ال

المهدي مبروك

هل من غسّالة للبيادر في تونس؟

Image
هل من غسّالة للبيادر في تونس؟ يصف التونسيون أول أمطار الخريف بـ"غسّالة النوادر"، وهو مصطلح فلّاحي تقليدي استُعمل لنعت تقلّبات الخريف الجوّية التي تجلب لهم، أواخر أغسطس/ آب وبداية سبتمبر/ أيلول، الغيث النافع. ولفظ "النوادر" قد يكون مجرّد تحريف لكلمة بيادر (المكان الذي تُجمع فيه محاصيل الحبوب). وكعادة اللهجات المحكية في الوطن العربي، يُتلاعَب ببعض الحروف، نطقاً أو إعادة ترتيب (Re-Ranking) أو بتعويض بعضها ببعض. ثمّة أمثلة شعبية عديدة في الثقافة المحلّية التونسية، فضلاً عن حكايات وأحاجٍ تفيد أنّ تلك الأمطار الفجائية الغزيرة تطوي الصفحة وتبشّر بأخرى. ولعلّ هذا الثراء الرمزي ما دفع بالمسرحيَّيْن الكبيرَيْن الفاضل الجزيري والفاضل الجعايبي، في أول أعمالهما ضمن تجربة المسرح الجديد (سنة 1980)، وهي تجربة شكّلت قطيعةً حادّةً مع أشكال المسرح الشعبي أو الكلاسيكي، إلى عنونة مسرحية بهذه العبارة "غسّالة النوادر" (الممثّلون الثلاثة فاضل الجعايبي، وجليلة بكّار، ومحمّد إدريس)، ولا تزال تُعاد في شاشة التلفزيون، على الرغم من مرور ما يناهز 46 سنة، وشكّلت علامةً فارقةً في تاريخ المسرح التونسي والعربي. يحمّل الرئيس سعيّد "الخونة" و"المتآمرين" و"الفاسدين" مسؤولية الكوارث التي حلت بالبلاد، وينكر تماماً سوء الأحوال التي حلّت بالناس كان صيف تونس صيف كلّ الأخطار والمصاعب: انقطاع الماء والكهرباء لساعات طويلة، ولأيام عديدة، في بعض مناطق البلاد، مع اختفاء شبه كلّي للمياه المُعبّأة، ما جعل بعضهم يعود إلى نعت هذا العام بعام العطش. وكان التونسيون، مثل غيرهم من شعوب الجوار، قبل شيوع التأريخ الحديث، يسمّون أعوامهم بالأحداث العظام التي شهدتها جماعاتهم مثل عام الروز وعام الحرب وعام الجدري... إلخ. لم تلاحق هذه المتاعب "المواطنين الأحرار" الذين يتجوّلون في الفضاءات العامّة، ويعودون بعد يومهم إلى ديارهم فحسب، بل شملت هذه المتاعب المواطنين السجناء. تنقل شهادات عديدة لمحامين وأقارب موت عشرات منهم في غرف ضيّقة يتكدّسون فيها، فتنقطع أنفاس بعضهم نتيجة الاختناق في هذا القيظ القاتل. كما تنقل أيضاً منظّمة تونسية فتية، هي منظّمة الأطبّاء الشبّان، أنّ عشرات المواطنين تُوفُّوا في المستشفيات، وتحديداً في اقسام الطوارئ، وكان موتهم هذا ناتجاً من ظروف إيواء القادمين إليها، وهم عادة من كبار السنّ والمصابين بالأمراض المزمنة. ولا يُخفى علينا جميعاً أنّ من شأن انقطاع الكهرباء ساعات طويلة أن يصيب هذه الفئات بمختلف أنواع المتاعب الصحّية التي تدفع إلى تدهور حالاتهم. سرت شائعات وسط هذه الأجواء والمناخات الخانقة عن قرب انفراج سياسي ما، فتسرّبت شائعات عن تعديل وزاري مقبل يشمل منصب رئيسة الحكومة ووزراء آخرين عديدين، وأنصار الرئيس قيس سعيّد وبعض رموز معارضة الموالاة هم الأكثر حرصاً على تداول هذه التسريبات، إلى حدّ الشغف الذي يمتصّ الغضب المتنامي، ويعطي الرئيس قيس سعيّد فرصةً حتّى يجدّد مشروعيته