ال

العرب

‫ تصريحات نتنياهو ومنافسيه تطرح السؤال: ماذا يريد الاحتلال؟ قطر.. وسيط لا يُقرأ من نصّ أحد

Image
تثير الحملة الإسرائيلية المتصاعدة على دولة قطر سؤالا يتجاوز التصريحات التي يطلقها بنيامين نتنياهو ومنافسوه في الأسابيع الأخيرة: ماذا يريد الاحتلال من الوسيط؟ السؤال يمس جوهر الحملة أكثر مما تمسه تفاصيل الاتهامات المتداولة. فقد اختارت قطر منذ سنوات أن تجعل الوساطة إحدى أدوات سياستها الخارجية، وأن تستثمر علاقاتها وقنواتها في فتح مسارات للحوار عندما تضيق مساحة السياسة وتتقدم الحرب. وفي ملف غزة تحديدا، عملت الدوحة مع القاهرة وواشنطن على نقل المقترحات وتقريب المواقف والوصول إلى تفاهمات شملت وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى والمحتجزين وإدخال المساعدات. هذه وظيفة سياسية دقيقة، تقوم على قدرة الوسيط على الوصول إلى أطراف تتعذر بينها المفاوضات المباشرة، وعلى امتلاكه مساحة مستقلة تتيح له الحديث مع الجميع. غير أن الحملة الإسرائيلية الراهنة تريد معادلة أخرى: وسيطا يؤدي المهمة، ثم يتبنى رواية أحد أطرافها. ومن هنا يبدأ التناقض. حين تصبح الوساطة تهمة قيمة الوسيط تنشأ من المسافة التي يحتفظ بها بين الأطراف، ومن الثقة التي تمكنه من الحركة بينها. وكلما اشتد الصراع ازدادت أهمية هذه المساحة، لأن الوساطة تبدأ تحديدا عند النقطة التي تتعطل فيها القنوات المباشرة. لهذا كانت قناة الاتصال القطرية مع حركة حماس جزءا من بنية الوساطة نفسها. عبرها انتقلت المقترحات والردود، ومن خلالها جرت جولات تفاوض، وخرجت تفاهمات وعمليات تبادل ووقف لإطلاق النار. وقد ارتبط وجود المكتب السياسي للحركة في الدوحة، وفق التصريحات القطرية الرسمية، بالحاجة إلى قناة اتصال تخدم جهود الوساطة، ضمن مسار معروف للأطراف الدولية المنخرطة فيه. وفي يناير 2025 أثمرت الوساطة القطرية المصرية الأمريكية اتفاقا لوقف إطلاق النار في غزة وتبادل الأسرى والمحتجزين. كانت الأطراف معروفة، والوسطاء معروفين، والمسار معلنا، والنتيجة قابلة للقياس. هنا تواجه الحملة الإسرائيلية سؤالها الأصعب: كيف يمكن طلب نتائج الوساطة ثم تحويل الأداة التي أنتجتها إلى مادة اتهام؟ فالاتصال بطرف في النزاع يؤدي وظيفة سياسية محددة، وقيمته تأتي من القدرة على الوصول إليه عندما يصبح الوصول شرطا للتفاوض. أما الوسيط الذي يتحرك وفق رؤية أحد الأطراف وحدها فيفقد المساحة التي تمنحه القدرة على مخاطبة الطرف الآخر. عند تلك النقطة تنتهي الوساطة ويبدأ الاصطفاف. وهذا التمييز جوهري لفهم الموقف القطري؛ فالدوحة تمارس الوساطة من موقع دولة تملك قرارها، وتحافظ في الوقت نفسه على موقفها من القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. قدرتها على التحدث مع أطراف مختلفة لا تستلزم تبني مواقفها، مثلما أن استضافة المفاوضات لا تحول الوسيط إلى جزء من وفودها. وهذه قاعدة معروفة في كل وساطة جادة: الوصول إلى الخصوم هو رأس مال الوسيط، والاستقلال هو