حس

حسن مدن

ترامب وصعود اليمين من منظور ميركل

Image
ترامب وصعود اليمين من منظور ميركل لا يبدو جديداً وصف المستشارة الألمانية السابقة، أنغيلا ميركل، شخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب وسلوكه، حين قالت إنّه يدير سياسة بلاده وفق ذهنية رجل أعمال في مجال العقارات، ويفكّر تقريباً على النحو التالي: "لا يمكن أن يحصل على قطعة أرض سوى شخص واحد فقط، وإذا حصل عليها شخص آخر، فهذا يعني أنني خسرت"، فهو لا يستطيع أن يتصور أنّ السياسة يمكن أن تقوم على أنّ "كلا الطرفين قادران على الفوز". ولهذا السبب تبدو العلاقات الدولية، في عهده، أقرب إلى لعبة تنافسية دائمة، حيث يبحث كل طرف عن حصته من الأرض والنفوذ والمكاسب. لهذا التشخيص أهمية خاصة، وإن لم يكن جديداً، لكونه من ميركل بالذات، بالنظر إلى خبرتها السياسية الغنية، التي تكوّنت خلال فترة توليها المستشارية في بلدها 16عاماً، وسبق لها أن تعاملت مع ترامب في ولايته الرئاسية الأولى. ورغم اللغة الدبلوماسية التي صاغت فيها وصفها أداء ترامب، فإنّ الشحنة النقدية لذلك واضحة لا تخطئها العين، كأنّها أرادت القول إنّه لا تصح إدارة السياسة، خصوصاً من رئيس دولة بحجم الولايات المتحدة ودورها بذهنية تاجر عقارات. جاء ما قالته ميركل في مقابلة أجرتها معها صحيفة ألمانية بعد ثلاثة أعوام على تركها المنصب، ظلّت فيها صامتة. ولم تنحصر المقابلة، التي نشر موقع "دي. دبليو" عرضاً لها، في رؤية ميركل لسياسة ترامب، بل تناولت تقييماتها التطورات السياسية، سواء في بلدها أو خارجه، وقد تحرّرت من عبء المنصب والتزاماته، وباتت أكثر حرية في التعبير عن رأيها بوصفها شاهدةً على عالم تغيّر كثيراً خلال السنوات المنقضية، ليس بسبب عودة ترامب إلى البيت الأبيض فقط، بل أيضاً بسبب صعود اليمين الشعبوي في أوروبا، الهجرة، تراجع الثقة بالديمقراطية. في أوروبا، بدت ميركل أكثر انشغالاً بمسألة الأمن، فالعالم الذي كان يمكن لأوروبا فيه أن تعتمد بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأميركية لم يعد هو نفسه، وتزداد التوترات الدولية، ما يجعل مسألة الأمن الأوروبي أكثر إلحاحاً. لكن ما يقلقها أكثر، التحول الداخلي الذي يضرب المجتمعات الأوروبية بصعود الأحزاب القومية والشعبوية، وفي مقدمتها "البديل من أجل ألمانيا". ومع إقرارها بأنّ سياستها باستقبال أعداد كبيرة من اللاجئين عام 2015 ساهمت في ارتفاع شعبية هذا الحزب، دعت إلى التمييز بين القرار الإنساني الذي اتخذته آنذاك والمشكلات التي تواجهها البلاد اليوم، محذرة مما يتجاوز الهجرة نفسها: أن ينظر المجتمع إلى مكوّناته الداخلية سبباً للصراع، فبرأيها أنّ حزب "البديل" اليميني يستغل السخط الاجتماعي لكي يقسم المجتمع إلى "الشعب الحقيقي" و"النخبة"، وهذه ثنائية تشكّل خطراً على فكرة المجتمع المشترك نفسها. عاشت ميركل ألمانيا المنقسمة، هي التي ولدت في شرق ألمانيا، وعرفت أوروبا في مراحل الحرب الباردة وما بعدها، وشهدت التحولات الكبرى التي أعادت تشكيل القارة. ولذلك يحضر التاريخ بقوّة في حديثها، وهي تحذر من المخاطر الماثلة، موضحة أنّ الديمقراطية تواجه هجمات متصاعدة، مع عجز المؤسسات عن التصدّي لها، ورغم علاقتها المتوترة بالمستشار الحالي ميرز، تقرّ بالصعوبات التي تواجهه: كيف يمكن أن تحل كل المشكلات دفعة واحدة، في وقت تغيّرت فيه السياسة الأميركية تجاه أوروبا، وتستمر الحرب الروسية - الأوكرانية، وتتقدم الثورات التكنولوجية، وأولها الذكاء الاصطناعي، بسرعة هائلة؟ وهذا يقود إلى نصيحتها أخيراً ميرز، وهي ربما أكثر المقاطع دلالة على شخصيتها السياسية، فعندما اشتكى المستشار الحالي من أنه لم يسبق لرئيس حكومة ألماني أن واجه مثل هذه العداوة على وسائل التواصل الاجتماعي، ذكّرته ميركل بهيلموت كول، الذي كان قدوتها، وبعبارته الشهيرة: لم يجبره أحد على تولي هذا المنصب. في هذه الجملة القصيرة، تختصر ميركل شيئاً من فلسفتها السياسية؛ السلطة عبء واختيار ومسؤولية، ومن يدخلها، فعليه أن يتحمّل كلفتها، بما فيها النقد والمعارضة والضغوط.
ترامب وصعود اليمين من منظور ميركل
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.