عب

عبد القادر الشاوي

المغرب وإسبانيا: الجِوَار المستحيل

Image
المغرب وإسبانيا: الجِوَار المستحيل ربما لم يسبق أنْ كان للنشطاء السياسيين المغاربة المنتسبين إلى المجتمع المدني (قوةً مضادّةً، من حيث التعريف والمبدأ)، أيُّ دورٍ في "تدبير" العلاقة القائمة بين المغرب وإسبانيا، لأن جهاز الدولة بمختلف مؤسساته ووظائفه، بطبيعة الحال، هو من يتولى هذا بوصفه الفاعل التقليدي في تلك العلاقة، سلباً وإيجاباً، والماسك قضاياها والمتحكّم في أطوارها. ويبدو جلياً أن الهجرة الجماعية الكبرى، الثانية، يومي 30 و31 الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، أحاطت بمدينة سبتة من كل الجهات الإنسانية والاقتصادية والأمنية والجغرافية، بحيث لم يعد فيها متسعٌ لمزيد من البشر الذين بلغ تعدادهم في أقل من يومين ما يفوق ربع مليون شخص. وبقطع النظر عن الآراء والتصورات الرسمية وغير الرسمية، والتحليلات المتناقضة والأساليب التنكّرية التي عالجت وقائعها، تحولت الإحاطة المشار إليها إلى حصار إنساني وَلَّد على الصعيد الداخلي، أي في مدينة سبته ذاتها، وفي علاقة بالسلطة المركزية، قضيتين كبيرتين دار بشأنهما صراع مرير، بعضه صامت وأغلبه شرس كَشَّر عن أنياب عنصرية حادة: أما الأولى، فللحكومة الإسبانية بقيادة الاشتراكيين وحلفائهم من اليسار والقوميين، فأصبح من المؤكد، بناء على ما يروج في الأوساط الإسبانية من صراعات، أن القوى اليمينية، (وحليفها المتطرّف العنصري فوكس Vox) تريد تفجير أزمة دستورية بين صفوفها وفي مؤسّساتها المنتخبة، بل لعلها أصبحت تتطلع بقوة إلى إسقاط الوضع القائم وتركيع القائمين عليه، والظفر، قبل الأوان، بسلطة الحكم الذي يسعون إلى الفوز به منذ أن أزيحوا عنه قبل سنوات خلت. القضية الثانية للمغرب الذي انطلقت الهجرة الجماعية من أراضيه، فكان لها، بعد أن ظهرت "غزوة" شبه منظّمة أغارت على مدينة آمنة، من التداعيات الشيء الرهيب الذي أصاب الصورة والطموحات والحقائق التاريخية المُكَرّسة والأكاذيب الرائجة وطبيعة السلطة المتنفذة وواقع النظام الحاكم ومستوى وَعْيِ الشعب وطبيعة قياداته وأطره التنظيمية ونخبه والمشاريع الكبرى المذكورة في الخطب والبيانات والأسئلة النيابية... فضلاً عن الاستغلال والتحكّم، إلى جانب من أصيبوا، وهم بالملايين، من مغاربة بلدان المهجر الذين، فيما يبدو، تضرّروا معنوياً بدون استئذان ولا إعلام. وكانوا، فيما يَدّعون بما اختزنوه من كرامة، لِلضَّرَر جاهلين... إلخ. تحول المجتمع المدني الافتراضي (الشبكات أيضاً) إلى "فاعل" تكنولوجي رمزي، وهو مؤثر، إلى جانب الدولة، في تدبير العلاقة الثنائية بين البلدين والتدخل في أخص قضاياها يمكن فهم التطورات على الجبهة الإسبانية بموقف الرغبة المحمومة التي يبديها اليمين، وصنوه المتطرف العدواني، لتغيير موازين القوى وإسقاط الحكومة القائمة. وعلى هذا الأساس، شرع في تقليب مختلف الأفكار التي يمكن أن تصيب الهدف، معلناً بها، في الظاهر، تضامنه مع الحكومة المحلية في سبتة من جراء الغزو الذي قلب أوضاعها وأسكن أهلها المتعايشين