الضمانة التي تحفظ قيمة هذا الوصول. الحملة الحالية تقلب هذه القاعدة. فهي تريد من قطر أن تستخدم قنواتها عندما تكون ثمة حاجة إلى تفاوض، ثم تحاكمها سياسيا على امتلاك تلك القنوات. تريد نتائج الوساطة، ثم تضع شروطا تنزع من الوسيط أهم أدواته. لذلك تبدو المسألة أعمق من خلاف حول موقف بعينه. إنها تتصل بفكرة استقلال القرار القطري، وبحق الدوحة في ممارسة دورها وفق رؤيتها ومصالحها ومبادئها. استقلال يزعج الاحتلال الدولة التي تملك قرارها تختار موقعها السياسي، وتحدد أدواتها، وتتحمل مسؤولية خياراتها أمام شعبها والقانون الدولي. وقطر بنت حضورها الدبلوماسي على هذا الأساس: علاقات واسعة، وقنوات مفتوحة، وقدرة على التوسط في أزمات شديدة التعقيد. هذه السياسة منحت الدوحة حضورا يتجاوز حجمها الجغرافي، لأن النفوذ في العلاقات الدولية يقاس أيضا بقدرة الدولة على إنتاج الحلول وفتح الأبواب المغلقة. ومن هنا يمكن فهم جانب من الغضب الإسرائيلي الحالي. فالوسيط القطري يحتفظ بموقفه السياسي أثناء ممارسة الوساطة، ويضع الحقوق الفلسطينية ضمن ثوابت سياسته، ويستخدم علاقاته لإنجاز تفاهمات من دون تحويل نفسه إلى امتداد لرؤية حكومة نتنياهو. هذا الاستقلال يفسر كثيرا من التوتر أكثر مما تفسره الاتهامات المتفرقة. وقد ظهر الاختبار الأخطر لهذا الاستقلال في سبتمبر 2025، حين استهدف الاحتلال الدوحة أثناء وجود أعضاء من الوفد التفاوضي لحركة حماس كانوا يناقشون مقترحا أمريكيا يتعلق بوقف إطلاق النار. هنا تجاوز الضغط مجال الخطاب ووصل إلى أرض الدولة التي تستضيف المسار الدبلوماسي. مجلس الأمن أكد في أعقاب الهجوم أهمية احترام سيادة قطر وسلامة أراضيها، وأعرب أعضاؤه بالإجماع عن إدانتهم للضربات التي استهدفت الدوحة وتضامنهم مع قطر، مع التشديد على الدور الذي تؤديه إلى جانب مصر والولايات المتحدة في جهود الوساطة. وبعد أسابيع قدم نتنياهو اعتذارا عن الهجوم خلال اتصال هاتفي شاركه فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أجراه مع معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية. قيمة السيادة القطرية تستمد أساسها من القانون الدولي ومن حقوق الدول، والاعتذار يبقى واقعة سياسية جاءت بعد انتهاك ذلك الحق. أما الدلالة الأوسع فتتصل بالمكان الذي وقع فيه الهجوم: مساحة أنشأتها الدبلوماسية لإنهاء الحرب وصلت إليها القوة العسكرية. ومن الاستقلال السياسي نصل إلى مساحة أخرى تبدو شديدة الحضور في الحملة الحالية: الإعلام. فكما تريد حكومة نتنياهو وسيطا يتحرك وفق حدود روايتها، يظهر صدام مماثل مع مؤسسة إعلامية صنعت مكانتها العالمية من قدرتها على نقل ما يجري خارج حدود الرواية الرسمية.. وهنا تأتي الجزيرة. الجزيرة.. قوة الصورة يصعب فَهم الحملة على قطر من دون وضع شبكة الجزيرة في موقعها الحقيقي داخل المشهد الإعلامي العالمي. فالجزيرة تجاوزت منذ سنوات حدود القناة الإقليمية، وباتت شبكة دولية حاضرة بلغات ومنصات متعددة، تملك قدرة واسعة على الوصول