ال

العرب

‫ قيم نؤمن بها.. كيف نمارسها؟

Image
نتفق على كثير من القيم، ونحرص على انتقالها بين الأجيال، ونستحضرها عندما نتحدث عن المجتمع الذي نريده. لكننا نواجه اليوم سؤالاً أكثر تعقيداً: كيف تعيش هذه القيم في واقع يتغير من حولنا؟ فالقيم قد تظل راسخة على مستوى الاعتقاد، بينما تتغير صور ممارستها تحت تأثير التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية. لذلك لا يكفي أن نعرف موقع القيمة في وعي المجتمع، بل ينبغي أن نفهم موقعها في السلوك، وفي المعايير الاجتماعية، وفي منظومة التقدير والمكانة. وهذه نقطة أساسية في فهم التطور القيمي؛ فالتغير لا يحدث دائماً في القيمة ذاتها، وإنما قد يحدث في المعنى الاجتماعي المرتبط بها، أو في طريقة التعبير عنها، أو في البيئة التي تشجع ممارستها أو تعوقها. فالاعتدال، على سبيل المثال، قد يظل قيمة محل تقدير، بينما تتشكل معايير اجتماعية تربط المكانة بأنماط متزايدة من الاستهلاك والمقارنة. والتكافل قد يبقى قيمة راسخة، بينما تتغير أشكال ممارسته بتغير العلاقات الاجتماعية وأنماط الحياة. وهنا تظهر أهمية التمييز بين ثلاثة مستويات: القيمة التي نعلن أهميتها، والقيمة التي نمارسها، والقيمة التي تكافئها البيئة من حولنا. وقد تكون المسافة بين هذه المستويات من أهم ما يكشف واقع القيم وتحولاتها في المجتمع. لهذا، فإن التطور القيمي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره دعوة إلى تغيير قيم المجتمع، ولا حكماً على قوتها أو ضعفها، وإنما محاولة لفهم العلاقة بين القيم والتحولات التي يعيشها المجتمع: ما القيم الراسخة التي ينبغي المحافظة عليها؟ وما القيم التي تحتاج المرحلة التنموية المقبلة إلى تعزيزها؟ وما الممارسات التي تغيرت؟ وما العوامل التي تقف وراء هذا التغير؟ وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي؛ فالمجتمع لم يعد المصدر الوحيد لتشكيل معايير النجاح والمكانة والقدوة. هناك فضاء عالمي مفتوح يعيد باستمرار إنتاج الصور والمعايير والتفضيلات، ويمنح بعضها انتشاراً وتأثيراً غير مسبوقين. وهذا يجعل المحافظة على القيم مرتبطا ليس فقط بنقلها بين الأجيال، وإنما أيضاً بتطوير صور لممارستها تتناسب مع الواقع الجديد وتحفظ جوهرها في الوقت نفسه. ومن هنا يصبح الانتقال من الحديث عن القيم إلى رصد حركتها وتحولاتها ضرورة. فنحن بحاجة إلى معرفة ما يبقى راسخاً، وما يتغير، وما يظهر من قيم واتجاهات جديدة، وأين تتسع الفجوة بين الاعتقاد والممارسة، وكيف تختلف هذه التحولات بين الأجيال والبيئات المختلفة. لكن الرصد ليس غاية في ذاته. ففهم التحولات ينبغي أن يقود إلى سؤال أكثر استراتيجية: كيف نهيئ البيئة التي تساعد القيم التي نؤمن بها على الاستمرار والممارسة في ظروف جديدة؟ وقد يعني ذلك أن نحافظ على القيمة، بينما نطور الوسائل والعادات والممارسات التي تعبّر عنها؛ فاستدامة القيم لا تعني بالضرورة ثبات صور ممارستها، فالتنمية لا تغير الاقتصاد والعمران والتكنولوجيا فقط؛ إنها تغير أنماط الحياة والتوقعات والعلاقات ومصادر التأثير، ومن الطبيعي أن تترك آثارها في البيئة القيمية أيضاً. ربما هنا يبدأ المعنى الحقيقي للتطور القيمي؛ حين لا نكتفي بالمحافظة على أسماء القيم، بل نفهم حركتها، ونحافظ على جوهرها، ونطور صور ممارستها، ونهيئ البيئة التي تجعلها قادرة على الاستمرار في واقع يتغير باستمرار. @maryamhamadi
‫ قيم نؤمن بها.. كيف نمارسها؟
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.