سلمياً، كما يقولون، مع أربع ديانات، في دوامة من الخوف، وموجهاً، بتلك الأفكار نفسها، سهامَ النقد إلى الحكومة المركزية متهماً إياها بالتقصير، بل بالتواطؤ مع "الغزاة" والتسليم بفكرة "التآمر المغربي" على سيادة الدولة الإسبانية والحدود الجنوبية للاتحاد الأوربي، بالإضافة إلى تلك الرغبة الجنونية في استنطاق الوزراء، المشار إليهم بالاسم والصفات والألقاب القدحية، في مجلس الشيوخ... إلخ. وهو ما نقل فصلاً من هذا الصراع إلى الاتحاد الأوربي نفسه حين ادعت بعض الدول (إيطاليا بالخصوص) أن إسبانيا لم تعد أهلاً لأية حماية، ولا قدرة لها على مراقبة الحدود وصَدّ الهجرة السرّية. وفي الجبهة المغربية لم يكن الصمت هو المطلوب أمام الحملات الإعلامية، والادعاءات المفترضة، والاتهامات المزعومة التي ادعت عليه الغزو والمؤامرة والرغبة في افتداء المدينة المحتلة، وزادت في ذلك أن عَرَّت البلاد بقسوة وَتَشَفّ تاريخاً وشعباً ونظاماً حاكماً، تجاوزت بكثير، من حيث الدلالة، ما عَرَّته الصُّور الفاضحة التي طار بها الإعلام إلى كل الشاشات الإخبارية والمواقع التواصلية في العالم، أي ما مفاده طبيعته بلداً متخلفاً، تقليديّاً، فقيراً، فاسداً ومستبدّاً، تتسم أوضاعه، في رأي مختلف المعلقين والمتتبعين الإسبان، فوق ذلك، باليأس الذي يحسه الشعب ويعيشه من جرّاء استفحال المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، وتراه لذلك يريد الانتفاض بالهجرة الجماعية بحثاً عن آفاق رحبة قد ينعم فيها بالحصول على عمل مجد وكرامة مضمونة، مع اعتراف بالحقوق الأساسية التي تُشْعِرُه بالحرية. ويبدو لي، في هذا السياق، أن فئات مختلفة من نشطاء المجتمع المدني، إلى جانب من يسمّون أنفسهم المؤثرين وصنّاع المحتوى، أصبحوا على وعي معين، يتنامى باطّراد، بطبيعة العلاقة القائمة بين المغرب وإسبانيا، تاريخياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً وعسكرياً كذلك، وربما على اهتمام ملحوظ بالتدخل، ولو كان إرادياً مستقبحاً، في شؤون تلك العلاقة ومحاولة التأثير في مجرياتها على وجه من الوجوه. استراتيجية تدبير الأزمات بين المغرب وإسبانيا ظرفية في الأساس، وليست متكافئة بحكم الطبيعة الدستورية للنظاميْن السائديْن على المحلل أن يستحضر باستمرار أن الدولة الإسبانية، بصرف النظر عن طبيعة الحكومات التي سيّرت شؤونها، خصوصاً في السنوات العشرين الأخيرة، لم تكن العامل الأول ولا الحاسم في تدبير العلاقة مع المغرب إلا بصورة استثنائية، أو فيما يتصل بالشؤون العامة ذات الارتباط بالسياسات الدولتية المعتمدة في العلاقات الثنائية بين البلدان. أعني بهذا أن التطور التدريجي للمجتمع المدني والسياسي (أحزاب ونقابات) ومراكز الضغط واللوبيات ذات التوجه اليميني واليساري معاً، ووسائل الإعلام الرسمية والخاصة، خصوصاً منذ بداية الانتقال السياسي الديمقراطي (1975)، تحول إلى حركة ضاغطة تتأثر بها وتتفاعل معها جميع السياسات المرتبطة بالعلاقة الثنائية. ولكل مهتم بالعلاقة هذه أن يدرك، بصورة جلية، كيف أن بعضهم من تلك المؤسسات، أو جلها، في عهود الحكومات