آد

آدم فتحي

أوراكل وهوليوود: بنية الاعتراف غير المقصود

Image
أوراكل وهوليوود: بنية الاعتراف غير المقصود سَجّل سهمُ الشركة المتخصّصة في تكنولوجيا المعلومات "أوراكل"، في الثالث من سبتمبر/ أيلول الجاري، قفزة بسبع نقاط. ما أعاد إلى الأذهان الفيديو المسرّب لنائبة رئيس مجلس إدارتها وعضو مجلس إدارة التكتّل الإعلامي والترفيهي (باراماونت) سافرا كاتز، وهي تتفاخر أمام عيون الكاميرات الشرهة بامتلاك شركتها تقنيات مرعبة أتاحتها للجيش الإسرائيلي. سجّل هذا التصريح سنة 2024، وسُرّب يوم 14 الشهر الماضي (أغسطس/ آب) ليثير ضجّة لم تخفت. استعاد الممثّل الشهير مارك روفالو المقطع واتّهم أصحاب الشركة بالتواطؤ في إبادة جماعية بُنيت على نظام فصلٍ عنصريّ. ما يثير اهتمامنا هنا أن الفضيحة لم تُصنع من الخارج، بل استُخرجت من فائض ثقة السلطة بنفسها، من تلك اللحظة التي تنسى فيها القوة أن ترتدي قناعها، فإذا بها تعترف بجرمها أمام الجميع من دون أن يسألها أحد. اتهمت كاتز الممثّلَ روفالو بتوظيف خطاب معادٍ للسامية، وهي التهمة الروتينية الجاهزة لهذا السياق. ونفى هو الاتهام ووصفه بالصادم وغير الأمين. ينتبه المتابع لمبارزة الإدانة والتبرئة هذه إلى أن ما يجري ليس صراعاً أخلاقياً طارئاً على صفقة تجارية ضخمة بقيمة 111 مليار دولار، بقدر ما هو كشفٌ عن بنية عميقة واحدة يتقاسمها من يصنع الصورة ومن يصنع الاستهداف. رأى المفكرُ الفرنسي بول فيريليو في دراسته العلاقة بين الحرب والسينما أن الآلتين وُلدتا من رحم واحد. فهما يتقاسمان منطق التأطير والرصد وقياس المسافة بالضوء لا بالخُطى. وما يجمع اليوم بين عملاق البيانات "أوراكل" وإمبراطورية الترفيه "باراماونت" ليس تمويلاً عابراً، بل هو تشابك مصالح رأسمالي يُعيد إنتاج المصالحة بين توءمين افترقا شكلياً وظلّا واحداً في الجوهر: آلة تُنتج الوهم لتُسلّي وأخرى تُنتج الرصد لتقتل. هنا يكتسب تجرّؤُ الفنّان على هرم المال والسياسة قيمته، فهو يكسر وظيفة المبدع الحيادي داخل آلة الترفيه، ويسقط القناع عن سينما الوهم حين تموّلها أذرع الرصد العسكري نفسها. لم يعد الرفض هنا مجرّد موقف أخلاقي عابر، بل صار صرخة ضد تدجين الثقافة، وتأكيدَ أنّ آلة التوجيه الإعلامي لا تملك احتكار السردية بالكامل. لا يتّضح التشابك المذكور إلا بتشريح المنظومة التي تحكمه، وبالانتباه إلى أنّ قفزة أسهم "أوراكل" الأخيرة، أمارة أخرى على أن من أدين أخلاقيّاً يُكافَأ ماليّاً في اللحظة عينها. كأنّ السوق وحده، من بين كل الشركاء، لا يعرف الخطيئة. تشير الروابط الوثيقة بين شركات وادي السيليكون والقطاعات العسكرية والترفيهية إلى نسق مؤسّسي يتجاوز مجرّد التحالفات الفردية إلى استراتيجية كاملة للهيمنة، تُغذَّى في مخابرها خوارزمياتُ الاستهداف بالبيانات الضخمة، في حين يُستعمل الإعلام لتوجيه الرأي العام أو تحييده. هنا بالذات يكتسب النقد التجريدي جسده الواقعي، فالسياسة والتكنولوجيا لا تُستدعيان هنا لإعادة سرد الأحداث اليومية، بل لكشف البنية المؤسسية التي تُحوّل مكابس الضوء إلى قرارات إبادة. ورثت الكاميرا من هذا المشهد وظيفة التوثيق الصارم والشفاف، فالعدسة لا تقرأ الباطن كالفراسة التراثية، بل تسجل النص المباشر والمنطوق الصريح من دون مواربة. لم تكذب كاتز في مقطعها بل صدقت أكثر مما ينبغي، وهذا نوعٌ نادر من الخطايا في عالم السياسة: أن يُعاقَب المرء لا على كذبه، بل على صدقه غير المحسوب أمام أقرانه. ولعلّ العودة إلى أرشيفها القديم توضح أن هذا الصدق لم يكن زلّة طارئة: ففي رسالة خطّتها بيدها سنة 2015 إلى رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، أوصت بأن على قومها "خوض المعركة" لغرس محبّة الكيان في الأطفال الأميركيين قبل بلوغهم الجامعة. لم تفضح الكاميرا سرّاً، إذن، بقدر ما أعلنت، بصوتٍ مسموع عن مشروع كان في الظلّ. وإذا كان اسم الشركة "أوراكل" يعني في أصله اللاتيني العرّافة، ذلك الصوت المنبعث من عمق المعبد ليُخبر بالتوقّعات، فإن المفارقة الختامية تكتب نفسها من دون حاجة إلى بلاغة مضافة: لم تحتج العرّافة، هذه المرة، إلى كاهن يُترجم كلامها الغامض للعامة، لأنها نطقت بنفسها، وعلى الملأ، وبصوت لا لبس فيه، فتحققت نبوءتها بأسرع مما تحمل أي أسطورة، لا لأنّ الآلهة تكلمت، بل لأن السلطة حين تطمئنُّ إلى أنها بين أهلها، تنسى أن كل كاميرا هي اليوم شاهد غير مسمّى، وأن العالم بأكمله صار يراقب الفضيحة من داخل المعبد نفسه.
أوراكل وهوليوود: بنية الاعتراف غير المقصود
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.