (دومينيك وولتون). فإنّ الإعلام معني بالرسالة. أمّا التواصل فمعني بالعلاقة، وهي ليست اجتماعية ولا ثقافية ولا سياسية. وهذه مسألة أكثر تعقيداً مع أزمة تمويل خارج المراقبة، ومسألة سياسية متعلّقة بعدم تنظيم وسائل الإعلام ووسائطه ووضع ضوابط لها لجعلها في خدمة الحرّية والمجتمع. ولم يسبق أن كان في لبنان، بصورة متزامنة، مثل هذا القدر من المواقع الإلكترونية (ثلاثة آلاف موقع)، وسط فلتان يميناً ويساراً، وملهاة من دون وعي بالأحداث والمعلومات ومبادئ المهنة المستغلّة، في كثير من الأحيان، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً. يتضمّن قانون الإعلام الجديد إصلاحات مهمّة من شأنها تنظيم القطاع الإعلامي، وتعزيز الصناعة الإعلامية، وحفظ الحرّيات، بل أمّن السيادة التحريرية ليس السؤال الإعلامي في لبنان فرضيةً من فراغ، إذ صار للدولة قانونها الإعلامي الجديد، فالنصّ الذي أقرّه المجلس النيابي في 11 أغسطس/ آب الماضي أُدخلت عليه تعديلات تفرض على المواقع الإعلامية شروطاً قاسيةً، وتحمّلها التزاماتٍ واسعةً، وتعرّضها لغراماتٍ قد تصل إلى مليارات الليرات، فيما يمنح القانون الهيئة الوطنية للإعلام دوراً تنظيمياً واسعاً، بينما الضمانات قد لا تذهب بعيداً بما يكفي في نسق تشكيلها. يضاف إلى هذا جانب غامض آخر من إرادة المشرّع، معروف بشكل أقلّ. ويبدو أن بإمكاننا توقّع أنّ الأمور ستؤول إلى الأسوأ في قانون غير متّسق بشكل واضح، إذ يمكن دائماً في لبنان إيجاد طرق للالتفاف عليه بحجج امتلاء الجو الإعلامي والتحليلات السياسية بخطابات عنف قبلية ومذهبية، وما تعتبره السلطة فوضى حرّيات تشكّل عقبةً أمام أيّ إصلاح أو مبادرات تقوم بها. على العكس، تتّخذ المواقع الإلكترونية مواقفَ متفرّقةً ومتباينةً بالمنظور الطائفي والمذهبي والفئوي المحض. وفي مثل هذا السياق، ذهب بعضهم إلى اعتماد المنطق الإسرائيلي الهادف إلى تفتيت البلد لمصلحة كيانات مبنية على هُويّات فرعية، ما يضفي شرعيةً على وجود الكيان الصهيوني الإقصائي المبني حصراً على الهُوّيات الدينية، أو بناء حالة توافقات مع نزعاته العسكرية التدميرية والعنصرية. يتضمّن قانون الإعلام الجديد إصلاحات مهمّة من شأنها تنظيم القطاع الإعلامي، وتعزيز الصناعة الإعلامية، وحفظ الحرّيات، بل أمّن السيادة التحريرية من خلال حماية الصحافي حتّى من رؤسائه، وحمايته عند رفضه تبنّي خبر أو مادّة إعلامية حُرِّف مضمونها أو عُدِّل فيها من دون علمه أو موافقته، ونقل الجزء الأوفر من نزاعات التحرير والنشر من العقوبة الجزائية إلى المسؤولية المدنية، فألغى الحبس قاعدةً وأبقاه استثناءً. وألغى القانون الامتيازات الخاصّة بالرؤساء والموظفين العامّين، ووسّع مساحة النقد والمساءلة بإلزام الإدارات العامّة تقديم ما لديها من مستندات، وفق نصّ المادة 108 من القانون. في المقابل، أُزيلت من النصّ ضمانات تمنع احتكار امتيازات الصحف، وأُعيد إدخال "الخبر الكاذب" إلى دائرة التجريم الجزائي، بدل الاحتكام إلى محكمة المطبوعات. والمحاكمات ليست أفضل وسيلة لحلّ قضايا الحرّيات، فالتقاضي أمام القضاء الجنائي أظهر قدرته على إجبار الصحافيين على تغيير سلوكهم في الحالات التي واجهوا فيها أوضاعاً ليست سهلة. ويرى نقيب المحامين عماد مارتينوس أنّ القانون "يتضمّن ألغاماً وأفخاخاً: مفردات وعبارات لها مدلولات يمكن أن تعني الشيء ونقيضه، ويمكن أن تُجرِّم أو تُبرِّئ بحسب الطلب، والمفردات والتعابير في متن عدد من المواد لا