التي تضرّرت كثيراً بعد هذا الصيف الساخن. يحمّل الرئيس سعيّد "الخونة" و"المتآمرين" و"الفاسدين" مسؤولية الكوارث التي حلت بالبلاد، وينكر تماماً سوء الأحوال التي حلّت بالناس. يدرك أنصار الرئيس أنّ منسوب الاستياء آخذ في التحوّل إلى غضب، لذلك سارعوا بتسريب هذه الشائعات من أجل استباق الأمور، فقد يكون التغيير الحكومي حلّاً يقطع مع احتمالات تصاعد الاحتقان. غير أنّ كلّ التوقّعات تبدّدت بعد أكثر من أسبوعَيْن. في الأثناء، وعلى خلاف توقّعات هؤلاء، صدرت أحكام الطور التعقيبي (وهو آخر طور في مسار التقاضي) فيما عُرف بقضية التآمر، بتأييد كلّ الأحكام التي صدرت في حقّ عشرات السياسيين (رؤساء حكومات، ووزراء سابقين، وخبراء، وقادة أحزاب، وإعلاميين). وبذلك يُطوى هذا الملفّ الذي شكّل اختباراً حقيقياً لاستقلال القضاء، واختباراً لقدرة النُّخب على الدفاع عن الحقّ الأدنى. تؤكّد جلّ المنظّمات الدولية المعنية باستقلال القضاء، على غرار منظّمة العفو الدولية، أنّ الملفّ يكاد يكون فارغاً، خالياً من الأدلة التي تؤيّد ما صدر من أحكام ثقيلة وخرافية. متاعب صيف تونس لم تنل من "المواطنين الأحرار" بل شملت المواطنين السجناء أيضاً وعلى وقع ذلك، سارعت السلطة إلى إيقاف الصحافي محمّد اليوسفي، من "الكتيبة"، وهي موقع إلكتروني في شكل جمعية مستقلّة، حاور شخصيات مُعارَضة عديدة، فضلاً عن إنجاز جملة من التقارير ضمن الصحافة الاستقصائية التي أجادها، حتّى غدا مرجعاً لكلّ الأصوات المستقلة. لا شيء في الأفق يوحي بأنّ شيئاً ما سيتغيّر باتجاه انفتاح سياسي قريب. وحتّى "تنسيقية الثلاثي" التي أُعلنت في بحر الأسبوع الماضي (الاتحاد العام التونسي للشغل، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وعمادة المحامين)، وتشكّل محاولةً لإحياء الرباعي الراعي للحوار بعد انسحاب اتحاد الصناعة والتجارة، قد بدا سقف تطلّعاتها لا يتجاوز تبرئةَ الضمير، من دون أن يكون انخراطاً حقيقياً في معارك استعادة الديمقراطية. علاوة على أنّ خطاب بعضها لا يزال إقصائياً، إلى جانب تراكم مشكلات داخلية جمّة كادت تشلّها. تحتاج تونس إلى "غسّالة النوادر" هذه حتّى تجرف التعب الذي تجمّع في بيدر أرواحنا وعقولنا، لعلّنا نظفر بقليل من الهدوء والسكينة، على الرغم من الخسارات المحتملة في أمطار تحمل معها رعوداً وسيولاً جارفة. احتاجت شعوب الدنيا كلّها إلى طوفان، ولو كان صغيراً، فأحياناً قد تضيق الأرض بما رحبت.
هل من غسّالة للبيادر في تونس؟
View on original source
Share
Archive
Like

(0)Comments

 

Related Opinion

A note on cookies

Newshunt uses essential cookies to keep you signed in and to remember your language and country, so the site works the way you expect. With your permission, we'd also like to use analytics cookies to understand how people use Newshunt and improve it over time.

Accepting only affects analytics. To learn more, view our Privacy Policy or Terms & Conditions.