دا

داليا عبد الرحيم

الصين التي رأيتها.. ومصر التي تراهن عليها

Image
حين أقامت مصر علاقاتها الدبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية عام 1956، لم تكن تخطو فقط نحو إقامة علاقة مع دولة آسيوية صاعدة، بل كانت تفتح مبكرًا قناة اتصال مع قوة ستصبح لاحقًا أحد أهم مراكز الثقل في النظام الدولي. وخلال سبعة عقود، حافظت العلاقات المصرية الصينية على قدر لافت من الاستمرارية، وتجاوزت مراحل التغير في النظام الدولي دون أن تفقد جوهرها السياسي. ومن دعم قضايا التحرر الوطني والتنسيق في المحافل الدولية، انتقلت العلاقة تدريجيًا إلى مساحة أكثر اتساعًا، تجمع السياسة بالاقتصاد والتنمية والتكنولوجيا. وكان إعلان الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014 نقطة تحول أساسية؛ إذ نقل العلاقة من التعاون في ملفات متفرقة إلى إطار أكثر شمولًا، ثم جاءت مبادرة «الحزام والطريق» لتمنح هذا التعاون بعدًا اقتصاديًا وجغرافيًا جديدًا، مستفيدة من الموقع المصري وقناة السويس ومكانة البلدين في محيطهما الإقليمي. وفي السنوات الأخيرة، اتسعت دوائر التعاون لتشمل مشروعات البنية التحتية والطاقة والصناعة والاتصالات والتكنولوجيا، بالتوازي مع تقارب سياسي انعكس في مستوى التنسيق بين القاهرة وبكين بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية. ولذلك فإن دلالة مرور سبعين عامًا على العلاقات المصرية الصينية لا تكمن في طول المدة وحده، وإنما في قدرة العلاقة على الانتقال من صداقة سياسية تأسست في زمن مختلف إلى شراكة متعددة المصالح في عالم جديد. ومن هنا تأتي زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة في توقيت بالغ الدلالة؛ فهي تأتي احتفالًا بسبعة عقود من العلاقات، لكنها لا تتوقف عند الاحتفاء بالماضي، وإنما تضع أمام الشراكة مجموعة من الأهداف العملية: زيادة الاستثمارات الصينية وتوطين الصناعة، توسيع النفاذ إلى السوق الصينية ومعالجة اختلال الميزان التجاري. ونقل التكنولوجيا والمعرفة، وتعزيز التعاون في قطاعات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات ومراكز البيانات، إلى جانب تطوير التعاون في أمن الملاحة وسلاسل الإمداد والتنسيق السياسي حول أزمات المنطقة.وبذلك تصبح الزيارة اختبارًا لمدى قدرة البلدين على الانتقال بالعلاقة من مرحلة تراكم المشروعات إلى تعظيم العائد منها؛ ومن شراكة تقوم على حجم التعاون إلى شراكة تقاس بما تضيفه إلى القدرة الإنتاجية والتكنولوجية والتجارية لمصر، وبما تمنحه الصين من حضور أوسع في واحدة من أهم بوابات الشرق الأوسط وإفريقيا. فالمعادلة التي تفرض نفسها أمام القاهرة وبكين اليوم ليست: ماذا اتفقنا عليه؟ وإنما ماذا سيتحول من هذه الاتفاقات إلى إنتاج واستثمار وتكنولوجيا وتجارة ونفوذ متبادل خلال السنوات المقبلة؟ إذا كانت السنوات السبعون الماضية قد بنت الثقة السياسية بين القاهرة وبكين، فإن الجغرافيا والمصالح هي التي تمنح هذه العلاقة وزنها في الحاضر. بالنسبة للصين، لا تبدو مصر مجرد سوق كبيرة، وإنما بوابة استراتيجية إلى منطقة شديدة الأهمية؛ موقعها عند ملتقى إفريقيا والعالم العربي والبحر المتوسط، وارتباطها بأحد أهم شرايين التجارة العالمية عبر قناة السويس، يمنحانها قيمة تتجاوز حدود الاقتصاد. وفي ظل اضطراب طرق التجارة وسلاسل الإمداد، تصبح الشراكة مع القاهرة ذات بعد يرتبط أيضًا بأمن الملاحة واستقرار المنطقة. أما بالنسبة لمصر، فالصين تمثل شريكًا من نوع مختلف: قوة صناعية وتكنولوجية كبرى تستطيع أن تسهم في الانتقال من مشروعات البنية الأساسية إلى بناء قاعدة إنتاجية أكثر تقدمًا، خصوصًا في الصناعات والتكنولوجيا والطاقة الجديدة والاقتصاد الرقمي. وتزداد أهمية هذه المعادلة في ظل رغبة مصر في تنويع شراكاتها الدولية وعدم الارتهان إلى مركز قوة واحد، بالتوازي مع سعي الصين إلى توسيع حضورها في الشرق الأوسط وإفريقيا وتعزيز شراكاتها مع دول الجنوب العالمي. لذلك لا تقوم العلاقة على احتياج طرف إلى الآخر بقدر ما تقوم على تقاطع مصالح استراتيجية. ومن هنا تبدو مصر للصين نقطة ارتكاز، كما تبدو الصين لمصر نافذة على التكنولوجيا والاستثمار والأسواق؛ وهي معادلة تجعل الشراكة قابلة للانتقال من مجرد تعاون ثنائي إلى ترتيب أوسع للمصالح. لا تأتي الشراكة المصرية الصينية بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي؛ فالعالم يتجه بصورة متسارعة نحو تعدد مراكز القوة، وتتسع المنافسة على النفوذ والأسواق والتكنولوجيا. وفي هذا السياق، تكتسب العلاقات المصرية الصينية قيمة تتجاوز المصالح الثنائية، فمصر تنظر إلى الصين باعتبارها قوة دولية مؤثرة، بينما ترى الصين في مصر دولة محورية في منطقة تتقاطع فيها طرق التجارة والطاقة والأمن. وتمنح هذه المعادلة القاهرة مساحة أوسع لتنويع شراكاتها الدولية، دون أن يعني ذلك الانحياز إلى محور في مواجهة آخر؛ فالمصلحة المصرية تقوم على الانفتاح المتوازن وبناء علاقات متعددة تحفظ استقلال القرار الوطني وتزيد من قدرة مصر على الحركة. ومن هنا تصبح الزيارة رسالة سياسية بقدر ما هي محطة تعاون: أن مصر تتحرك في عالم متغير وفق حسابات المصلحة الوطنية، وتبني شراكاتها على أساس التنوع والتوازن والاستمرارية. والقيمة الحقيقية لهذه السياسة لا تكمن في تجنب المتغيرات، وإنما في امتلاك القدرة على التحرك داخلها وتحويلها إلى فرص تخدم المصالح المصرية. قوة أي شراكة لا تُقاس فقط بمستوى العلاقات السياسية، وإنما بقدرتها على إنتاج نتائج ملموسة وقابلة للاستمرار. وهنا يصبح التحدي أمام مصر والصين هو تحويل الرصيد الكبير من التفاهم إلى أجندة تنفيذية واضحة. المطلوب ليس زيادة عدد الاتفاقات، وإنما رفع كفاءة تنفيذها؛ عبر مشروعات ذات أثر حقيقي، وجداول زمنية واضحة، وآليات متابعة تضمن انتقال التفاهمات من الأوراق إلى الواقع. كما أن استدامة الشراكة تتطلب توسيع قاعدتها لتشمل القطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث والمؤسسات المختلفة، بحيث لا تظل العلاقة رهينة بالقرارات السياسية وحدها، وإنما تتحول إلى شبكة مصالح وخبرات ممتدة قادرة على التطور. وفي هذه النقطة تحديدًا تستطيع مصر أن تستثمر موقعها كبوابة للأسواق العربية والإفريقية، وأن تجعل من التعاون مع الصين جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري