مح

محمد أحمد بنّيس

عُقدةُ الأندلس... الذاكرةُ الإسبانية المُحاصَرة

Image
عُقدةُ الأندلس... الذاكرةُ الإسبانية المُحاصَرة أحدثت أزمة الهجرة في مدينتَي سبتة ومليلية المحتلّتين هزّةً غير مسبوقة في العلاقات المغربية الإسبانية. فلم يكن ما حدث مجرّد أزمة عابرة بين البلدَين، مثل أزمة 2021، بل لحظة مفصلية استُعيدت فيها المخاوف التاريخية الكامنة في اللاوعي الجماعي الإسباني والإيبيري بشأن المدينتَيْن والجزر والصخور المتوسّطية الخاضعة للسيادة الإسبانية في شمال المغرب. وهو ما يكشف ذاكرةً إسبانيةً محاصَرةً بهواجس التاريخ والجغرافيا التي تشكّلت عبر قرون من الصراع والتوتّر بين ضفَّتَي البحر الأبيض المتوسّط. لا ينظر اليمين الإسباني، بطيفَيه، المحافظ والمتطرّف، إلى الأزمة بوصفها حدثاً عابراً بوسع البلدَيْن تخطّيه والحدّ من تبعاته على منظومة علاقاتهما، بقدر ما يتعاطى معها بروح "حروب الاسترداد" (Reconquista) التي يُفترض أنّها انتهت مع سقوط غرناطة (1492). فحين يقتحم عشرات الآلاف من المهاجرين سياج سبتة، فإنّ هذا اليمين، ومعه قطاعٌ واسعٌ من النُّخب الإسبانية التقليدية، لا يرى فيهم مجرّد أشخاص هاربين من الفقر والبطالة والتهميش، بل "غزاة" يُعيدون الإسبان إلى سياق حروب الاسترداد. تنبني الذاكرة الجماعية الإسبانية على سردية "الاسترداد" الذي أنهى الوجود العربي والإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية. وقد أفرزت هذه السردية هَوساً أمنياً مزمناً بحماية السواحل الإسبانية الجنوبية، وجعلت من المغرب، بصفته الوريث الجغرافي والثقافي والاجتماعي لـ"الموروس" (Los Moros)، مبعثَ تهديد وجودي للهُويّة الإسبانية (القشتالية المسيحية). من هنا، تغدو سبتة ومليلية في المخيال الإسباني بمثابة "الثغرَيْن الأخيرَيْن" اللذَيْن يتطلّبان التحصين والحماية الدائمَيْن في مواجهة أطماع المغرب/ الموروس. يسوّق الإعلام المحسوب على اليمين صورة عن إسبانيا الحصن الأخير الذي يذود عن حياض "الحضارة الغربية" هذا التوجّس التاريخي ليس وليد المصادفة، بل هو امتداد لسجال فكري وتاريخي شكّل الملامح الرئيسة للهُويّة الإسبانية، وتبدّى بوضوح في السجال الشهير الذي دار في أربعينيات القرن العشرين وخمسينياته، بين المؤرّخَيْن أميريكو كاسترو (1885 - 1972)، وكلاوديو سانشيز ألْبورنوث (1893 - 1984) حول الهُويّة الإسبانية. فبينما رأى كاسترو، في كتابه "واقع إسبانيا التاريخي" (1948)، أنّ هذه الهُويّة تشكّلت من خلال تعايش المسيحية والإسلام واليهودية، وأنّ الأندلس جزء لا يتجزّأ من النسيج الوطني والاجتماعي والثقافي الإسباني، اعتبر ألبورنوث، في كتابه "إسبانيا: لُغزٌ تاريخي" الذي أصدره من منفاه بالأرجنتين (1956)، أنّ الأندلس كانت "مقطعاً عارضاً" و"انحرافاً طارئاً"، في تاريخ إسبانيا، لم ينل من الجوهر المسيحي للأمة الإسبانية. وعلى الرغم من جهودٍ بذلها المجتمع العلمي والأكاديمي، في إسبانيا والمغرب، في طريق توسيع هوامش التاريخ الاجتماعي والأهلي والثقافي المشترك بين الضفّتَيْن، ودراسة التاريخ الاجتماعي للشتات الموريسكي، وتعزيز التبادل الثقافي، وغير ذلك، إلّا أنّ أطروحة ألبورنوث تبدو أكثر تعبيراً عن الوجدان الشعبي الإسباني في تعاطيه الراهن مع أزمة سبتة بوصفها "غزواً مغربياً جديداً"، يستدعي المواجهة من أجل حماية حدود الأمّة الإسبانية، التي تشكّلت تاريخياً عبر ملحمة "حروب الاسترداد" التي بدأت بانتصار جيش دون بيلايو (ملك أستورياس) على جيش علقمة اللخمي في معركة "كوفادونغا" (Covadonga) الشهيرة (722)، وانتهت بتسليم أبو عبد الله الصغير، آخر ملوك بني