الاشتراكية واليمينية المتعاقبة، فجرت قضايا كبرى، غالباً ما اكتست طابع الأزمة، في تلك العلاقة. ولو تقيدنا حصراً بقضية الصحراء ومدى تجاوب (شبكات المجتمع المدني الإسباني) منذ عهود معها على جميع المستويات، بقطع النظر عن اعتراف الحكومة الحالية بالحكم الذاتي في إطار التصور الأممي، لأمكن أن نرى أشكالاً لامتناهية ومبتدعة أيضاً من الدعم اللاعقلاني المطلق إلى الاحتضان العاطفي المثير للاهتمام في أحيانٍ كثيرة، ولأمكن أن نلاحظ مدى التأثير الممارس بفعل هذا في الضغط على المغرب الرسمي لعرقلة سياساته ورمي خططه المتعلقة بالموضوع بأوصاف كثيرة قدحية صادرة عن خطاب عنصري ويسراوي مناوئ لا حدود لأوهامه. بل يمكن أن يقال الشيء نفسه، مع اختلاف في الظروف والسياقات، في ما يخص باقي القضايا الأخرى العالقة بين المغرب وإسبانيا كالصادرات الفلاحية، والصيد البحري، والهجرة الرسمية والسرية وسوى ذلك. فالذي يحدث في العلاقة الثنائية اليوم بين المغرب وإسبانيا، ولعله يكتسي طابع الجدة، هو تحول المجتمع المدني الافتراضي (الشبكات أيضاً) فيهما معاً إلى "فاعل" تكنولوجي رمزي، وهو مؤثر، إلى جانب الدولة، في تدبير تلك العلاقة الثنائية والتدخل في أخص قضاياها. ومهما بدا أن هذا التحول مُرَاقَب يؤشّر على وجود وعي قد يصبح، مع الوقت، دوراً بارزاً من السهولة أن يؤثر، أو يتحكم، في جميع القضايا العالقة بين البلدين بروح الاحتجاج، أو المطالبة الوطنية التاريخية والتحرير، أو صيغ الابتزاز التي قد يُراد بها الإخضاع لهذا الطرف أو ذاك... إلخ. وقد يترتب عن وجود ذلك الدور التزامات وتوجهات ومواقف لا يمكن تجاهلها، أو لا يمكن لإسبانيا بالخصوص أن تتجاهلها في المستقبل. أما إذا أصبح للدور المشار إليه مغربياً، تبعاً لمصالح ما، أو بالوكالة، "سلطة" ما في إسبانيا من خلال تجنيد الجالية المغربية المقيمة فيها بصفة قانونية، فإن ذلك سيكون فاصلاً في تحديد العلاقة بين البلدين خضوعاً لمؤثرات جديدة في المستقبل، وفي مقدمتها انتصار اليمين وصنوه المتطرّف في الانتخابات الإسبانية القادمة والتراجع، وهذا أحَدُّ ما قد يؤلم النظام الحاكم، عن موقف مناصرة الحكم الذاتي والاعتراف الصريح بالجمهورية الصحراوية المزعومة. خلاصتي أن استراتيجية تدبير الأزمات بين المغرب وإسبانيا ظرفية في الأساس، وليست متكافئة بحكم الطبيعة الدستورية للنظاميْن السائديْن رغم التشابه الظاهر على المؤسّستين (الملكية التنفيذية والملكية البرلمانية)، أضف إلى ذلك أنها معرّضة باستمرار للاحتمالات المتفاعلة من حيث التأويل السياسي، فتتأثر وتنقلب وتلتبس أيضاً بخطط وطنية (السيادة) أو عنصرية (الذهنيات). والأهم أن القضايا الجوهرية المستحكمة في العلاقة بين البلدين، ولا تبرز إلا في الأزمات، لم تحسم بأيٍّ من أشكال التفاهم، أو غيره، منذ القرن السادس عشر (سبتة منذ 1580، ومليلية منذ 1497)، وهذا ما يجعلها عرضة للأهواء العاصفة وللعواطف الملتهبة وللمؤامرات المتلاعبة بالجوار وبالسلم.
المغرب وإسبانيا: الجِوَار المستحيل
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.