أح

أحمد جاسم الحسين

إعلام وطني أم إعلام حكومي؟

Image
في الإعلام عادة ما نكرر مقولة: ابحثْ عن الممول! هو نوع من: من يموّل يقرر! لكن ينبغي أن تكون القرارات في مصلحة المواطنين والقانون والمهنية والاحترافية، وإن لم تكن كذلك علينا أن نعترض ونناقش ونحتج، فالثقة ليست أعطية دائمة أو شيكاً على بياض بل ترتبط بما يتم تقديمه لنا نحن معشر المواطنين من خدمات وتحسين مستوى المعيشة. في هولندا، أجريت مناقشات كثيرة في البرلمان قبل فترة حول الدوافع التي تجعل الحكومة الهولندية تمول وسائل الإعلام الرئيسية وهي تكتب أو تنقد الحكومة فيما يخص سياسة اللجوء، وتمّ الوصول إلى نتيجة مؤداها أن الإعلام مثل الكهرباء والماء ينبغي أن يتم تمويله لكن من غير الضروري أن يكون التمويل ثمناً للمواقف، لأن هذه مهمته وهذا دوره! لا يوجد إعلام متميز، دون تمويل عال، قاعدة تدرس في كليات الإعلام، لكن العبرة بالنتائج: فالمهنية والاحترافية تنسيك الممول، والسطحية تجعلك تتذكر الممول ليل نهار، بل قد تستعمل مفردات غريبة عن معجمك ضده! الممول الذكي، هو الذي يترك مسافات كبيرة بينه وبين الإعلام الذي يموله، بحيث تغدو الوسيلة الإعلامية قوة ناعمة له، لا تقتل، بل تخيف ويحسب لها حسابات، لا تعطي مخالفة مرورية بل تكتفي بالتنبيه كي تستعاد حالة الوعي والابتعاد عن الغلو! تأتي المهنية والموضوعية والاحترافية لتترك بصمتها، حيث تأخذ جهات المجتمع حقها في التعبير وفي الحضور، وحقها أن يكون صوتها مسموعاً، والثقة التي تبنى بين المواطن والإعلام تحتاج عشرات السنوات بخاصة إذا كان بينهما ذكريات مؤلمة. بالتأكيد لا أحد يمول ما يضره، والحكومة لن تمول ما يسيء إليها، وليس من باب كشف السر أن نعرف من هو الذي يمول الوسائل الإعلامية الوطنية، إنها الحكومة، لكن هل الحكومة ستمول من الضرائب ما يجعلك تطبل لها وبما يضر المواطن في آن معاً، أم أن نقد الخطأ حق لنا نحن المواطنين! لفت النظر في المشهد السوري مؤخراً تحول عدد من مادحي إعلامنا الوطني إلى مهاجمين، ونباشين في أخطائه، ولولا حسن النية الذي نحب أن نتصف به كسوريين لوصلنا إلى نظرية المؤامرة، وفقاً للخبير الأمريكي جوزيف أوسينسكي وتساءلنا عن كيفية تحول الأفكار الهامشية إلى استقطاب سياسي؟ بل يمكننا أن نعد الهجمة الجديدة على الإعلام الوطني السوري كجزء من الهجوم على أي منجز يتمّ في ظل السلطة الجديدة؛ وهو ما دفعنا إلى ترداد قول الشاعر: لقد أسمعتَ لو ناديت حياً! مرّ معي فيدو قصير يقول فيه البطل الناقد: الإعلام الوطني صفر! هكذا دون أن يتحرك ضمير من يطلق مثل هذه المقولة؟ الأمر بسيط للغاية: قناة يوتيوب أو صفحة فيسبوك أو متابعون.. يعطونك القوة لتشطب على إعلام بلد غال، خلفه مئات الخبرات وراسمي السياسات والمخططين، ومن تركوا مواقع ومنصات عربية وأجنبية مهمة ليلتحقوا بالإعلام الوطني.. والكثير منهم مهنيون ومحترفون وأصحاب صوت عال، ولا يقبلون بأن يمحى تاريخهم وشخصياتهم من أجل سلطة أو تحصيل منافع! مثل هذه الأحكام القطعية تجعلك تتساءل: هل هي نابعة من يقين المؤثرين الزائف، وبالمناسبة فقد تحول يقين المؤثرين إلى ثقافة مجتمع؛ قد تقع فيه حتى النخب الثقافية، بحيث إنهم لا يقبلون نقاشاً، بل إن من يخالفهم يتحول إلى مطبل بجرة فم وحركة لسان! المهم: خوارزميات الإعجاب والعيش في الوهم الافتراضي، واتخاذ الهدم كبوصلة حياة، والعيش في الخيال الرقمي! لقد نسوا أننا يمكن أن نكتب ما نشاء وأن نقول ما نشاء عبر إعلامنا الوطني، لا رقيب اليوم سوى الضمير والمهنية، ولا أظن أنه في تاريخ سوريا الكثير من الأمثلة الإيجابية عن الحرية المتاحة للإعلام الحكومي، لا نريد المبالغة لنقول: إنها المرة الأولى في تاريخ هذا البلد! حسناً، ماذا ننتظر ونتوقع من الإعلام في دولة خرجت من مرحلة حرب للتو؟ القرب من المواطنين واحتياجاتهم أولاً، والتعبير عن المواطن والتركيز على البعد التحقيقي والتوثيقي لأن متابعة الأخبار باتت من مهام التواصل الاجتماعي! تعالوا لننتقل إلى العملي: ما المقصود بالإعلام السوري اليوم؟ صحيفة الثورة؟ الإخبارية؟ السورية؟ الإذاعة ومعرفاتها عبر التواصل الاجتماعي؟ بالتأكيد ننتظر من إعلامنا الشفافية بمعنى أن لا نقول عن تظاهرة في السبع بحرات، إن الناس خرجت لتشكر الله على نعمة المطر؟ ما الذي حدث؟ الكثير من وسائل الإعلام كانت سباقة لنقل الحقيقة إلى جمهورها لأن هناك سياسة دولة وهي أن تكون شفافة مع المواطن! كي لا ننسى من المهم القول: الإعلام مخرج من مخرجات الدولة واستراتيجياتها، والدولة الجديدة اتخذت قرارها وهو أن تكون صوت المواطن؟ المواطن؟ نعم، المواطن المتوازن الذي يملك عينين وينظر إلى المستقبل! تعالوا إلى القطاعات الخدمية والكهربائية والثقافية والخدمية: هل غابت هذه التغطيات والأوجاع عن صحيفة الثورة؟ لندع ذلك جانباً.. ماذا عن مواضيع الصفحة الأولى وافتتاحيات رئيس التحرير مثلاً؟ مقاس صورة الرئيس؟ تعالوا لنقرأ المانشيتات؟ لنراجع الأعداد الأخيرة من جريدة الثورة: بوليفارد النصر: وعود عمرانية تختبرها الأرض، الأسعار، القانون بمواجهة خطاب التحريض، فروقات الصرف في أسواق إدلب تكلفة إضافية تتسلل إلى فاتورة المستهلك، لنقرأ الصحيفة مثلاً ستجد أنها أقرب إلى المواطن من المسؤول.. هذا ليس عفو الخاطر بل ثمرة سياسة تحريرية واستراتيجية بلد. بحدود متابعتي لمنبرين إعلاميين سوريين بشكل يومي هما صحيفة الثورة والإخبارية السورية أقول: إنهما من أقرب وسائل الإعلام للمعلومة التي أثق بها، والمعبرة عن الواقع والناقلة للحقيقة، نعم حدثت أخطاء هنا وهناك، أو في تفسير هذا الكاريكاتير أو ذاك، لكن الزملاء اعتذروا، وحتى مما يمكن أن يقع في باب الاحتمال كانوا يستجيبون ويصححون ويعدلون مع امتنان! تعالوا إلى مقالات الرأي: الهامش