الأحمر، مفاتيح غرناطة للملكين فرديناند وإيزابيل في 2 يناير/ كانون الثاني 1492. يوظّف اليمين المتطرّف الإسباني "عقدة الأندلس" في مواجهة أزمة الهجرة، عبر استنفار "ذاكرة الصراع" مع المغاربة، وتطويعها من أجل فرض سياسات وتدابير معادية للمهاجرين والأجانب بوجه عام، بما يحوّل الذاكرة الجماعية، بتعبير المؤرّخ الفرنسي جاك لوغوف، إلى أداة طيّعة لإذكاء الصراع. ولا مبالغة في القول، إنّ الخطاب السياسي الإسباني، بروافده اليمينية المحافظة كلّها، والمتطرّفة وحتّى اليسارية، الذي يرى في أحداث سبتة تهديداً وجودياً لبنيتها الديمغرافية وهُويّتها الثقافية (المسيحية)، هو الابن الشرعي لأطروحة ألبورنوث اليمينية المحافظة. فتتحوّل الهجرة من جنوب المتوسّط إلى شماله، وفق هذا الخطاب، من ظاهرة عالمية تختزل التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية الصارخة بين الشمال والجنوب إلى صراع هُويّاتي وقومي مفتوح يرهن الذاكرة الإسبانية ويجعلها أسيرةَ هاجس "الاسترداد". كان لافتاً تكرار لفظَي "الغزو" (Invasión) و"الغزاة" (Invasores) في وسائل إعلام إسبانية في غضون تناولها أحداث سبتة. صحيح أنّ الصحف المحسوبة على اليسار، مثل إِلدياريو (El Diario)، وألباييس (El País) قد تناولت الأحداث بوصفها "أزمةً حدوديةً غير مسبوقة" أو "حالة طوارئ إنسانية"، إلّا أنّ الصحف المحسوبة على اليمين المحافظ، مثل إِلموندو (El Mundo)، لاراثون (La Razón) كانت أكثر تشدّداً في تناولها الأحداث، فلم تتردّد في استعمال لفظَي "الغزو" و"الغزاة" بكلّ حمولتهما التاريخية والثقافية. يهدف اليمين الإسباني، بإحالته إلى معجم "حروب الاسترداد"، إلى شيطنة الآخر (المغربي) بتحويل المهاجرين الذين اجتازوا سياج سبتة إلى "غزاة" يريدون استعادة الأندلس، أو بمعنى أصحّ، ربط صورتهم، وهم يقتحمون سياج سبتة، بثمانية قرون من الغزو والغزو المضادّ وحروب الثغور المتأخّرة التي أعقبت سقوط غرناطة، بما يعنيه هذا، طبعاً، من إيجاد حالة هلع جماعي داخل المجتمع الإسباني تكون مبرّراً لاتخاذ تدابير أمنية متشدّدة على حدود "الجار غير الموثوق به" (المغرب)، وتكريس صورةٍ نمطيةٍ سلبيةٍ عن "الموروس"، تُحرّض على الكراهية وتغذّي الإسلاموفوبيا ونبذَ الآخر. ذلك كلّه في مسعى إلى إعادة إنتاج "الأندلس" في الوعي الجماعي الإسباني باعتبارها مصدر تهديد جيوسياسي وديمغرافي وثقافي دائم، يربط حاضر البلاد ومستقبلها بإرثها القشتالي المشتبك، قروناً، مع الممالك والإمارات والطوائف العربية التي حكمت أجزاءً واسعةً من شبه الجزيرة الإيبيرية ما بين 711 و1492. وفي ضوء ذلك، تُفهم دلالات ربط الإعلام الإسباني، ولا سيّما المحسوب على اليمين، "الأندلس" بـ"التوسّعية المغربية" (El Expansionismo Marroquí) من جهة، والتنظيمات الجهادية العابرة للحدود التي لا تزال ترى في الأندلس "أرضاً إسلاميةً سليبةً" ينبغي تحريرها من جهة أخرى. في المنحى نفسه، يخوض اليمين المتطرّف الإسباني معركةً شرسةً ضدّ المناهج والبرامج التربوية المعتمدة في بعض أقاليم الحكم الذاتي، فلا يتوقّف عن اتهام حكوماتها الإقليمية بـ"تبييض الغزو العربي الإسلامي" (711) وتقديم صورة زائفة عن "الأندلس" واحةَ سلام وتعايش وتسامح، من دون الخوض في ما يصفه بـ"قمع الإمارات والممالك والطوائف العربية للسكّان الإسبان الأصليين والتضييق عليهم لقرون". بالموازاة، يسعى الإعلام المحسوب على اليمين إلى تسويق صورة عن إسبانيا من زاوية الحصن الأخير الذي يذود عن حياض "الحضارة الغربية" في مواجهة ما يعتبرهم "جحافلَ الهمج" القادمين من الجنوب، والمهدّدين للهُويّة المسيحية والأوروبية