تستوفي مقتضيات الدقّة التشريعية، وتفتقر إلى التحديد والضبط اللازمين قانوناً. فالأصل في التشريع الجنائي أن يكون التجريم واضحاً ودالّاً على الأفعال الجرمية بدقّة وبشكل قابل للتوقّع، وألّا يتعرّض الصحافي لعقوبة سالبة للحرية". وهنا، وجه الخطورة أنّ المشرّع قفز في هذه المادّة مباشرةً إلى العقوبة الجزائية، بدل المرور بالبدائل المدنية. وقد استقرّ اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (CEDH) على أنّ القيود على حرّية التعبير يجب إثبات ضرورتها وتفسيرها تفسيراً ضيّقاً. وبالتالي فإنّ ما أُعطي للصحافيين من حرّية تعبير سُلب منهم في المادّتَيْن 104 و105. وما أُعطي لهم بإلغاء اختصاص المحكمة العسكرية والتوقيف الاحتياطي سُلب منهم بعقوبة الحبس أمام المحاكم العادية. والمادة 115 ليست بريئةً، فهي تجيز تأسيس نقابات وانضمام الصحافيين إليها بحرّية. وهذه مادّة سجالية من شأنها تكريس التعدّد النقابي وإضعاف قدرة النقابات القائمة على الاستمرار. والتقرير لا يُظهر بوضوح مساهمة نقابتَي المحرّرين والصحافة في مواجهة أخطار المهنة، ودعم العمل الصحافي بوصفه هدفاً في حدّ ذاته وحمايته سياسياً ومالياً. ويظهر هذا المنحى خضوعاً لنقد "حارس البوابة" المهدّد بالذوبان في سياق مجال إدارة الأعمال التقليدية، من دون تغذية مساءلة الوقائع الموضوعية والتأثير في الوقت المناسب، أو بحث مستقبل المهنة ونوعية الصحافة الديمقراطية والحفاظ على ضمانات الاستقلالية. تكرّس المادّة 115 من قانون الإعلام الجديد التعدّد النقابي وإضعاف قدرة النقابات القائمة على الاستمرار ليس في القانون الجديد نصّ يقول: "أغلقوا المواقع الإلكترونية"، أو يفرض ترخيصاً مسبقاً. لكنّ قراءة القانون في مجموعه تطرح سؤالاً أكثر خطورةً من الإغلاق المباشر، عبر الشروط المهنية والإدارية والغرامات والصلاحيات الرقابية، ودفع عدد كبير منها إلى الخروج من السوق. إنّ إحدى المشكلات المتعلّقة بوضع قواعد عمل المواقع الإلكترونية، موضع انزعاج أركان السلطة مجتمعين، هي أنّه بحلول الوقت الذي يتمّ فيه الاتفاق على هذه القواعد، تكون التكنولوجيا قد تطوّرت. فكيف ستتحوّل وسائل التواصل الاجتماعي بفعل الذكاء الاصطناعي والابتكارات الأخرى والوافدين الجدد إلى السوق؟ ومع هذا، هناك نقاط قوّة في بعض ميّزات القانون، وهو يسعى إلى تحقيق هدف مشروع في حماية أخلاقيات المهنة التي تتطلّب تنظيماً أفضل. هذا التأكيد مثير للاهتمام بشكل خاص، لأنّ العديد من الديمقراطيات تدرس حظر فلتان المنصّات لما لها من تأثير في الاجتماع العام. ويعترف القانون بأنّ الإعلام في لبنان يلعب دوراً مهمّاً في "المشاركة السياسية في الحياة الديمقراطية" و"التعبير عن الأفكار والآراء". مع ذلك، فإنّ حرّية التعبير والتواصل ليست مطلقةً في ظلّ تفشّي خطاب الكراهية والتمييز وتطوير استخدامات غرائزية على نطاق واسع، وبألّا يتوغّل الإعلاميون في منظور تحليلاتهم ونظام إدراكهم التقسيمات والإشكاليات الداخلية والإقليمية المولِّدة لظروف الحرب والعنف. الإعلاميون قلقون من خطر سياسات الحظر والتراجع عن الحرّيات، والخلط بين صلاحيات المؤسّسات ومحاسبة النشر والتنظيم النقابي، وأن يطوي القانون صفحةً كانت مفصليةً في بناء نظام ما بعد الحرب الأهلية في لبنان، وقد يؤشّر إلى تفكّك التركيب السياسي والمالي والأمني والثقافي الذي حكم لبنان طويلاً.
ليلة القبض على الصحافيين في لبنان
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.