UN

unknown

الطقس الرسمي: من العنف الرمزي إلى حرب السرديات

Image
تُشكل الطقوس والمناسبات الدينية الرسمية في المغرب—وفي صدارتها مجالس 'الدروس الحسنية' الرمضانية والاحتفالات بعيد المولد النبوي—أكثر من مجرد مناسبة شعائرية لتجديد المشروعية؛ إذ تُمارَس كـ 'واقعة اجتماعية وسياسية كليّة' (Fait social total) بالمعنى المورفولوجي الذي صاغه الباحث الفرنسي مارسيل موس. ففي هذه اللحظات المقتطعة من الزمن المؤسساتي، تتداخل أبعاد الدين، والسيادة الوطنية، والتاريخ، والدبلوماسية في بنية مشهدية واحدة تهدف إلى إنتاج ومنح المعنى وإدارة موازين القوى. الهندسة الخطابية لـ'الازدواجية الدلالية' والعنف الرمزي يتجلى هذا الامتداد بصورة لافتة عند استدعاء التراث الجغرافي والفكري للثغور المحتلة في حضرة أمير المؤمنين؛ كاستحضار أطروحات الإمام محمد بن سليمان الجزولي (تـ 870 هـ) وحركته التعبوية في سوس والصحراء ضد التوسع الأيبيري. إن هذا الاستحضار للتراث الصوفي المتنبئ بالخطر الاستعماري ينطوي على ممارسة واعية لتقنية 'الازدواجية الدلالية' (Double entente). فهذه الهندسة الخطابية تُوجّه خطابًا مزدوج الأهداف: داخليًا: يُحاط المستمع بسردية الوفاء لمناقب العلماء، وتأكيد الاستمرارية الروحية، وتعزيز التلاحم الوطني. خارجيًا: يُرسل إلى النخب السياسية والمؤسسات الأوروبية-الإسبانية رسالة مشفرة مفادها أن الذاكرة الترابية لسبتة ومليلية عصية على التقادم، وأن تجميد الملف في إطار 'الوضع القائم' (Status quo) يُقابَل مغربيًا برفض متجدد يستمد مشروعيته من الزمن التاريخي الطويل وليس فقط من إكراهات الجغرافيا السياسية الراهنة. وتبرز فرادة هذه الممارسة الدبلوماسية في مرونة توزيع الأدوار داخل بنية السلطة؛ فبينما تملي متطلبات الشراكة الاستراتيجية والأمنية لغة رسمية محكومة بالبراغماتية والتنسيق الميداني الحذر، تتدخل الأدبيات الصادرة عن المؤسسة الدينية لتفريغ شحنات الضغط الرمزي عبر ممارسة ما يمكن تسميته بـ 'العنف الرمزي اللطيف' (حسب مفهوم بيير بورديو)، بوصفه أداة لتذكير الطرف الآخر بحدود التنازلات دون التسبب في أزمة دبلوماسية صريحة. ركائز النسق السلطوي: 'الدولة الإمبراطورية'، 'التقليدانية'، و'التدبير عن بعد' لتفكيك عمق هذه الممارسة، لا بد من ربطها بالبنية الهيكلية لنموذج الحكم في المغرب: إن توظيف التاريخ الديني يعكس طابع 'الدولة الإمبراطورية' (L'État-Empire) القائم على احتواء التعددية المجتمعية والترابية تحت مركز سيادي مرن يمد عمقه الرمزي والجيو-تاريخي عبر القرون ليحتوي الثغور والحدود. كما لا يُعد التقليد هنا نكوصًا رثًا إلى الماضي، بل هو 'اختراع واعٍ للتقاليد' (بمعنى إريك هوبسباوم)، حيث تُكسى المؤسسات والقرارات الحديثة عباءة التاريخ والتراث لمنحها الصمود والحصانة ضد الهزات الاقتصادية والسياسية. بالإضافة إلى ذلك، تتيح المرجعية الدينية والرمزية للسلطة المركزية إدارة التوازنات والأزمات عبر وسائط وأغلفة رمزية متتالية، مما يحمي مركز القرار السيادي من الاحتكاك المباشر ويوفر له هامشًا واسعًا للمناورة والتراجع البراغماتي عند الضرورة. مأزق 'الغموض الاستراتيجي' وسوسيولوجيا التلقي في زمن الخوارزميات غير أن قراءة 'سوسيولوجيا التلقي' على الضفة الشمالية تعكس درجة عالية من الحساسية التاريخية لدى أوساط صناع القرار والإعلام الإسباني. وهنا يبرز الإشكال المحوري: هل يمكن الرهان مستقبلًا على الإيماء والغموض والتلميح الرمزي في عالم تسيطر عليه السرعة والدبلوماسية الرقمية؟ إذا كان منطق 'الغموض البناء' والإيماء يثبت نجاعته في الشأن الداخلي (لتجاوز التناقضات الفئوية والحفاظ على مسافة نقدية للمؤسسة السيادية)، فإنه يواجه مأزقًا حقيقيًا في التعاطي الخارجي: الخوارزميات لا تتسامح مع الفراغ: في زمن التواصل الفوري والبيانات الضخمة، ينقلب الصمت والإيماء الرمزي المعقد إلى فراغ اتصالي لا تلبث أن تملأه سرديات الخصوم أو القراءات أحادية الجانب للإعلام الأجنبي. اختلال لغة الترجمة الاتصالية: الخطاب التراثي الصوفي الذي يُفهم في الداخل كـ'سموّ رمزي'، يُترجم في مراكز التفكير الغربية والشبكات الرقمية إما كـ'غموض إرباكي ذي حمولة تهديدية غير مباشرة'، أو كـ'عجز عن بناء خطاب عقلاني قانوني صريح'. تحول الرمز إلى فزاعة سياسية: تُسارع الأحزاب الراديكالية ومؤسسات صناعة الرأي في الخارج إلى اجتزاء هذه الإشارات الرمزية وتفكيكها بواسطة الخوارزميات الرقمية لتغذية السرديات المعادية لـ'الخطر المغربي'، مما يُفقد الإشارة الرمزية مرونتها ويحولها إلى عبء دبلوماسي. من 'إدارة الغموض' إلى 'هندسة السردية الهجينة' إن استدعاء التاريخ والجغرافيا في الطقس الرسمي المغربي يتجاوز البلاغة المناسباتية لخدمة أجندة سيادية معاصرة. إلا أن الرهان الحصري على المتن الديني والضغط الرمزي عبر 'التمني والإيحاء' أصبح يصطدم برهانات جيوسياسية شديدة التعقيد. إن المستقبل الدبلوماسي لم يعد يكتفي بـ'العنف الرمزي اللطيف' في القنوات المغلقة، بل يتطلب الانتقال نحو 'دبلوماسية هجينة': تزاوج بين العمق الرمزي والشرعية التاريخية كغطاء سيادي، وبين بناء سردية خارجية صريحة ومؤثرة (عبر مراكز التفكير، الإعلام الرقمي، والخطاب العقلاني الموجه للغات العالم)؛ ففي زمن الخوارزميات والسرعة الاتصالية، إن لم تروِ الدولة قصتها وحقها التاريخي بلغة العصر والوضوح، سُتروى قصتها بلغة الآخرين، وهذا ما حصل!
الطقس الرسمي: من العنف الرمزي إلى حرب السرديات
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.