خا

خالد الجابر

المسلم الجديد في أمريكا.. من الهوية إلى صناعة الأغلبية

Image
أتيحت لي فرصة زيارة ميشيغان مرات عدة، وكنت ألاحظ كيف تتحول المطاعم والمتاجر العربية والإسلامية إلى ما يشبه المجالس المفتوحة للجالية؛ أماكن لا تباع فيها الأطعمة حصرا، بل تتداول فيها الأخبار والهموم في أمريكا والشرق الأوسط. ومن الطريف أن جانبا من النقاش يدور أحيانا حول طريقة الملابس واللهجات والأكل ومن يملك ماركة الفلافل والحمص، ومن يحق له أن ينسب الكبسة أو المندي والحلويات إلى مطبخه. لكن هذه الجدالات، على خفتها، لم تعد تختصر المشهد. فقد دخل جيل جديد إلى الساحة يحمل أسئلة أثقل بكثير وأطروحات مغايرة، من نحن؟ إلى أين ننتمي؟ وكيف نعرّف أنفسنا داخل مجتمع لم نعد نعيش فيه بوصفنا ضيوفا، بل بكوننا جزءا من نسيجه السياسي والاجتماعي؟ الكثير من أبناء هذا الجيل الجديد لا يشبهون آباءهم سياسيا وثقافيا كما نتخيل، ولا ينظرون إلى أمريكا بوصفها مجرد مكان للإقامة، بل بوصفها وطنهم الكامل. هم مسلمون، نعم، وعرب أو أبناء عائلات مهاجرة، لكنهم في الوقت نفسه نتاج مدارس وجامعات أمريكية ومجال عام أمريكي. ولذلك فإن توقع أن يحملوا التصورات نفسها التي حملها الجيل الأول ليس دفاعا عن الهوية، بل إنكارا لتحول اجتماعي وقع بالفعل. المشكلة ليست أن هذا الجيل ابتعد عن أصوله، بل إن أصوله نفسها دخلت في تركيب جديد مع واقع مختلف، فأنتجت مسلما أمريكيا لا يمكن فهمه بعقلية القرية التي غادرها أبوه أو المدينة التي جاءت منها عائلته. لذلك لا يعد صعود المرشحين من أصول عربية ومسلمة في الانتخابات الأمريكية مجرد علامة إضافية على تنوع المجتمع، بل أصبح مؤشرا على تحول أعمق في موقع هذه الفئات داخل النظام السياسي نفسه. فشخصيات مثل عبد الرحمن السيد (عبدول السيد) المرشح لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية ميشيغان، الأمريكي من أصل مصري، وعائشة وهاب ذات الأصول الأفغانية في ولاية كاليفورنيا، لا تمثل امتدادا انتخابيا لجاليات مهاجرة فحسب، بل تمثل جزءا من طبقة سياسية جديدة تشكلت داخل الولايات المتحدة، وتنافس على السلطة من داخل قواعدها. إعلان وهذا هو التحول الأهم، فالجيل الجديد لم يعد يكتفي بالمطالبة بالاعتراف أو بحماية حقوق المسلمين والعرب، بل يسعى إلى تمثيل دوائر أوسع بكثير من جماعته الأصلية. وهو، لكي يفوز، لا يستطيع أن يخاطب من يشبهه فقط، بل عليه أن يقنع ناخبين يختلفون عنه في الدين والعرق والثقافة والذاكرة السياسية بأن مصالحهم يمكن أن تجد مكانا في مشروعه؛ وهنا تنتقل المسألة من الهوية ورمزية التمثيل إلى اختبار القدرة على صناعة أغلبية حقيقية. وهنا تكمن المفارقة؛ فنجاح هؤلاء لا يتوقف على قدرتهم على تعبئة المسلمين والعرب، بل على قدرتهم على تجاوزهم. الاختبار الحقيقي ليس في إثبات أنهم مسلمون أو عرب بما يكفي، ولا في طمأنة المجتمع إلى أنهم أمريكيون بما يكفي، بل في قدرتهم على بناء ائتلافات واسعة تضم السود واللاتينيين والآسيويين واليهود والنساء والمستقلين والطبقة الوسطى والناخبين البيض. هذه ليست عملية انتخابية فحسب، بل