إلى الجمهور العالمي، وخصوصا في ملفات الشرق الأوسط والحروب والأزمات. وفي غزة اكتسب هذا الحضور قيمة استثنائية؛ إذ حافظ صحفيو الشبكة على تغطية ميدانية كثيفة في واحدة من أصعب البيئات التي عرفتها الصحافة الحديثة، الكاميرا هنا صنعت فارقا. من غزة انتقلت صور الأحياء المدمرة، والمستشفيات المنهكة، والنازحين، والجوع، والجنازات، وحياة الناس تحت القصف إلى جمهور واسع في مختلف أنحاء العالم. تحولت الأرقام إلى وجوه، والحصيلة اليومية إلى قصص بشرية، والحدث العسكري إلى واقع يستطيع المشاهد أن يراه أمامه. هذه وظيفة الصحافة في معناها الأصيل: الوصول إلى الحدث، وفحص الوقائع، ومنح الجمهور المادة التي تمكنه من تكوين حكمه. ومن هنا اكتسبت الجزيرة أهميتها في هذه الحرب. الشبكة ساهمت في حفظ ذاكرة بصرية واسعة لما جرى في غزة، ووفرت تدفقا مستمرا للصور والشهادات من أرض بقي وصول الصحفيين الأجانب المستقلين إليها شديد التقييد. وأصبح عمل صحفييها جزءا من السجل الذي يتابعه العالم، ويستند إليه الجمهور والباحثون والمنظمات الحقوقية لفهم آثار الحرب. الثمن كان ثقيلا، لجنة حماية الصحفيين وثقت حتى أبريل 2026 مقتل ما لا يقل عن 207 صحفيين وعاملين في الإعلام الفلسطيني في غزة منذ أكتوبر 2023، ووصفت هذه الفترة بأنها الأكثر دموية للصحفيين منذ بدء عمل اللجنة في التوثيق. كما سجلت اللجنة مقتل صحفيين من الجزيرة ووقائع قالت إن لديها أدلة على استهداف بعض الصحفيين بسبب عملهم. وفي المقابل، اتخذت السلطات الإسرائيلية إجراءات مباشرة ضد الجزيرة. أقر الكنيست في 2024 تشريعا أتاح وقف بث وسائل إعلام أجنبية، ثم أغلقت السلطات مكاتب الشبكة، وتوسعت الإجراءات لاحقا إلى مكتبها في رام الله. وحذرت لجنة حماية الصحفيين من أثر هذه الإجراءات في حرية التغطية، وطالبت بالسماح للإعلام بأداء عمله بحرية. هذه المواجهة تكشف حقيقة مهمة: الحرب المعاصرة تدور على الأرض، وتدور في الوقت نفسه حول الصورة التي تصل عن الأرض. القوة العسكرية تملك القدرة على تغيير الواقع بالقصف، فيما تملك الصحافة القدرة على إظهار ما أحدثته تلك القوة. البيان الرسمي يقدم رواية، والكاميرا تضع أمام الجمهور النتيجة. وحين تتسع المسافة بين الرواية والصورة تصبح المؤسسة التي تنقل الصورة طرفا مؤثرا في تشكيل الرأي العام العالمي. وهذا هو موقع الجزيرة. استقلال المؤسسة الإعلامية يعني أن معيار الخبر يتصل بقيمته الصحفية، وأن وظيفتها تنصرف إلى كشف الوقائع ومساءلة أصحاب السلطة وإتاحة المساحة للأصوات المرتبطة بالحدث. ويمكن لأي حكومة أن تعرض روايتها وتنتقد التغطية وتواجهها بالحجة والمعلومة، فيما تحتفظ الصحافة بمسؤوليتها تجاه الجمهور. لذلك يحمل جمع الجزيرة وقطر في ملف اتهام سياسي واحد دلالة واضحة. في السياسة توجد دولة تتمسك باستقلال قرارها، وفي الإعلام توجد شبكة تحتفظ باستقلالها التحريري وتنقل صورة تزعج حكومة نتنياهو. الخيط الذي يصل المجالين هو الاستقلال نفسه. حملة تبحث عن خصم ويأتي توقيت