صل

صلاح الدين الجورشي

بعد قرار محكمة التعقيب في تونس

Image
بعد قرار محكمة التعقيب في تونس قضت محكمة التعقيب (النقض) في تونس، أخيراً، برفض جميع الطعون التي تقدم بها المحامون، والتي تعلقت بمختلف المراحل التي مرّت بها قضية "التآمر 1"، وذلك بعد أربع سنوات من الاشتباك المتواصل بين المتهمين ومحاميهم وعائلاتهم وأنصارهم من جهة، والقضاء ووزيرة العدل ورئاسة الدولة من جهة أخرى. وهي القضية الأخطر التي سيسجل التاريخ أنها اختزلت مرحلة حكم الرئيس قيس سعيّد، وحجبت بقية القضايا والصراعات الأخرى على أهميتها. إذ كلما حاولت أن تفهم مختلف المسائل العالقة طوال السنوات الأربع الماضية، وجدت نفسك في كل زاوية تقودك من جديد إلى ملف "المؤامرة". وكلما تقدمت في البحث عن معظم الأزمات صغيرها وكبيرها، مثل الكهرباء والماء والدواء وغيرها من أزمات صغيرة، تبين لك أن كل الطرق، بما في ذلك الفرعية، تؤدّي بك إلى مكة. طوي ملف "التآمر" قضائياً، لكنه بقي مفتوحاً سياسياً وإنسانياً وحقوقياً. لقد خابت آمال بعضهم الذين توقّعوا احتمال حصول مفاجأة ما، وتبين للجميع أن السلطة مصرّة على مواصلة السير في اتجاه واحد من دون تعديل أو تراجع رغم المحاذير والمخاطر العديدة. فعندما تكشف رابطة حقوق الإنسان عن وفاة 20 سجيناً بسبب موجة الحرارة التي ضربت البلاد، إلى جانب تحذير المنظمات الحقوقية السلطات من أن مساجين يعانون من أمراض مختلفة، ومنهم من تجاوز الثمانين بسنوات عديدة، عندها يصبح الأمر جللاً. صدر بيان مشترك بين الاتحاد التونسي العام للشغل وعمادة المحامين ورابطة حقوق الإنسان يحمّل السلطة مسؤولية الأزمات العميقة التي تمرّ بها البلاد، ويعلن إرساء هيكل تنسيقي بين المنظمات الثلاث التي تعبّر عن قلقها مما آلت إليه أوضاع السجون وتراجع حرية الإعلام وارتفاع الأسعار. وهو نداء من ضمن عشرات النداءات الموجهة إلى السلطة، التي لا يهتم بها النظام ولا يعبأ بأصحابها. وكان جديدها أخيراً من عاطلين من أصحاب الشهادات العليا الذين اعتصموا أمام رئاسة الحكومة، للمطالبة بتنفيذ القانون الذي وضعه رئيس الجمهورية، ويمكّنهم من حقّ العمل، لكنهم طُردوا بالقوة، وأُجبروا على العودة قسراً إلى ولاياتهم تحت رقابة البوليس. ولم يجد هؤلاء مساندة إلا من منظمات المجتمع المدني التي أصدرت بياناً دانت فيه "تنامي المقاربة الأمنية في إدارة الاحتجاجات"، ووصفت ما حدث لهؤلاء بـ"التدخل الأمني الفظ". لا مؤشّرات على نية الرئيس قيس سعيّد استعمال صلاحياته لإصدار عفو رئاسي من أجل طيّ ملف المساجين السياسيين، الذين يعتبرهم الخطاب السياسي الرسمي "جراثيم" يجب التخلص منها. وشعاره المركزي في التعامل معهم هو "لا حوار ولا تهدئة ولا تفاوض مع الخونة". لهذا، فإن معركة المساجين السياسيين مرشّحة للاستمرار في السجون، بانتظار أن تتغيّر موازين القوى، أو يقتنع صاحب السلطة أن المصلحة العامة، وأيضاً مصلحة النظام، تقتضي تفكيك هذا الملف دفعة واحدة أو عبر مراحل. فبقاؤهم في السجن بحجة قضاء العقوبة يعني عملياً الحكم على عديدين منهم بالموت في المعتقل، فعلى أغلبهم أحكام ثقيلة تصل إلى 40 عاماً. وبما أن محكمة التعقيب أقرّت في حكمها بشرعية 836 سنة سجناً، فهي وضعت بذلك سدّاً شاهقاً من شأنه الحيلولة دون اكتساب حريتهم والعودة إلى أسرهم في ظل السلطة القائمة التي شعارها "لا رجوع إلى الوراء". وبما أن لا أحد يمكنه الجزم بأن الولاية الراهنة للرئيس قيس سعيّد ستنتهي في سنة 2029، أو أنه يمكن تمديدها بتجديد الترشّح لولاية جديدة، فإن حصل هذا، نظرياً على الأقل، فسيبقى مصير هؤلاء معلقاً، وقد يستنشقون نسائم الحرية في سنة 2034. تونس ليست بخير. معركة النفي المتبادل بين الأضداد لا تبشر بخير. والانقسام الحالي لا علاقة له بالتعدّد وبسُنّة الاختلاف. وإذا كان ابن خلدون قد أكد منذ قرون أن الظلم مؤذنٌ بالخراب، فإن الحقد يقود الشعوب أيضاً إلى التفكّك والانهيار.
بعد قرار محكمة التعقيب في تونس
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.