فض

فضل عبد الغني

النساء الباحثات عن مفقودي سوريا ودلالة يوم دولي

Image
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، من دون تصويت، في 31 آب/ أغسطس 2026، قرارًا مقدمًا من سوريا يقضي بتخصيص 19 كانون الأول/ ديسمبر يومًا دوليًا للاعتراف بالنساء الباحثات عن الأشخاص المفقودين. وهي خطوة تحمل ثقلًا سياسيًا وأخلاقيًا حقيقيًا، ولا سيما أنَّ هذا القرار انبثق من تجربة أسر المفقودين. غير أنَّ قيمته تكمن فيما يمكن أن يسهم في تحقيقه، لا في فعل الاعتراف بحد ذاته. فهذا النوع من المناسبات لا ينشئ آلية جديدة للبحث، ولا يرتب مسؤولية جنائية جديدة، لكنَّه يجدد الزخم السياسي من أجل إعمال حقوق والتزامات راسخة في القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان: واجب البحث عن المفقودين وكشف مصيرهم، وحق الأسر في معرفة مصير ذويها، والحق في الجبر والمساءلة عندما يشكل الاختفاء انتهاكًا للقانون الدولي. ومن ثم، فإنَّ المسافة الفاصلة بين الاعتراف والحقوق هي السؤال الذي يطرحه هذا اليوم، لا الإجابة التي يقدمها. ويعد البعد الجندري للقضية بنيويًا، ولا يمكن اختزاله في حقيقة أنَّ معظم القائمين بالبحث عن ذويهم المختفين قسريًا هن من النساء. فالاختفاء يعيد توزيع السلطة والمسؤوليات والمخاطر داخل الأسرة. وعندما يختفي رجل، قد تصبح زوجته أو والدته أو ابنته المعيل الرئيسي للأسرة وممثلتها أمام المؤسسات، في وقت قد تفتقر فيه إلى السلطة القانونية على الممتلكات أو إلى صلاحية اتخاذ القرارات المتعلقة بالأطفال. وتمثل هذه الفجوة بين المسؤولية العملية والسلطة القانونية ضررًا جندريًا محوريًا ناجمًا عن الاختفاء؛ فهي مسألة تتصل بالمساواة وعدم التمييز وإمكانية الوصول إلى سبل الانتصاف، وليست مجرد مسألة مساعدة اجتماعية. وقد أقرت لجنة القضاء على التمييز ضد المرأة، في الفقرة 42 من الإضافة إلى توصيتها العامة رقم 30، بأنَّ الأشخاص الذين يبحثون عن أقارب مفقودين في سياقات النزاعات المسلحة، وغالبًا ما يكونون من النساء، يواجهون آثارًا متميزة وعوائق قانونية في مواجهة الإفلات من العقاب. والنساء الباحثات لسن مجموعة متجانسة؛ إذ تختلف احتياجاتهن والمخاطر التي يواجهنها باختلاف الحالة الزوجية، ووضع النزوح، والجهة التي كانت تسيطر على مكان وقوع الاختفاء. ولا تصبح أي سياسة كافية لمجرد وصف نفسها بأنَّها مراعية للمنظور الجندري. كما أنَّ النساء موجودات أيضًا بين المختفين، ولسن فقط بين الباحثين عنهم. ووفقًا لبيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان، لا يزال ما لا يقل عن 177,021 شخصًا في عداد المختفين قسريًا منذ آذار/ مارس 2011، بينهم 8,984 امرأة و4,536 طفلًا؛ وهو حد أدنى موثق لحالات الاختفاء القسري، وليس إحصاءً شاملًا لجميع السوريين المفقودين. فالاختفاء ليس واقعة منفردة، بل حالة انتظار قد تمتد سنوات أو عقودًا، حتى يصبح الزمن نفسه جزءًا من الضرر. وكل عام يمر من دون كشف الحقيقة قد يفاقم فقر الأسر الناجم عن فقدان معيلها ويفرض عليها خيارات بالغة القسوة تتعلق بالحضانة والممتلكات. وليس الحل في إعلان وفاة المفقود لمجرد تمكين أقاربه من ممارسة حقوقهم المدنية الاعتيادية بينما لا يزال مصيره مجهولًا. وتعرض إرشادات اللجنة الدولية للصليب الأحمر بشأن شهادات وإعلانات الغياب أحد الخيارات المتاحة في القانون الداخلي، والمتمثل في الاعتراف بالشخص بوصفه مفقودًا مع الحفاظ على شخصيته القانونية، بما يتيح للأسرة تلبية احتياجاتها المدنية والاقتصادية من دون افتراض وفاته. والبحث ليس مهمة إنسانية محايدة بالكامل؛ إذ قد يتحدى الإنكار الرسمي ويفضي إلى أدلة تتصل بالمسؤولية الفردية والمؤسسية. وقد تصبح النساء اللواتي يضطلعن به فاعلات في المجال العام، حتى من دون أن يعرّفن أنفسهن بوصفهن مدافعات عن حقوق الإنسان. وهناك تمييزان إضافيان لا غنى عنهما. يفصل الأول بين الحق في المعلومات والحق في النشر؛ فللأسر الحق في الحصول على معلومات دقيقة بشأن مصير أقاربها، لكن ذلك لا يعني إتاحة الأسماء أو بيانات الحمض النووي أو مواقع القبور للعامة. كما أنَّ الإفصاح السابق لأوانه قد يعرّض الأدلة للخطر ويتسبب في أضرار لا رجعة فيها للخصوصية. ولذلك، ينبغي أن تقوم المشاركة على الموافقة المستنيرة والسرية، وأن تخضع لمبدأ عدم التسبب في الضرر. أما التمييز الثاني، فيفصل بين البحث والمساءلة من دون أن يقطع الصلة بينهما؛ إذ ينبغي أن يبدأ البحث فورًا، ولا يجوز أن ينتظر توافر قضية قابلة للملاحقة القضائية، إلا أنَّه يكشف، في الوقت نفسه، عن مواد ذات قيمة إثباتية، من سجلات الاحتجاز إلى مواقع الدفن، ينبغي حفظها وفق ضمانات تتعلق بالموافقة وحماية البيانات، لا نقلها تلقائيًا إلى الأجهزة الأمنية أو السلطات القضائية. ومن ثم، فإنَّ معيار الحكم على هذا اليوم هو ما يفضي إليه من تمكين فعلي، وهو يحقق غايته إذا حصلت النساء الباحثات على مقاعد فعلية في الهيئات التي تدير ملف المفقودين، وعلى دور مؤثر في تحديد أولويات البحث، وعلى صفة تتيح لهن الطعن في السياسات التي تستبعد الضحايا أو تنتهك السرية؛ ويفشل إذا اختُزل في خطابات تشيد بصبر الأمهات وتضحيات الزوجات. ولا يعني التركيز على النساء أنَّ الرجال أقل أهمية؛ فالرجال يشكلون الغالبية الكبرى من المختفين قسريًا في سوريا، فيما تقع تبعات اختفائهم إلى حد بعيد على النساء المحيطات بهم، اللواتي أصبحن الباحثات الرئيسات، في حين لا يزال تأثيرهن محدودًا في المؤسسات التي تدير عمليات البحث. ولا تكتسب قيمة الاعتراف بدورهن في مقاومة الإخفاء والإفلات من العقاب معناها الحقيقي إلا إذا أسهمت في تعزيز الحق العالمي لكل أسرة في معرفة مصير المفقود، والحصول على الحقيقة والجبر والمساءلة، بدلًا من أن تحل محل هذا الحق.
النساء الباحثات عن مفقودي سوريا ودلالة يوم دولي
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.