وحضوره الخارجي. فنجاح الزيارة، في النهاية، لن يُقاس فقط بما يُعلن خلالها، وإنما بما سيحدث بعدها؛ فالسياسة تفتح الأبواب، لكن التنفيذ هو الذي يصنع النتائج. إذا كانت الشراكة السياسية والاقتصادية تصنع المصالح، فإن التقارب بين الشعوب يصنع استدامتها. ومن هنا تبرز أهمية أن تتجاوز العلاقات المصرية الصينية حدود الحكومات والمؤسسات، لتصل إلى الإنسان نفسه. فالتعاون الثقافي والتعليمي والسياحي، وتبادل الخبرات والمنح والبعثات، وفتح مساحات أكبر أمام الشباب، كلها أدوات لبناء معرفة متبادلة وتكوين جسور تتجاوز الحسابات السياسية والاقتصادية. وتكتسب هذه المساحة أهمية خاصة مع اتساع حضور البلدين في مجالات الإعلام والثقافة والتكنولوجيا والتعليم؛ إذ يمكن للتبادل المعرفي أن يخلق فهمًا أكثر عمقًا للتجربتين، ويمنح الأجيال الجديدة فرصة لرؤية العلاقة من زاوية تتجاوز الصورة الرسمية. والرهان هنا على الأجيال الجديدة؛ لأن ما يُبنى اليوم بين الشباب والطلاب والباحثين ورجال الأعمال هو ما سيحدد شكل العلاقة غدًا. ولهذا فإن الاستثمار في الإنسان قد يكون أكثر ما يمنح الشراكة المصرية الصينية قدرتها على الاستمرار، ويحولها من علاقة بين دولتين إلى جسر طويل المدى بين مجتمعين. في النهاية، لا تبدو الزيارة المصرية إلى الصين مجرد محطة جديدة في مسار طويل من العلاقات، بقدر ما تعكس نضجًا متراكمًا في شراكة باتت أكثر اتساعًا وعمقًا وقدرة على التعامل مع عالم سريع التغير. وقد نجحت القيادة السياسية المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، في إدارة هذه العلاقة برؤية تقوم على الانفتاح دون ارتهان، وتنويع الشراكات دون استقطاب، وتحويل العلاقات الدولية إلى أدوات تخدم المصالح الوطنية وتدعم قدرة الدولة على الحركة. ومن هذه الزاوية، فإن نجاح الزيارة لا يُقاس فقط بما حملته من اتفاقات أو تفاهمات، وإنما بقدرتها على فتح مسارات جديدة للتعاون، وتعزيز الثقة المتبادلة، وترسيخ موقع مصر كشريك يمتلك موقعًا استراتيجيًا ورؤية واضحة لاحتياجاته التنموية ومصالحه الوطنية. ولعل الأهم أن القاهرة وبكين لا تبنيان علاقتهما على ظرف دولي عابر، وإنما على رصيد من الثقة ومصالح ممتدة ورؤية تتطلع إلى ما بعد اللحظة الراهنة. وهذا ما يمنح هذه الشراكة فرصة لأن تصبح أحد المكونات المهمة في صياغة المشهد الإقليمي والدولي خلال السنوات المقبلة. وربما هنا تعود الصورة الأولى التي بدأت منها الحكاية: الصين التي رأيتها لم تكن مجرد دولة نجحت في بناء مصانع ومدن وتكنولوجيا، وإنما دولة قررت أن تجعل المستقبل مشروعًا. ومصر التي تراهن عليها اليوم قيادتها السياسية هي مصر التي تريد أن تتعلم من هذه التجربة، لا أن تكتفي بمشاهدتها؛ وأن تحول الشراكة مع الصين من فرصة إلى قدرة، ومن اتفاقات إلى نتائج، ومن علاقات قوية إلى قوة تصنع بها جزءًا من مستقبلها.فحين تعرف الدولة ما تريد، وتتنوع خياراتها دون أن تفقد بوصلتها، تصبح الشراكات الدولية أكثر من علاقات ومصالح؛ تصبح أدوات لصناعة القوة الوطنية وصياغة المستقبل.
الصين التي رأيتها.. ومصر التي تراهن عليها
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.