مح

محمد خليل برعومي

حين يعجز الاستبداد في تونس عن توفير الماء

Image
حين يعجز الاستبداد في تونس عن توفير الماء رفع التونسيون خلال ثورة 2011 شعاراً بسيطاً اختصر في كلمات قليلة العلاقة بين الحرية والحياة: "خبز وماء وبن علي لا". لم يكن الشعار برنامجاً اقتصادياً، وإنما كان يقول إن الإنسان يستطيع القبول بالحد الأدنى من متطلبات العيش، بالخبز والماء، لكنه يرفض أن يكون ثمنهما القبول بالاستبداد. وبعد أكثر من 15 عاماً تبدو المفارقة التونسية قاسية، عادت البلاد إلى الحكم الفردي، وتراجعت الحريات، وامتلأت السجون بالخصوم والمعارضين، ثم بدأ التونسي يبحث في ذروة الصيف عن ذلك الماء الذي وضعه ذات يوم في الحد الأدنى الذي يستطيع أن يعيش به. تعيش تونس منذ أسابيع على وقع انقطاعات واسعة ومتكرّرة للماء والكهرباء، بالتزامن مع موجات حر شديدة رفعت الاستهلاك، وضغطت على شبكات تعاني أصلاً مشكلاتٍ متراكمة. ولم تبق الأزمة داخل المنازل، لأن الكهرباء والماء قاعدة عمل بقية الاقتصاد والمرافق. تعطلت أنشطة إنتاجية، وتضرّرت مزارع، ونفقت أعداد كبيرة من الدواجن بعد توقف أنظمة التهوية والتبريد والماء، واضطرب إنتاج المياه المعبأة وتوزيعها. وتحدّثت منظمات حقوقية عن ظروف شديدة القسوة داخل السجون في ظل الحرارة والاكتظاظ والانقطاعات، وعن وفيات وتدهور حالات صحية تستوجب التحقيق وكشف المسؤوليات. وتكشف أزمة المياه المعبأة أكثر من غيرها حجم الخلل، لأن المواطن يلجأ عادة إلى القارورة عندما يفقد ثقته بانتظام مياه الشبكة أو جودتها، لكنه وجد هذه المرّة أن البديل نفسه أصبح نادراً. وارتفع الطلب مع الحر وانقطاعات المياه، في وقتٍ أثرت فيه انقطاعات الكهرباء على مصانع التعبئة، فتراكم الضغط على سلسلة كاملة لم تكن تملك مخزوناً كافياً لامتصاصه. ويعيد ذلك النقاش إلى سياسة تعامل الدولة مع السوق خلال السنوات الأخيرة، فقد اعتاد تجّار الجملة بناء مخزونات من المياه في الشتاء والربيع، عندما يتراجع الطلب، ثم ضخها تدريجياً خلال الصيف عندما يرتفع الاستهلاك. كانت هذه العملية تؤدّي، عملياً، وظيفة مخزون الأمان، وتساعد على تعديل السوق بين موسمين مختلفين في حجم الطلب. لكن التشدّد في ملاحقة ما تسميه السلطة الاحتكار والمضاربة جعل التخزين نفسه يحمل مخاطرة، ودفع تجاراً إلى تقليص الكميات التي يحتفظون بها، خشية أن تتحوّل السلعة الموجودة في مستودعاتهم إلى قرينة اتهام. وعندما جاء الصيف الاستثنائي، اكتشفت السوق أنها فقدت جزءاً من الوسادة التي كانت تمتص ارتفاع الطلب. وقد أفاد عاملون في القطاع بالفعل بأن الخوف من تصنيف التخزين المسبق ضمن الاحتكار ساهم في تراجع مخزونات الأمان قبل موسم الذروة. وهنا تظهر مشكلة أعمق في طريقة الحكم، فقد أصبح البحث عن المحتكر والمتآمر والمضارب والمخرب جزءاً ثابتاً من تفسير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، بينما تحتاج إدارة الدولة إلى شيء مختلف تماماً: توقع المشكلات قبل وقوعها، وفهم حركة السوق، وصيانة الشبكات، والاستثمار في الإنتاج، وبناء احتياطات للطوارئ، ثم مصارحة المواطنين عندما تعجز المنظومة عن تلبية الطلب. سلطة ضيقت المجال السياسي إلى أقصى حد، لكنها لم تملأ الفراغ بإنجاز اقتصادي أو إداري يمنح مشروعها مبرّراً لدى الناس ويعيد الرئيس قيس سعيّد إنتاج المنطق نفسه في تفسير أزمة الماء والكهرباء، فقد تحدّث أخيراً عن "أعمال تخريب متعمدة" وراء الانقطاعات في مناطق مختلفة، وعن جهات تريد إثارة التوتر وحرمان المواطنين من الخدمات. تستطيع التحقيقات أن تثبت وجود تخريب هنا أو هناك، لكن الأزمة التي يعيشها بلد كامل لا تختزل في