بس

بسمة النسور

في المغرب حيث التنوّع والدهشة

Image
في المغرب حيث التنوّع والدهشة بعد غياب بضع سنوات عن المغرب، حطّت رحالي في الدار البيضاء. لم تتغيّر المدينة كثيراً، لعلّها ازدادت ازدحاماً. تجوّلت أولاً في سوق باب مراكش، حيث روائح الجلود النفّاذة والتوابل والعطور، والبضائع زاهية الألوان، والعربات المحمّلة بفاكهة الصيف. قلت لرفيقتي في السفر: لن تتذوّقي أشهى من فاكهة المغرب. اتجهنا إلى كورنيش عين الذئاب، الساحل الأكثر حيويةً وشهرةً، المكتظّ بأصناف البشر كافّة، مواطنين وأجانب. واختتمنا الجولة في مسجد الحسن الثاني، التحفة المعمارية الإعجازية المذهلة، المشيّدة على الماء. شفشاون، الزرقاء البديعة على سفح جبال الريف وسط طبيعة خلابة، مدينة أسّسها الأمير مولاي علي بن راشد، من سلالة الأدارسة، لإيواء مسلمي الأندلس عام 1471، ولتكون قلعةً حصينةً ضدّ التوسّع البرتغالي. في شفشاون، حيث الجمال ملقى على الطرقات، كانت فسحة للاسترخاء والتأمل في فكرة البساطة التي تميّز المدينة العتيقة وسكّانها، المزيج المتجانس من الأمازيغ والعرب، ويؤمّها آلاف الزوار يومياً، يستمدّون من روحها سكينةً وطمأنينة. جولات بين الأزقة والقصبة، وطقوس احتساء الشاي في ساحة وطاء الحمام. في طنجة، تستحضر محمّد شكري رغماً عنك، وأنت تغذّ الخطى باتجاه مقهى الحافّة المطلّ على الأطلسي، وسواحل إسبانيا ماثلة أمام ناظريك، حيث اعتاد شكري الجلوس وتأمّل البحر والكتابة. تصعد إلى حيث يلتقي الأطلسي بالمتوسّط. اكتظاظ كبير بالمجموعات سياحية، والكلّ يسعى إلى التقاط صورة مع اليافطة التي تؤكّد حضورهم في تلك البقعة النادرة. تبهرك مشاهد الغابات الكثيفة والقصور الغنّاء داخلها، وتستمع إلى حديث السائق الدمث، الذي يحاول جاهداً الكلام بلهجة واضحة عن تفاصيل المكان، وتنهي يومك بجولة في المدينة القديمة حتّى باب البحر. تسحرك الأبواب الملوّنة والنوافذ المزدحمة بأصص الورود والفلّ والياسمين. في الرباط، ستبهرك المدينة التي اختلطت فيها الحداثة بالعراقة. بنايات ضخمة، وشوارع واسعة نظيفة ومضاءة، وبيوت فارهة بأسوار مغطاة بالكامل بشجيرات "المجنونة" بمختلف الألوان، يسمّونها في المغرب "الهبيلة". ثمّ تأسرك المدينة العتيقة بأسواقها وأزقّتها. قضينا يوماً جميلاً في ضيافة الشاعرة المغربية الجميلة ثريا مجدولين، قبل أن تصطحبنا في جولة مذهلة عبر مدينتها الأنيقة العريقة. وفي مراكش، المدينة الحمراء المذهلة، كان لا بدّ من ضجيج ساحة الفناء: باعة متجوّلون، وحواة، وقارئات الطالع، ومدرّبو الأفاعي الراقصة على وقع الموسيقى، وأطعمة الشارع، والسوق المغطى المزدحم، قبل أن نلوذ بحديقة ماجوريل، حيث الجمال والعذوبة والسلام والهدوء والرقّة، واللون الأزرق النيلي، يطغى على المكان الذي يغوي بالصمت، لولا زقزقة العصافير التي لا تتوقّف احتفالاً بالحياة. كانت الصويرة (أو موغادور) نهاية المطاف لرحلتنا المغربية، التي شهدنا فيها ذلك التنوّع والخصوصية لكلّ بقعة من أرض المغرب الشاسعة. مدينة صغيرة وادعة، يسمّونها مدينة الرياح، شبه جزيرة تتكئ على الأطلسي، تتميّز بطقس معتدل طوال أيام السنة، ويتميّز أهلها بالطيبة والكرم. تلمس هذا بسهولة عند التجوّل في أسواق المدينة القديمة، التي ترحب بك من كلّ أبوابها: باب السباع، وباب البحر. ويتاح لك التعرّف إلى موسيقى الكناوة الصوفية، التي تشتهر بها الصويرة، ولاقت رواجاً كبيراً في العالم، سيّما بين الشباب. كانت في البدء موسيقى خاصّة بالعبيد المحرَّرين الذين استخدموا الأصفاد الحديدية التي كبلت أقدامهم أدواتٍ موسيقيةً كي يسردوا حكاية الأسر والانعتاق والتوق الذي لا ينتهي إلى الحرّية. استقبلنا بكلّ الحبّ ابن الصويرة، الشاعر والتشكيلي سليمان الدريسي، الذي اصطحبنا إلى أجمل الأماكن فيها، وعرّفنا إلى مثقّفي المدينة وفنانيها، عرباً وأوروبيين، اختاروا الإقامة في تلك البقعة المكوَّنة من مزيج الجمال والأصالة والتاريخ السحيق. وعلى الرغم من أنّ المغرب يشهد حالياً حركة عمران، وتعبيد شوارع وصيانتها، وإنشاء ملاعب، استعداداً لكأس العالم التي ستُقام على أرضه عام 2030، غير أنّ هذا لم يحد من أفواج السيّاح الكثيرة القادمة إليه من بقاع العالم كافّة. مؤكّد أنّ زيارة المغرب لا تشبه زيارة أي بلد آخر، ولا يمكن عدّها سياحة بالمعنى الاستهلاكي التقليدي، لأنّها زيارة حمّالة أوجه لفرط تنوّعها، وهي تمنح لمن يرغب في الدهشة وجبة معرفية وثقافية وفنّية وجمالية متكاملة، تملأ الروح أملاً وتجدّداً، وتمكث في الذاكرة والوجدان أمداً طويلاً.
في المغرب حيث التنوّع والدهشة
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.