جو

جورج كعدي

آفي شلايم وإيلان بابيه... رؤية واحدة إلى المستقبل

Image
آفي شلايم وإيلان بابيه... رؤية واحدة إلى المستقبل قد يستدعي الكلام عن نهاية الكيان الصهيونيّ من غير أسانيد موضوعية ردوداً هازئة أو ساخرة، على أساس أنّه كلام مجافٍ لحقيقة "الأمر الواقع"، أي استحالة زوال "دولة" نشأت واستقرّت و"انتهى الأمر". هذا حين يقال، مثلاً، "إسرائيل ستزول" من غير تعليل أو تفسير أو عرض لمسبّبات الزوال وفرضياته. الحكم الانفعاليّ الإطلاقيّ لا صدقيّة له وليس أمراً محموداً في النقاش السياسيّ. لكنّ المسألة تختلف عندما يكون المتفوّه باحتمالات الزوال باحث ومؤرّخ يهوديّ، نشأ في الكيان ويعرف مقوّماته الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية من الداخل، ويرصد حركته التاريخية وتطوّراته الآنية بدقة ملاحظة واطلاع لا يتمتع بها آخرون من خارج الوسطين اليهوديّ والصهيونيّ، أي حينما يكون هذا المفكّر والباحث من أهل البيت وأدرى بشعابه. تلك هي حال آفي شلايم، المؤرخ اليهوديّ من أصل عراقيّ، والمواطن الإسرائيلي قبل أن يغادر الكيان إلى إقامته البريطانية الطوعيّة، وحال زميله إيلان بابيه أيضاً، المناصر قضية الشعب الفلسطيني، والمناهض نظام التمييز العنصري لدولته المسمّاة "إسرائيل" التي ما فتئ يناضل فكرياً، مشاكساً أبناء قومه، من داخلها، وإن بقي في ترحال بحثيّ وأكاديميّ وخروج وعودة. في حوار مستفيض وغنيّ أجرته زاهدة طوباكور للعدد الأول من مجلة "تصحيح" التركية معه، ونشر "ضفة ثالثة" في "العربي الجديد" وقائعه في 3 سبتمبر/ أيلول الحالي، يقول آفي شلايم: "استخدام القوة لا ينجح، فهي الأداة الخطأ لمعالجة مشكلة سياسية، والطريق الذي تسلكه إسرائيل خاطئ بالكامل. قد تتسبّب إسرائيل في قدر أكبر بكثير من الضرر في المنطقة، وقد تقتل مزيداً من الناس، وتدمر أكثر، وتلحق مزيداً من المعاناة بالمدنيين في كل مكان. لكنها، في نهاية المطاف، محكوم عليها بالسقوط، كما حدث مع جنوب أفريقيا. ذلك أن نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) لا يمكن أن يكون مستداماً في القرن الحادي والعشرين، والمشروع الصهيوني، بصورته الراهنة، لا يمكن أن يستمرّ (...)". ويضيف في سياق آخر: "يستحيل على إسرائيل أن تطوّق تركيا وإيران وباكستان. يتراوح عدد سكان إسرائيل بين تسعة ملايين وعشرة ملايين نسمة، أما إيران التي يبلغ عدد سكانها نحو تسعين مليوناً، وتركيا التي يبلغ عدد سكانها نحو ستة وثمانين مليوناً، فهما دولتان بحجم بريطانيا وفرنسا وألمانيا، فيما يبلغ عدد سكان باكستان نحو 260 مليون نسمة. ليس بوسع دولة صغيرة مثل إسرائيل أن تطوّق المنطقة كلها وتفرض عليها هيمنتها. إسرائيل تحاول القيام بأمور تفوق حجمها وقدراتها، إنها تُجهد نفسها وتفرط في التوسع، وفي النهاية ستنهار من الداخل". أكثر من خلاصة جوهرية ينتهي إليها قارئ هذا الحوار مع المؤرخ شلايم، أبرزها أن الكيان صغير العدد والمساحة يخوض صراعاً مستحيلاً مع جواره القوميّ والإسلاميّ الشاسع، لكنّ مشروع هيمنته محكوم، في نهاية المطاف، بالسقوط المؤكد. ولكون الكيان الصهيوني آخر نظام فصل عنصري في العالم كله، فإنّه لن يستطيع الاستمرار في أي شكل، متحدّياً كل الرأي العالمي الذي بات واعياً حقيقته. والعامل الأهم أن هذا الكيان مشروع توسّع يفوق حجمه وقدراته، ولذلك يخرج جيشه منهكاً في كل حرب عدوانية يخوضها، والإنهاك