إعادة تعريف لمعنى السياسي المسلم الجديد في الغرب، فهو لا يدخل المجال العام ممثلا لجماعة مغلقة، بل سياسيا مطالبا بحماية حقوق من يختلف معه، والتفاوض مع من يعارضه، والتحالف مع من لا يشبهه. إن الإسلاموفوبيا والعنصرية واقعان حقيقيان، وإنكارهما تزييف. لكن الانتخابات لا تكسب عبر إقناع الناس بأن المرشح تعرض للتمييز. الناخب يريد أن يعرف ماذا سيحصل عليه إذا فاز هذا المرشح: الأسعار، والوظائف، والمدارس، والمستشفيات، والضرائب، والأمن التمثيل بحد ذاته ليس إنجازا؟ قد يقال إن مجرد وصول مسلم أو عربي إلى منصب منتخب هو انتصار كافٍ، لأنه يكسر صورة نمطية ويفتح بابا كان مغلقا. وهذا صحيح جزئيا، لكنه ناقص. التمثيل الرمزي يغيّر مَن يجلس على الطاولة، لا مَن يرسم أجندتها. والفرق بين الحالتين هو الفرق بين حضور ديكوري في لجنة وقدرة فعلية على تمرير تشريع. من يدخل السياسة باسم جماعة فقط يبقى رهينة سقفها العددي؛ ومن يدخلها باسم مشروع عام يكتسب شرعية تتجاوز أصله. الأول يستدعى عند الحديث عن "قضايا الأقليات"، والثاني يستدعى عند الحديث عن الضرائب والصحة والأمن. الفكرة الأكثر إغراء وربما الأكثر خطأ هي أن "الأقليات" كتلة واحدة جاهزة للتصويت. فالسود ليسوا كتلة سياسية واحدة، ولا الآسيويون، ولا اللاتينيون، ولا اليهود، ولا المسلمون أنفسهم. التحالفات لا تنشأ تلقائيا من الإحساس المشترك بالتمييز، بل من تقاطع المصالح. المرشح الناجح هو من يحوّل مطالب متباعدة إلى مشروع سياسي واحد: عامل أبيض يريد حماية وظيفته، وناخب أسود يريد إصلاح النظام الصحي، وناخب آسيوي يهتم بالتعليم، ولاتيني يهتم بالهجرة والأجور، ويهودي يريد الأمن ورفض معاداة السامية، ومسلم يهتم بالحريات المدنية والسياسة الخارجية. هؤلاء لا يجتمعون لأنهم متشابهون، بل لأن هناك برنامجا يخاطب جزءا من مصالحهم جميعا. التشابه في الهوية عاطفة؛ تقاطع المصالح هندسة. مخاطبة المجاميع الانتخابية إن الإسلاموفوبيا والعنصرية واقعان حقيقيان، وإنكارهما تزييف. لكن الانتخابات لا تكسب عبر إقناع الناس بأن المرشح تعرض للتمييز. الناخب يريد أن يعرف ماذا سيحصل عليه إذا فاز هذا المرشح: الأسعار، والوظائف، والمدارس، والمستشفيات، والضرائب، والأمن. من يبني حملته على الجرح يمنح خصومه امتياز تحديد ساحة المعركة؛ فيصبح النقاش عن هويته، لا عن برنامجه. أما من يحوّل المعركة إلى قضايا معيشية، فإنه ينزع من الخطاب المعادي للمسلمين قدرته على تحديد النتيجة. إعلان كثير من المرشحين المسلمين يجدون بيئة مريحة داخل التيار التقدمي، بحكم مواقفه من حقوق الأقليات والحريات المدنية وفلسطين والعدالة الاجتماعية. لكن النجاح في الانتخابات التمهيدية داخل الحزب لا يعني النجاح في الانتخابات العامة. الولايات المتأرجحة والمقاعد الوطنية تحتاج إلى أصوات مستقلة ومعتدلة، وأحيانا إلى ناخبين محافظين غير راضين عن حزبهم. وتظهر صعوبة التوازن إذا بقي المرشح قريبا جدا من اليسار فقد يخسر الوسط، وإذا تحرك كثيرا نحو الوسط فإنه يفقد القاعدة التي صنعت صعوده. لكن التحدي ليس في تغيير المبادئ بقدر ما هو في القدرة