UN

unknown

د. أيمن نور : هذا رأيي.. فهل تسمعني؟

Image
قبل 45 عامًا، جاءتني أول رسالة قاسية من السلطة. لم تصل في مظروف، بل جاءت في سيارة أمن، وانتهت بباب حديدي أُغلق خلفي للمرة الأولى. كان ذلك في سبتمبر عام 1981. كنت رئيسًا لاتحاد طلاب الجمهورية للمدارس الثانوية ودور المعلمين والمعلمات، شابًا لم يتجاوز السابعة عشرة، لم يعرف من السياسة سوى حماسة الكلمة، وبراءة الحلم، والإيمان بأن للشباب صوتًا، وللطلاب دورًا، وللحقيقة مكانًا في وطنهم. جاء رجال الأمن مع أول ضوء. لم تكن شمس النهار قد اكتملت، لكن ظلال الخوف كانت أطول من أشجار مصر يومها. أدركت أن دولة كاملة قد تخشى كلمة تخرج من فم فتى أكثر مما تخشى رصاصة تخرج من بندقية. لم يكن السجن مجرد جدار وقفل، كان إعلانًا مبكرًا بأن سبتمبر سيصبح قدري وكتابي وامتحاني المتجدد. دخلت الزنزانة غلامًا يحمل أحلامًا بسيطة، وخرجت منها رجلًا يحمل جرحًا ووعدًا ووصية. عند الأسوار، كنت أسمع صوت أمي في الدعاء. كان يصلني أقوى من صرير الأقفال: «اثبت.. فالوطن يستحق». وفي الزنزانة رأيت ليبراليين وإسلاميين ويساريين ومثقفين وصحفيين. لم تجمعهم فكرة واحدة، لكن جمعهم ظلم واحد. وهناك تعلمت أن الحرية لا تعرف حزبًا ولا مذهبًا، وأن القيد لا يفرّق بين يمين ويسار. كتبت يومها على جدار الزنزانة: «لا تجعلوا السجن مقبرة، بل اجعلوه مدرسة». ومنذ ذلك الصباح، صار كل سبتمبر صدى لتلك الساعة. جاءت انتخابات وتزوير ومحاكمات وسجون أخرى، ثم جاءت الثورة وجاء المنفى. تغيرت الوجوه، لكن السؤال بقي كما هو: هل يملك الإنسان صوته، أم تستعيره منه السلطة، ثم تعيده إليه خافتًا أو مشوهًا؟ لم يكسرني سبتمبر، لكنه علمني أن الحرية ليست مادة في دستور، بل شهيق الروح؛ إن انقطع مات الإنسان واقفًا. لو كان الأمر بيدي، لجعلت من ذكرى كل سجين بابًا لمراجعة ظلمٍ مضى، ومن كل زنزانة أُغلقت على صاحب رأي نافذة تُفتح للوطن. فالأوطان لا يحميها الصمت، ولا تنقذها السجون. هذا رأيي.. فهل تسمعني؟
د. أيمن نور : هذا رأيي.. فهل تسمعني؟
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.