سبب وجيه وكافٍ لانهيار المجتمع الإسرائيلي من الداخل. "إسبرطة" نتنياهو وأشباهه لا تستطيع خوض الحروب إلى الأبد. علامات الإنهاك والضعف تظهر بقوة منذ الآن. أميل إلى تصديق رؤيتَيْ المؤرخَيْن شلايم وبابيه أكثر من رؤية أي جهبذ عربي ينفي كل التوقعات المحتملة حول تفكك كيان الاحتلال أو انهياره ويرى إيلان بابيه في حديث شائق وقيّم عبر بودكاست منصة "مزيج" (بُثّ أخيراً على "يوتيوب") الواقع نفسه، ومما يقوله: "نتنياهو يقول ما لا يريد الشعب الإسرائيلي سماعه عن أنّ إسرائيل تخاطر بتدمير نفسها، وأنها تخسر العالم، وأنها ترتكب أشياء فظيعة (...) إذا اكتفينا بنظرة آنية إلى واقع إسرائيل، فإنها لا تزال تملك أقوى جيش في الشرق الأوسط، ولديها اقتصاد قوي، وصناعة وتقنية عالية قوية، وهي قادرة اليوم، لو أرادت، على قصف أي عاصمة عربية". لكن لو نظرنا قليلاً تحت سطح الأمور، لوجدنا أن أقوى جيش في الشرق الأوسط منهك. هم (الجيش) يقولون ذلك، ليس أنا. إنه جيش مكوّن أساساً من جنود احتياط لا يكادون يرون بيوتهم، أو أعمالهم، أو وظائفهم منذ قرابة ثلاث سنوات. هذا اقتصاد حرب، أي أن المال لا يذهب إلى مجالات الرفاه، المجتمع، المستشفيات، المدارس. إنها دولة لم يعد العالم يحبّها، والإسرائيليون يشعرون بذلك. ثمة أيضاً تأثير اقتصادي بسبب الانتقادات القاسية ضد دولة إسرائيل. هذا يعني أنها قوية الآن فقط، ويمكنك أن ترى كم هي هشة، وكم أن أعمدتها ضعيفة. أردّد دائماً: إنها مثل مبنى نُخرت أعمدته بالفعل. إنها مشكلات غير مرئيّة في أساساته. 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وجّه، مثل هزة أرضية، ضربة إلى هذه الأساسات فازدادت هشاشتها. أقول للإسرائيليين بألم: ما يُباع لكم من كلام هو غير صحيح. أنتم لست أقوياء. أنتم الآن أقوياء لكنكم في طريقكم إلى الانهيار. لقد بدأ مسار التفكك، ببطء قد تصعب رؤيته. لكنني أعرف كوني مؤرخاً أن التفكك يبدأ بطيئاً ثم يتسارع ويصبح فجأة سريعاً (...)". ويشدّد بابيه محقاً جداً على ضرورة الوحدة الفلسطينية للتسريع في تفكك كيان الاحتلال. في كلام هذا المؤرّخ الشجاع والنبيل خلاصات جوهرية مماثلة لها في حوار زميله شلايم، فهو يغوص إلى ما تحت الظاهر في المجتمع الإسرائيلي الحاليّ، ليكشف عن هشاشة وضعفٍ كامنين، غير منظورين، في بنيان الكيان منخور الأساسات. وليشكف أيضاً عن جيش منهك سيزداد إنهاكه ولا يسعه الاستمرار طويلاً، خلافاً لصورته "أقوى جيوش المنطقة". وللجبهة الداخلية يقول بابيه للإسرائيليين بمنتهى الصراحة والموضوعية: كلا أنتم لستم أقوياء. بل أنتم في طريقكم إلى الانهيار. ويلفت إلى أن تفكك المجتمع الذي يبدو بطيئاً الآن سوف يتسارع ليصير من ثمّ تفكّكاً سريعاً. ويؤكد مقابل هذه النظرة إلى مآلات المجتمع الإسرائيلي على أهمية الوحدة الفلسطينية، التي تساهم في اعتقاده بتسريع انهيار المشروع الصهيوني الاستعماريّ والعنصري والإحلاليّ. أميل إلى تصديق رؤيتَيْ المؤرخَيْن شلايم وبابيه أكثر من رؤية أي جهبذ عربي ينفي كل التوقعات المحتملة حول تفكك كيان الاحتلال أو انهياره، من باب "العقلانية" و"الواقعية" والتسليم بـ"الأمر الواقع"، غير مدرك أنه يقفل الباب بإحكام على مفاجآت التاريخ وتحوّلات الواقع ومستجداته في آن معاً.
آفي شلايم وإيلان بابيه... رؤية واحدة إلى المستقبل
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.