مع

معن البياري

يموتون في سجونٍ عربية

Image
يموتون في سجونٍ عربية كانت مفرحةً غضبةُ السوريين الواسعة من وفاة الشاب محمد غميرة، منتصف الشهر الماضي (أغسطس/ آب)، إثر تعرّضه لضربٍ شديدٍ في مخفر شرطةٍ في محافظة اللاذقية. وقد أخذ النبأ المؤسف مساحة عريضة من مشاغل وسائط الإعلام ووسائل التواصل في سورية وخارجها. ودلّ تشكيل وزارة الداخلية لجنة تحقيق، سارعت إلى إعلان نتائجه التي حدّدت المسؤوليات في الواقعة، على حساسيةٍ عاليةٍ لدى السلطة في دمشق من غضب الرأي العام في شأنٍ شديد الأهمية كهذا. أما في تونس، فقد انقضى أكثر من أسبوع على إشهار الرابطة التونسية لحقوق الإنسان أن خمس وفيات وقعت في سجنَيْن في هذا البلد في يوم واحد، بسبب الحرارة الشديدة فيها، من دون أن يُصادَفَ تعقيبٌ من السلطة في هذا البلد. وقد أفاد رئيس الرابطة، بسّام الطريفي، بأن الإقامة في سجونٍ تعاني من الاكتظاظ ونقص شروط النظافة، إلى جانب انقطاع الماء والكهرباء وموجة الحر الشديدة، عوامل وفرت ظروفاً أدّت إلى "هذه الكارثة". ومن عجائب لم تعد مستغربةً في تونس قيس سعيّد أن منظماتٍ حقوقيةً أخرى تحدّثت عن وفاة 20 نزيلاً في السجون بسبب هذا كله، ومن ذلك أن تحرّك "نَفَس" قال، في بيان له في 30 أغسطس، إن المعلومات تفيد بتسجيل حالات اختناقٍ ووفياتٍ بين السجناء. ولكن السلطة البكماء، أمام توالي هذه الأنباء التي تشيع في النفوس سويداء حادّة، لم تر في الأمر ما يدفعها إلى أي قول، ما يؤكّد استخفافها بحياة المواطنين وكراماتهم في السجون وخارجها. يلتقي (يتشابه) هذا السلوك مع خرسٍ تواظب عليه السلطات المصرية بشأن أنباء وتقارير دورية عن وفياتٍ في سجونها، وإن يحدُث، في حالاتٍ شحيحة، أن تعلن بنفسها عن بعض هذه الوفيات، وأن تحاول التهوين من مسؤولياتها في وقائع مشهودةٍ كهذه، نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي أو كليهما. وهذا مركز الدعم والإعلام والتنمية (دام) أفاد، في تقريره في فبراير/ شباط الماضي، بأن السجون ومراكز الاحتجاز شهدت 78 حالة وفاة في العام الماضي (2025)، نتيجة سوء الرعاية الصحية وشبهات تعذيب، وأن ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الوفيات مقارنة بـ57 حالة في العام السابق. ومفزعٌ تالياً أن مصر شهدت 24 حالة وفاة للاجئين وطالبي لجوء ومهاجرين في أماكن الاحتجاز أو في أثناء إجراءات التوقيف والنقل والاحتجاز تمهيداً للترحيل، من ديسمبر/ كانون الأول إلى يوليو/ تموز الماضيين، بحسب منصّة اللاجئين في مصر. ومن شديد الوجوب أن يُثنى على هيئاتٍ ومنصاتٍ ومنظماتٍ حقوقيةٍ مصريةٍ تنشط في توثيق الانتهاكات الواسعة في السجون والمخافر ومراكز التوقيف في بلادها، وفي رفع الشكاوى والاحتجاجات إلى المواقع المعنيّة في السلطة، وكذا إلى هيئات أممية ودولية. يحيل الحديث في هذا الملف إلى ما يحسبه صاحب هذه السطور باهظ الأهمية، الخرس المريع لدى مثقّفين عرب، بعضهم يُلحق نفسه بالتنوير، بشأن فظاعاتٍ مريعةٍ في السجون العربية، وفي البال أن أكثر من 1400 نزيل قضوا في السجون المصرية منذ الانقلاب العسكري المعلوم في 2013. وهذا العسف المتواصل في تونس، ولا عنوان له سوى عبث ديكتاتوريةٍ رثّة، لا يُغضب مثقفين عرباً، وفي مقدّمتهم تونسيون، ففي أعرافهم أن سنوات السجن التي حكم بها راشد الغنوشي (هل من أحد عدّها؟) لا يليق الالتفات إليها، فالرجل سلفيٌّ إخوانيٌّ رجعيٌّ إسلامي، وتقدّميتهم لا تحفل بحقوق مواطنٍ من هذا اللون. كما هو المصري المحترم عبد المنعم أبو الفتوح، الذي يُستضاف سجيناً منذ ثمانية أعوام، وليس سوى الأحقاد البغيضة بواعث لدى صانعي القرار في البلدين تجاه الرجليْن تُبقيهما (وغيرهما كثيرون) في محبسين رديئيْن. لواحدنا أن يقول، في هذا المقام، إن ركاكة مثقفين عرب كان الظن أنهم على شيءٍ من المبدئيّة (والمناقبيّة)، بخصوص مواطنين عرب يموتون في السجون، توفّر لأهل الحكم الفاشلين في غير بلد عربي بعض طمأنينة، وذلكم الراحل سعد الدين إبراهيم، وقد كان من أبرز دعاة حقوق الإنسان في العالم العربي في أطوار مضت، شاهدٌ على هذا، فقد أفرط في ذيليّته للرئيس عبد الفتاح السيسي، وفي صمت أبي الهول الذي أقام عليه فيما أنباء فظاعات انتهاكات حقوق الإنسان في بلده أمام ناظريْه... لكنها طمأنينة سيحينُ حينٌ وتغادر.
يموتون في سجونٍ عربية
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.