التصعيد ليكمل الصورة. فالساحة الإسرائيلية تتجه إلى موسم انتخابي محتدم، وسط منافسة داخل اليمين وصراع على قيادة الحكومة. وفي هذا المناخ ارتفع حضور قطر في خطاب نتنياهو وخصومه، وذهب نفتالي بينيت إلى طرح مواقف أكثر تشددا، شملت الدعوة إلى تصنيف قطر «دولة عدو» وتوسيع التحرك السياسي والإعلامي والاقتصادي ضدها. حين تدخل دولة أخرى إلى قلب منافسة انتخابية داخلية بهذه الكثافة، يصبح السياق جزءا من الخبر نفسه. الحملات الانتخابية تبحث عن عناوين التعبئة، والمنافسة تدفع المرشحين إلى رفع سقف خطابهم، ويتحول الخصم الخارجي إلى مادة مناسبة لإظهار الحزم أمام الناخب، وهذا السياق يمنح التصعيد الحالي معناه السياسي. قطر باتت حاضرة في سجال داخلي يتعلق بالماضي والحاضر معا: بسياسات الحرب، وبالمفاوضات، وبصورة القيادة الإسرائيلية، وبالصراع بين نتنياهو ومنافسيه. أما الجزيرة فتحضر باعتبارها المنبر الذي يحمل إلى العالم صورا ووقائع تصطدم في أحيان كثيرة مع الرواية التي تريد الحكومة الإسرائيلية تثبيتها. وعند جمع هذه العناصر تتضح طبيعة الحملة. ففي الدبلوماسية يراد للوسيط أن يفتح القنوات وأن يتحرك في الوقت نفسه داخل حدود يضعها أحد أطراف النزاع. وفي الإعلام يراد للمؤسسة أن تنقل الحرب ضمن الصورة التي ترضي القوة التي تخوضها. وفي السياسة يراد لدولة ذات سيادة أن تدفع ثمن استقلال قرارها حين يخرج هذا القرار عن مقتضيات خطاب انتخابي إسرائيلي. أمام ذلك، تملك قطر حجة أكثر قوة من الدخول في السجال نفسه: سجل يمكن فحصه. وساطات أنتجت اتفاقات. مسارات تفاوض جرت بمشاركة دولية معلومة. موقف سياسي معلن تجاه القضية الفلسطينية. مؤسسة إعلامية عالمية بنت وزنها عبر عقود من العمل، ونقلت إلى الجمهور صورا دفعت طواقمها أثمانا بشرية باهظة للوصول إليها. وسيادة دولة واجهت اعتداء أدانه مجلس الأمن وأكد احترام سلامة أراضيها. وهنا يصبح السؤال الذي يختصر الحملة كلها أكثر وضوحا: هل يريد الاحتلال وسيطا، أم يريد صدى لمواقفه؟ وهل يريد إعلاما ينقل ما يحدث، أم شاشة تعيد إنتاج ما يريد أن يراه العالم؟ الفارق جوهري. الوساطة تستمد قيمتها من استقلال الوسيط، والصحافة تستمد قوتها من حريتها، والدولة تستمد مكانتها من استقلال قرارها. وقطر اختارت هذه المساحات الثلاث: قرارا سياديا، ودبلوماسية قادرة على فتح قنوات الحوار، وبيئة إعلامية خرجت منها شبكة جعلت الصورة العربية والفلسطينية حاضرة في المشهد العالمي. ولهذا تبدو الحملة الحالية، في جوهرها، مواجهة مع هذا الاستقلال أكثر من كونها سجالا حول تفصيل سياسي عابر. فالمشكلة التي تواجهها حكومة نتنياهو مع قطر تبدأ من المكان نفسه الذي تبدأ منه قوة قطر: دولة تملك قرارها، ووسيط يحتفظ بمسافته، وإعلام يفتح الكاميرا على المشهد ويترك للوقائع أن تتكلم. @FalehalhajeriQa
‫ تصريحات نتنياهو ومنافسيه تطرح السؤال: ماذا يريد الاحتلال؟  قطر.. وسيط لا يُقرأ من نصّ أحد
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.