عب

عبد الرحمن الحاج

"أرابيكا..أين المصادر العربية في الذكاء الاصطناعي؟

Image
"أرابيكا"... أين المصادر العربية التي سيقرأها الذكاء الاصطناعي؟ طرح الباحث والخبير في الذكاء الاصطناعي محمّد بن جماعة، في مقال نشره في موقعه الشخصي، سؤالاً مهمّاً بشأن مستقبل مشروع الموسوعة العربية (أرابيكا) الذي ينجزه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في عصر الذكاء الاصطناعي، وما إذا كان المشروع جاء متأخّراً أكثر من اللازم بعد ظهور نماذج الذكاء الاصطناعي وإتاحتها للعموم، وما إذا في الوسع الاستمرار في بناء موسوعة عربية كُبرى بالطريقة التقليدية نفسها التي كانت تُكتب فيها مثل هذه المشروعات الكبيرة التي تحتاج مئات الكتّاب، ومراحل متعدّدة من التحرير والمراجعة، بينما أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرةً على إنتاج مسوّدات أوّلية بسرعة كبيرة، وربط المعلومات ومقارنتها واستخراجها من مجموعات ضخمة من النصوص؟ لا يخلو الاقتراح من الجرأة، اقتراح الانتقال إلى نموذج يستفيد من الذكاء الاصطناعي، مع إبقاء المراجعة البشرية والتدقيق العلمي في قلب العملية، فكرة تستحقّ نقاشاً جدّياً. خصوصاً أنّ المشروع نفسه يتحرّك بالفعل في بيئة تقنية تتجاوز فكرة الموسوعة التقليدية، مع العمل على أدوات تحريرية وبيانات منظّمة لتكون جزءاً من مدخلات الذكاء الاصطناعي وأحد مصادره الرئيسة. تعاني العربية أساساً نقصاً فادحاً في المادة المعرفية مقارنةً بالإنتاج الغربي، حتّى إنّ الكاتب العربي إذا لم يكن متقناً للغة الإنكليزية، على الأقلّ، سيكون إنتاجه محدود التأثير والإضافة لن تناقش هذه المقالة مقترح بن جماعة، فالمشكلة فيه أنّ نماذج الذكاء الاصطناعي تفترض وجود متون عربية موثوقة، مهيكلة ومدقّقة، وقابلة للمعالجة الآلية، لأنّ الذكاء الاصطناعي هو بمعنى ما نموذج لغوي، وهذا يقودنا إلى السؤال عن مدى توافر المصادر العربية الموثوقة والقابلة للمعالجة آلياً. وهكذا يصبح السؤال: من أين سيقرأ الذكاء الاصطناعي المعرفة العربية أصلاً؟ هذه النقطة، في تقديري، تنقل النقاش من مشروع الموسوعة إلى مشكلة أوسع بكثير: إلى مستقبل حضور المصادر العربية في البيئة المعرفية التي ستنتج منها الآلات النصوص والأبحاث والتحليلات والإجابات، وما إذا كانت الموسوعة بمداخلها، التي قد تصل إلى 60 ألف مدخل ستكون كافية لأخذ المنظور العربي والإسهام العربي بالاعتبار في نماذج الذكاء الاصطناعي. تعاني العربية أساساً نقصاً فادحاً في المادة المعرفية مقارنةً بالإنتاج الغربي، حتّى إنّ الكاتب العربي إذا لم يكن متقناً للغة الإنكليزية، على الأقلّ، سيكون إنتاجه محدود التأثير والإضافة، بالمعنى البسيط للكلمة. صحيحٌ أنّ هناك ملايين الكتب والدراسات والمقالات والوثائق والمخطوطات والصحف والسجّلات والنصوص التي أنتجها العرب، وكُتب كثيرٌ منها عبر قرون متطاولة، لكنّها بمعايير اليوم قليلة كمّاً ونوعاً، ورقمنتها، بالمنظور العربي الكامن فيها، يمرّ من خلال تحويلها إلى نصوص مدقّقة وقابلة للمعالجة بالذكاء الاصطناعي. يفتح هذا الباب على مشروع هائل، قد يكون أضخم من مشروع الموسوعة بمرّات عدّة، لكنّه أقلّ تكلفةً وأكثر فائدةً، ولا يمكن الاستغناء عنه، بل كلّما بُكّر فيه، يسهم في تطوير الذكاء الاصطناعي ذاته. ومن حسن حظّنا أنّ المعالجة بالعربية وصلت مرحلةً متقدّمةً جدّاً في السنة الماضية، وهي تتطوّر بسرعة. حسناً، هناك مادّة علمية وفكرية موجودة في شبكة الإنترنت باللغة العربية، هذه حقيقة، ولكنّ السؤال: كم نسبة المصادر العربية التي تُعدّ مصادرَ للفكر العربي، قديمه وحديثه؟ هل نملك معرفةً حول هذا؟ ما الذي حوّل منها إلى نصوص قابلة للمعالجة؟ فوجود هذه المادّة في الإنترنت لا يعني بالضرورة أنّ الذكاء الاصطناعي يستطيع استخدامها بكفاءة، هناك فرق كبير بين أن يكون الكتاب موجوداً في صورة ملفّ "PDF"، وأن يكون نصّه قابلاً للبحث الدقيق والاستخراج والتحليل والربط بالمصادر الأخرى، بما يمكّن نظاماً معرفياً من أن يتعامل معه مصدراً موثوقاً، مع معرفة مؤلّفه ونسخته وتاريخه وموضع الاقتباس منه وسياقه ومعلوماته الببليوغرافية. يمكنني اختصار الفروق في مستويات: مادّة متاحة رقمياً، ونصّ قابل للقراءة آلياً، ونصّ منظّم وقابل للمعالجة (بالمناسبة نصوص موسوعة أرابيكا مصمّمة بشكل مناسب لهذا الغرض)، ومصدر موثوق وقابل للتتّبع، والمستوى الأخير مصدر موثوق وقابل للتبع يتضمّن نصوصاً منظّمةً قابلةً للمعالجة آلياً. هي ما تحتاج إليه منظومة المعرفة العربية إذا كانت تريد أن يكون لها وزن حقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يتّجه شيئاً فشيئاً إلى تكوين منصّات متخصّصة للعلماء والأكاديميين، ونحن بأمسّ الحاجة إلى أن نكون جزءاً منها. هناك الآن مبادرات ومشروعات مثل "OpenITI"، وهي مبادرة أكاديمية متعدّدة المؤسّسات بقيادة باحثين، تُنفّذ بالتعاون بين جامعات آغا خان وهامبورغ وميريلاند، تقدّم مثالاً على حجم المشكلة وطبيعتها. في هذه المبادرة تُجمع النصوص العربية والفارسية، وتُحوّل إلى مجموعة نصّية قابلة للمعالجة الآلية، مع معايير موحّدة وبيانات وصفية ومعلومات عن النصوص والمؤلّفين والنسخ الرقمية. ومعالجة مشكلات "OCR" و"HTR" الخاصّة بالنصوص ذات الخطّ العربي. الاستثمار في طبقة المصادر لا ينافس الاستثمار في "أرابيكا" أو في أدوات الذكاء الاصطناعي لماذا لا يقود المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات مبادرةً ضخمةً كهذه؟ سيكون هذا إسهاماً كبيراً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وفي تقديم الفكر العربي. دعوني أقترح هنا تخفيض عدد مداخل الموسوعة إلى المداخل التي تعكس بالفعل وجهة نظر عربية، أي ليست تلك التي تعيد تقديم الفكر الغربي مرّة أخرى بأقلام عربية، وتوجيه الجهود نحو مثل هذا المشروع الكبير، فهذه هي الفجوة التي ينبغي أن تحتلّ موقعاً مركزياً في النقاش العربي حول الذكاء الاصطناعي للمهتمّين بالعلوم الإنسانية، للتغلّب على التفكير الاستشراقي أو المركزية الغربية، إذ يتيح الذكاء الاصطناعي فرصةً نادرةً وعظيمةً لتجاوز ذلك كلّه، وعلينا أن نستغلّها. "أرابيكا" مشروع مهمّ للغاية، ولكن يجب أن يعاد التفكير فيه بشكل يأخذ هذه المقترحات، فهو في النهاية أحد المستخدمين المحتمَلين لهذه البنية المعرفية، أو أحد المنتجين الفرعيين لها. يجب التفكير في الوقت والجهد والتكلفة المالية. ويمكن لعملية متوازية تجمع بين بناء البنية النصّية المعرفية (التي تشكّلها الموسوعة) وتطوير مدخلات الذكاء الاصطناعي في آن، أن تشكّل وحدة متكاملة: تقصير وقت إنجاز الموسوعة من زيادة دخول المصادر إلى النظام الذكي، إذ يزيد من مستوى المعالجة الآلية ودقّتها، وكلّما زادت المصادر القابلة للمعالجة بالذكاء الاصطناعي صار الإنتاج أسرع. هنا يمكن أن أتقاطع مع مقترح بن جماعة، ويصبح بالإمكان تطوير خبرة جديدة في إنتاج نصوص مُراجعة ومُحكَّمة من مختصّين، مع ملاحظة أنّ هذه المراجعة التراكمية من التصويبات هي نفسها تطوّر المعالجة وتحسّن أداءها مع كلّ دورة تدريب جديدة، ومع كلّ مشروع. بعبارة أخرى: الاستثمار هنا في طبقة المصادر لا ينافس الاستثمار في الموسوعة أو في أدوات الذكاء الاصطناعي، بل يخفّض كلفة كلّ استثمار لاحق فيهما معاً. باختصار: بناء طبقة المصادر يجب ألّا يُنظر إليه بوصفه مشروع رقمنة تقنية بحتة، وإنّما بوصفه استثماراً طويل الأجل في السيادة على المادّة المعرفية العربية.
"أرابيكا..أين المصادر العربية في الذكاء الاصطناعي؟
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.