للبلاد. وهو ما يكشف سردية "الضحية المُستهدَفة"، فعندما يتحوّل معبر طاراخال الحدودي إلى بؤرة لأزمة هجرة مُستجدَّة بين إسبانيا وأوروبا من جهة، والمغرب من جهة أخرى، ينزاح النقاش عن سياقه الدولي الراهن المقترن بأزمة الهجرة وتحدّياتها، ليغدوَ منحصراً، عن وعيٍ أو من دون وعيٍ، في فزّاعة "غزاة" (وليس مهاجرين) يحملون معهم، في زحفهم نحو إسبانيا وأوروبا، أحلام استعادة "الفردوس المفقود"، عوضاً عن أنّهم بشر يبحثون عن آفاق اجتماعية ومعيشية أفضل. إنّ الربط التعسّفي بين أزمة الهجرة و"الغزو المغربي" لا يقفز فقط فوق متغيّرات جيوسياسية تلوح في الأفق في مضيق جبل طارق، بل يتجاهل جذور هذه الأزمة المقترنة، بالضرورة، باختلالٍ في العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الشمال والجنوب. مفارقة أن يُحتفى بالإرث المعماري الأندلسي بالتوازي مع تكريس خطابٍ يميني محافظ يحذّر من "الغزو المغربي" يمثّل هذا الخيار الإعلامي والسياسي مورد تعبئة استراتيجياً لا يستهان به لليمين المتطرّف الإسباني، الذي يتطلّع، من خلال حزب فوكس، إلى توسيع قاعدته الاجتماعية والترويج لمقاربة أمنية أكثر تشدّداً إزاء المغرب. بيد أن ما ينطوي على مفارقةٍ، لا تخلو من دلالة، هو أنْ يُحتفى بالإرث الثقافي والأدبي والمعماري الأندلسي في أكثر من فعالية، ولا سيّما في مدن إقليم الأندلس، بالتوازي مع تكريس خطابٍ يميني محافظ يحذّر من "الغزو المغربي"، ما يدلّ على ازدواجية وظيفة "الأندلس" في المخيال الإسباني المعاصر؛ فهي مصدر لتعزيز قيم التعايش والتسامح والاختلاف والتعدّدية الثقافية بين الثقافات الثلاث (المسيحية واليهودية والإسلام)، انسجاماً مع أطروحة كاسترو. بيد أن هذه المقاربة الرومانسية تُضمر، في الواقع، سردية كولونيالية مرعبة، مفادها أنّ إسبانيا المعاصرة، وتحديداً في سبتة ومليلية والجزر والصخور المتوسّطية، هي الامتداد التاريخي والثقافي الحصري لتجربة "التعددية الأندلسية" في المغرب، ما يعني شرعنة احتلالها للمدينتَيْن. وبذلك تتحوّل الأندلس إلى مرجعية وظيفية مزدوجة في تدبير سياسات الهُويّة في إسبانيا وتوجيهها وفق الترسانة الأيديولوجية لليمين الإسباني وحساباته ذات الصلة بالصراع السياسي والاجتماعي الداخلي في إسبانيا. تكييف أحداث سبتة "غزواً مغربياً" ليس مجرّد انحراف إعلامي وسياسي ظرفي، بقدر ما هو تعبير عن ذاكرة محاصَرة بقراءة هُويّاتية وقومية للتاريخ المشترك بين إسبانيا والمغرب. إنّ إبقاء الذاكرة الإسبانية رهينة عقدة "حروب الاسترداد" لا يُضعف فقط مقوّمات العيش المشترك داخل المجتمع الإسباني الذي يضمّ مواطنين ومقيمين من أصول مغربية وعربية ومسلمة، بل يشكّل حجر عثرة حقيقياً أمام التعاون الأمني والاقتصادي بين ضفَّتي المتوسّط. ولذلك، فالاستمرارُ في التعاطي مع سبتة ومليلية باعتبارهما حصنَيْن مسيحيَّيْن إسبانيَّيْن في أفريقيا يستدعيان الحماية العسكرية والدبلوماسية الدائمة، والتغذّي على الموروث المسيحي القشتالي، والقفز فوق حقائق الجغرافيا (التي لا تتوقّف إسبانيا عن استدعائها في مشكلة جبل طارق)، والتعاميَ عن تحوّلات جيوبوليتيك مضيق جبل طارق بعد اتفاق 14 يوليو (2026) بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا. ذلك كلّه لن يصبّ في مصلحة البلدَيْن، المحكومين بجوارٍ جيوسياسي يُفترض أن يكون حافزاً ومحرّكاً رئيساً لبناء شراكة متوازنة، أكثر انعتاقاً من عُقد التاريخ، وأكثر ارتباطاً بمصالح الشعبَيْن الإسباني والمغربي وتطلّعاتهما.
عُقدةُ الأندلس... الذاكرةُ الإسبانية المُحاصَرة
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.