مح

محمود الرحبي

أسئلة "قصيرة" في الطريق

Image
أسئلة "قصيرة" في الطريق قبيل وصولي إلى النادي الثقافي بالقرم (ضمن أحياء مسقط)، كان رأسي منشغلاً بأمر القصة القصيرة التي سأقرأها. كان المطلوب للقراءة جزءاً من قصة أو قصة من نصف صفحة، ضمن مشروع "رحلة الطائر" الذي ساهم كاتب هذه السطور في ابتكاره وأشرف عليه الناقد والأكاديمي المصري المقيم في مسقط، الصديق محمد الشحات. وسبب هذه الأسطر القليلة أن الفعالية تتضمن، علاوة على ذلك الزهد في القراءة القصصية، مداخلة نقدية يُختار لها باحث إلى جانب أسئلة توجه إلى القاصّ يشارك فيها الحضور. لذلك كان "مفهوماً جداً" أن تكون القراءات القصصية محدّدة وقصيرة قدر الإمكان. وربما بسبب هذا نسيت أن آخذ معي ما اقرأه، وكان وجود أي مجموعة قصصية لي في سيارتي سيلبي الغرض، وهذا ما لم يحدث. لذلك، والحال هذه، عليّ أن أتدبر الأمر سريعاً، وأدبّج صفحة قصصية قصيرة على ميناء هاتفي ثم أقرأها أمام الحضور. كنتُ بين الوقفات أضع الهاتف في حضني. أمام الإشارة الحمراء التي انقلب لونها لحظة وصولي، حيث ستكون ثمة سانحة كافية لفعل شيء إلى أن تعود إلى اخضرارها، أو قبيل الوصول إلى دوار الخوير وأمامي شاحنتان، ستكون سانحة كافية أيضاً لتقليب هاتفي، وأيضاً عند ذلك المنعطف المتمهّل في المفترق بين مدينتي الإعلام والقرم، بسبب إصلاحات في الطريق. هنا في هذا المكان، سمعت زعقة قصيرة من نجدة الشرطة، ولمحت ظل ضوء لوّاح يدور بالقرب مني، فأوقفت سيارتي. اقترب مني شابٌّ مبتسمٌ وطلب رخصة القيادة: "عمّي... هل كنت منشغلاً بهاتفك؟"، "نعم صحيح كنت أكتب قصة". "هل تكتب في مجلة الشرطي الصغير؟"، "لا. لدي فعالية في النادي الثقافي بعد قليل، ويجب أن أقرأ شيئاً. تذكّرتُ أن غير واحدٍ من الناس يعتقد أن القصص لا تُكتب إلا للأطفال". اكتشف الشرطي، وهو يقلب شاشة جهازه واقفاً، أن لدي مخالفة قريبة وللسبب نفسه: الانشغال بالهاتف. وربما نظراً إلى صراحتي الناصعة واللحية التي يكاد زيتها يضيء، تغاضى عن المخالفة الجديدة ولم يقيّدها، مع نصيحة خجولة بعدم تكرار الأمر. لقد عرف أني كنت أداعب هاتفي رغم إخفائي له أسفل المقود حيث لا يمكن للرادار أن يتصيّده، ولكن يبدو أن سيارتي كانت تخرج لحظة عن الطريق أو تقف أكثر من اللازم قبل أن تنطلق إثر كل سانحة، وهذه إشارات لا تحتاج إلى خبير لكي تدلل على أن السائق منشغل بشيء أسفل عينيه. وصلت الى النادي الثقافي، كان قبلي كاتبان، أولهما نمير آل سعيد، الذي قرأ قصة تنتهي بقفلة، ثم قرأت طيبة الكندي شيئاً من قديمها. وحين جاء دوري (أعقبه دور عبد الله بني عرابة الذي قرأ صفحتين من قصار القصص)، قرأت قصة بعوان "سيارة صينية" نسجتها في "الطريق" بضمير المتكلم: ... وضعت في جيبي الظرف الذي به ثلاثة آلاف ريال، وركبت حافلة إلى الوطية، لكي أعود إلى البيت بسيارة صينية جديدة. كنت أرتدي شيرتاً وبنطلوناً ونظارة شمسية و"كاباً" ذا حافّة أمامية ليحميني من لظى الشمس. وصلت إلى مقصدي في حدود الخامسة مساءً. اقترب مني شابٌّ مبتسمٌ وقادني في جولة مفصلة، وكان لسانه لا يستريح من الشرح والتفصيل، ومررتُ بسياراتٍ فيها مختلف مواصفات الراحة والأمان، إحداها كان ضمن مواصفاتها جلسة مساج للسائق، وهو يقودها حيث يشاء. قلت له إن لدي في جيبي ثلاثة آلاف ريال، فزاد من سخاء ابتسامته، وأضاف إليها شيئاً من ضحك خجول: "عمّي هذا المبلغ الحين ما يجيب لك سيارة جديدة". تذكّرت في سنوات الثمانينيات، حين أخذني عمّي يعقوب إلى الوطية ليشتري سيارة، وكان في جيبه نصف هذا المبلغ، ومع ذلك خرج وهو يقودها. أخذني الشاب إلى مرأب سفلي، حيث تعرض صفوف من السيارات المستخدمة بمختلف حالاتها وأعمار استخدامها، فوقع نصيبي على سيارة هيونداي بسعر لا يجعل الجيب فارغاً (2800 ريال عُماني) خرجت بها إلى البيت، وهي السيارة نفسها التي أتيت بها إلى هذه الفعالية.
أسئلة "قصيرة" في الطريق
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.