فاعل يقطع سلكاً أو يعطل منشأة. وحتى إذا ثبت التخريب، تبقى حماية المنشآت وضمان استمرارية الخدمات والاستعداد للأعطال من صميم مسؤولية الدولة التي تحتكر السلطة وتدير المؤسسات. وتزداد هذه المسؤولية وضوحاً لأن تونس لم تعد تعيش حالة توزيع للسلطة يستطيع فيها رئيس الجمهورية تحميل البرلمان أو الأحزاب أو الحكومة المستقلة عنه مسؤولية الفشل. مضت خمس سنوات منذ "25 يوليو" (2021)، وحصل قيس سعيّد خلالها على النظام السياسي الذي أراده تقريباً. حل البرلمان السابق، ووضع دستوراً جديداً، وأعاد تشكيل المؤسسات، وأصبح القرار السياسي متمركزاً حول الرئاسة بدرجة غير مسبوقة منذ الثورة. ولذلك تتغير طبيعة السؤال اليوم: ماذا فعلت هذه السلطة بكل ما جمعته من صلاحيات؟ يفترض الحكم الفردي عادة أن يقدّم الكفاءة ثمناً سياسياً لغياب الديمقراطية. يقول للناس، مباشرة أو ضمناً، إن تركيز القرار يسرّع الإنجاز، وإن المؤسّسات الوسيطة تعطل الدولة، وإن الأحزاب والبرلمانات والنقاشات الطويلة كانت سبب العجز. لكن التجربة تصبح أكثر مأزقاً عندما يخسر المواطن الأمريْن معاً: حريته وكفاءة الدولة. عندئذ يصبح من الصعب تفسير الحاجة إلى سلطة مطلقة لا تستطيع ضمان خدمة أساسية. ويظهر هذا المأزق بوضوح عندما ينتقل أثر الانقطاعات من البيت إلى المزرعة والمصنع والمستشفى والسجن، فالدجاج الذي ينفق عندما تتوقف التهوية خسارة لمربٍّ، لكنه يصبح لاحقاً نقصاً في الإنتاج وارتفاعاً في الأسعار وضغطاً إضافياً على المستهلك. والمصنع الذي تتوقف آلاته لا يخسر ساعات عملٍ فقط، وإنما تتعطل معه سلسلة توريد كاملة. والسجين الذي يعيش في اكتظاظ وحرارة مرتفعة من دون ماء أو تهوية كافيين يكشف اختباراً آخر لقدرة الدولة على حماية الإنسان الموجود أصلاً تحت مسؤوليتها الكاملة. السلطة التي تغلق السياسة ثم تعجز عن إدارة اليومي، لن تستطيع إلى ما لا نهاية أن تجعل المؤامرة بديلاً عن الإنجاز ومن هنا يتسع الغضب في الشارع، ولا يعود ممكناً فصل الاجتماعي عن السياسي. خرج تونسيون أخيراً للاحتجاج على الماء والكهرباء وغلاء المعيشة، واختلطت هذه المطالب بالدعوة إلى إطلاق المعتقلين واستعادة الحريات ورحيل السلطة. ولا يحتاج هذا الغضب بالضرورة إلى قيادة حزبية حتى يصبح خطراً سياسياً، لأن أزمات الحياة اليومية تستطيع الوصول إلى شرائح لم تكن معنية بالصراع بين الرئيس ومعارضيه، لكنها تصبح معنية بالحكم عندما تنطفئ بيوتها وتنقطع مياهها وتتعطل مصالحها. تواجه تونس لذلك أزمة تتجاوز صيفاً شديد الحرارة. تواجه سلطة ضيقت المجال السياسي إلى أقصى حد، لكنها لم تملأ الفراغ بإنجاز اقتصادي أو إداري يمنح مشروعها مبرّراً لدى الناس. وتواجه في الوقت نفسه خطاباً رسمياً يواصل البحث عن المؤامرة كلما اتسعت المشكلة، حتى أصبحت المؤامرة تفسيراً جاهزاً لما يفترض أن تفسره السياسات والأرقام والمسؤوليات. كان التونسي سنة 2011 يقول إنه يقبل بالخبز والماء مقابل أن يرحل الاستبداد. وبعد 15 عاماً يعود السؤال بصورة لم يكن أحد يتوقعها: ماذا يبقى للسلطة عندما تجمع الاستبداد مع العجز عن توفير الماء؟ تستطيع الدولة أن تطلب من مواطنيها الصبر خلال أزمة، وأن تشرح لهم نقص الموارد أو ضعف الشبكات أو أثر الحرارة، لكن الصبر يحتاج إلى مصارحة، والمصارحة تحتاج إلى مسؤول يتحمل المسؤولية، والحكم يحتاج في النهاية إلى نتيجة يراها الناس في حياتهم. أما السلطة التي تغلق السياسة ثم تعجز عن إدارة اليومي، فلن تستطيع إلى ما لا نهاية أن تجعل المؤامرة بديلاً عن الإنجاز.
حين يعجز الاستبداد في تونس عن توفير الماء
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.