فيها مفتوح إلى حدود كبيرة والبوصلة هي سوريا الوطن! معظم كتاب المقالات ليسوا من المتماهين مع خطاب الحكومة، بل من الناقدين والمحللين المعترضين، لكن مقالاتهم تمر ونستمتع بها، تلك ثقافة جديدة مرحب فيها بسوريا الجديدة. مَن قال: إن الصحافة رصد للسلبيات فقط، اليوم نحن في مرحلة إعادة بناء وإعمار المؤسسات التي خرجت للتو من أتون المعارك والصراعات المركبة من أعقد المراحل! سيقول قائل: رجاء لا تقارن سوريا الجديدة مع أسوأ نظام مخابراتي متغول، فتلك مقارنة يفوز بها من يأتي بعده بالضرورة، وأنا أقول له: معك حق أخي المواطن، لكن أرجوك لا تقارن سوريا الخارجة من النزاع مع دول، تقاليد المهنية الصحافية راسخة فيها منذ قرن ونيف! أخيراً: بعين التفاؤل أقول: إن الإعلام في سورية الجديدة يتحول في جوانب منه من الإعلام الحكومي إلى الإعلام الوطني؟ ما الفرق بينهما؟ وهل الخطوات سريعة أم بطيئة؟ المهم أننا بدأناها، سنصل إليها، ولا بد من التذكير بأن عددا كبيراً من المواطنين السوريين يحتاجون إلى مرحلة طويلة حتى يعتادوا على سماع نقد لمسؤولين أو اعتراض على سلوكات حكومية عبر الشاشة أو الصحف، فقد سمعتُ من كثيرين استياءهم مما يسمعونه عبر عدد من البرامج، لا ننسى أن معظم السوريين اليوم هم أبناء حقبة التغول المخابراتي. والكثير من الضيوف يحتاجون إلى فترة من الزمن حتى يعتادوا على فكرة أن النقد لا يعني السواد، وعدم رؤية النصف الممتلئ من الكأس.. والوسيلة الإعلامية تحتاج هي الأخرى إلى فكرة الموضوعية والمهنية! التسويد الكامل أو التبييض الكامل لما يحدث في سوريا، والإعلام أحد وجوهه، ليس في مصلحة أحد، المهم أن نكون منصفين، وأن نقدم ملاحظاتنا ونقدنا، دون أن ننشغل بفكرة التعميم، وأن نحكم على الأداء والمنتَج وليس على المنصة كلها بلحظة غضب تعميمي. في علم الادارة نقول للزملاء العاملين: أي شكوى لا يكون معها حل هي ليست شكوى بل شعور شخصي! هل فكر أحدنا بأن يقدم الحل البديل حول خيبة أمله في الإعلام؟ أم أن التذمر وحده يكفي؟ سيقول قائل: لستُ خبيراً في الإعلام حتى نقدم لكم الحل؟ ومن باب المناكفة يمكن أن نسأله: وهل أنت خبير في نقد الإعلام ولست خبيراً في تقديم الحلول؟ لا! لن نتوقف عند المناكفة، بل لا بد أن نجري استبيانات واستطلاعات رأي مستقلة حول ما يأمله المواطن من الإعلام، ونقترب من وجعه أكثر وأكثر أما هواة التسويد والنبش في الأخطاء، فالأفضل أن تبتعد عنهم أكثر وأكثر! ومن المهم، ختاماً، التأكيد أن الإعلام الوطني ملك لنا جميعاً، وتطويره لا يتحملها رؤساء التحرير أو المدراء العامون والمحررون فحسب، بل نحن جميعاً مسؤولون عن هويته، ألم نقل: إنه إعلام الوطن وليس إعلام الحكومة؟ وما دام إعلام الوطن ونحن المواطنون فالمسؤولية مشتركة وتكافلية!
إعلام وطني أم إعلام حكومي؟
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.