على صياغتها بلغة أوسع. الخطاب الذي ينجح أمام ناشطين تقدميين قد لا ينجح أمام عامل في منطقة صناعية أو صاحب مشروع صغير. المسألة مسألة ترجمة، لا تنازل. قد يكون التحدي الأعمق أن هذا الجيل نفسه يختلف عن الصورة التي تحملها عنه مجتمعات عربية وإسلامية. فكثير من هؤلاء ولدوا وتعلموا وعملوا داخل الولايات المتحدة؛ لغتهم السياسية أمريكية، وتجربتهم الاجتماعية أمريكية، وعلاقتهم بالدولة والمواطنة مختلفة عن علاقة الجيل الأول من المهاجرين منطق الناشط ومنطق السياسي يواجه المرشح المسلم تحديا من داخل بيئته أيضا. بعض أنصاره يريدونه ممثلا خالصا لقضايا الجماعة، يرفض التسويات ويتخذ موقفا حادا في كل ملف. لكن الانتقال من النشاط إلى الحكم يغيّر طبيعة الدور. الناشط يستطيع الاحتفاظ بموقف كامل بلا تنازل، لأنه لا يحتاج إلى جمع واحد وخمسين صوتا في مجلس تشريعي أو ملايين الأصوات في انتخابات عامة. أما السياسي فيعمل داخل نظام قائم على التفاوض وبناء التحالفات. هذا لا يعني التخلي عن المبادئ، بل التمييز بين المبادئ الأساسية غير القابلة للمساومة وبين المواقف التكتيكية القابلة للتفاوض. من يخلط بين الاثنين يخسر مرتين: يخسر الانتخابات، ثم يخسر القدرة على خدمة القضية التي خاض من أجلها. وقد يكون التحدي الأعمق أن هذا الجيل نفسه يختلف عن الصورة التي تحملها عنه مجتمعات عربية وإسلامية. فكثير من هؤلاء ولدوا وتعلموا وعملوا داخل الولايات المتحدة؛ لغتهم السياسية أمريكية، وتجربتهم الاجتماعية أمريكية، وعلاقتهم بالدولة والمواطنة مختلفة عن علاقة الجيل الأول من المهاجرين. لذلك قد يتبنون مواقف لا تتطابق دائما مع المواقف السائدة في بلدان آبائهم. وهذه ليست علامة ضعف في الهوية الدينية، بل نتيجة طبيعية لتشكّلها داخل بيئة مختلفة. فالمسلم الذي ولد في ديترويت أو شيكاغو أو نيويورك لا ينظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها "الغرب" الذي يقيم فيه، بل باعتبارها وطنه السياسي المباشر. ومن هنا تتشكل أولوياته وتحالفاته ومفهومه للمواطنة. السؤال الذي يستحق أن يطرح يبقى السؤال الأهم أبعد من مجرد الاحتفاء بوصول مزيد من ذوي الأصول العربية أو المسلمة إلى مواقع منتخبة في الولايات المتحدة. فالتاريخ السياسي لا يكتب بعدد الأسماء التي تعبر أبواب المؤسسات، بل بقدرتها على تغيير قواعد اللعبة داخلها. والتحدي الحقيقي هو ما إذا كان صعود المرشحين المسلمين يمثل مجرد توسع في التمثيل، أم بداية انتقال أعمق من سياسة الهوية إلى سياسة القوة، ومن الدفاع عن جماعة بعينها إلى بناء ائتلاف قادر على حكم مجتمع شديد التنوع. وهذه هي النقلة التي تستحق المراقبة. فالمسلم الأمريكي لا يصبح قوة سياسية حين يثبت أنه قادر على الوصول إلى المؤسسة، بل حين يصبح قادرا على إعادة تشكيلها من الداخل. ومن يحكم باسم جماعته يبقى أسيرا للهامش، حتى لو فاز. أما من يستطيع أن يحكم باسم الجميع، فقد خرج بالفعل من سياسة الأقلية إلى قلب صناعة الأغلبية.
المسلم الجديد في أمريكا.. من الهوية إلى صناعة الأغلبية
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.